الناخب السوري، دمشق (17 مايو 2007)
لقد أوضحنا في تقريرينا السابقين حول نفس الموضوع الطبيعة المرحلية للانتخابات التشريعية في سوريا. و لكن إن كان أحدكم بحاجة إلى المزيد من التوضيح حول استشعار النظام لضرورة تحمل عناء إجراء تلك المرحلة من الانتخابات في حين أنه كان يستطيع تجاوزها بسهولة، فإن الموافقة الجماعية من البرلمان على ترشيح الرئيس السوري بشار الأسد لفترة رئاسة ثانية مدتها 7 سنوات، تكشف الأمر برمته. إذ أن إضفاء مسحة من الشرعية على إجراءات من هذا النوع، ومهما كانت شكلية، هو أمر مطلوب دائما حتى في الدول الأكثر استبدادا.
استغرقت عملية الترشيح بالكامل أقل من خمس دقائق، بل أقل من مقدار الوقت الذي لزم لتعديل الدستور في سنة 2000، في تطور سمح لبشار بترشيح نفسه للمرة الأولي آنذاك. وفي هذا المرة، تم تتويج تلك اللحظة "التاريخية" بخطاب ألقاه بشار في 45 دقيقة تجاهل فيها الإشارة من قريب أو من بعيد إلى المقاطعة الشعبية للانتخابات، و امتنع عن الإدلاء بأية وعود تتعلق بالإصلاحات الداخلية، و راح يتفاخر بإنجازات غير محددة و وهمية في القطاع الاقتصادي، و أخذ يتحدى المجتمع الدولي في قضايا تتعلق بالمحكمة الدولية و عملية السلام و العراق. و أنهى بشار خطبته بطريقة تدل على أن السنوات القادمة لن تشهد أي تغيير حقيقي. ويبدو أن المحاولات التي قام بها المجتمع الدولي للتواصل مع بشار في الفترة التي سبقت الانتخابات لم يكن لها أي تأثير إيجابي عليه، بل، على العكس من ذلك، يبدو أنها زادت من تطرف مواقفه.
و مما يزيد الطين بلة، تزامن الخطاب مع نطق المحاكم الأمنة السورية بالحكم الأشد قسوة في ظل حكم بشار ضد معارض معروف، ألا وهو كمال لبواني، في وجه تدخلات شخصية من قبل السيناتور نانسي بيلوتشي في الأمر.
و في غضون ذلك، تكشف النظرة الفاحصة عن قرب لأعضاء البرلمان "الجدد" عدم وجود أية أوجه جديدة. فحتى الممثلين "الجدد"، هم جدد فقط من حيث اختيارهم (و ليس انتخابهم) للمرة الأولى لعضوية البرلمان، إلا أنهم ليسوا بجدد على الساحة السياسية. ف أغلبهم كانوا موظفين في مناصب رفيعة أو متوسطة بالدولة، و لديهم اتصالات عسكرية و أمنية معروفة. فعلى سبيل المثال، تشمل قائمة الفائزين عن مدينة دمشق: عمار ساعاتي، النائب السابق و الرئيس الحالي لاتحاد الطلاب، و محمد فاروق أبو الشامات، النائب السابق و الرئيس الحالي لفرع حزب البعث في دمشق، و محمد نبيل الخطيب، الرئيس السابق لمحكمة الأمن الاقتصادي و وزير العدل الحالي، و على هذا فقس فيما يتعلق بالمحافظات الأخرى.
كما أن أغلب المرشحين "المستقلين" من رجال الأعمال الذين يقضون حاليا فترتهم الثانية أو الثالثة، مرتبطين، بطريقة أو بأخرى، بترتيبات تجارية مع أعضاء الدائرة الداخلية للنظام، بما في ذلك بشار و ماهر الأسد.
أما المرشحين المستقلين، فبعضهم كان من رجال الدين المعروفين بعلاقاتهم الوطيدة مع أجهزة الأمن، أمثال محمد حباش و عبد السلام راجح.
كما فاز صباح عبيد، نقيب الفنانين بمقعد مستقل على حساب كثيرين من رجال الأعمال الذين أنفقوا الكثير من الأموال على حملاتهم الانتخابية، على الرغم من السقف المحدد للمصاريف الانتخابية. لكن هذا الأمر لا يعني أن السيد عبيد يمثل صوتا مستقلا. فمن الحقائق الراسخة في سوريا أن أصابع البعث تمتد إلى كل النقابات و الاتحادات بكثافة، و أن الرقابة المفروضة على الانتخابات الداخلية لها ربما كانت أشد من تلك التي تتعرض لها الانتخابات البرلمانية، و يتم الأشراف المباشر عليها من "القصر" في أغلب الأحيان. كما أن أراء السيد عبيد ضد المعارضة موثقة توثيقا جيدا.
لذا، و بمجلس مؤلف من شخصيات كهذه ، لم يكن مفاجئاً أن يحصل الأسد على موافقة جماعية على ترشيحه، على حساب الإرادة الشعبية الحقيقية.
لكن مايزال أمام الشعب السوري الفرصة لإعلان كلمته وذلك من خلال الاستفتاء الشعبي الذي يبدو جلياً الآن أن المقاطعة الشعبية ستطاله كما طالت الانتخابات التشريعية. نعم، صفعة واحدة على الوجه قد، بل لن، توقظ الأسد، لكنها ستنشط الشعب. و ستبدأ أزمة الأسد الحقيقية مع الشرعية في الأيام التالية للاستفتاء، و لن تنتهي مع الاستفتاء حسب آماله و توقعاته.
Comments