غسان المفلح- خاص ثروة
إن مفهومُ "حقوق الإنسان"، ببساطة هو كافة المرتكزات القانونية غير القابلة للتجزئة، والتي تنمو باستمرار، حيث تنظِّم الممارسةَ الفعلية والفاعلة لهذه الحقوق. فوراء الحق في الحياة والأمن، وحرية التصرف في الممتلكات الخاصة، والحق في المساواة أمام القانون، وفي حرية الفكر والتعبير، وفي التعليم والمشاركة في السلطة السياسية، هناك الحقوق الأخرى كلها التي تكمِّلها أو تجعل هذه الحقوق الأساسية ممكنة: الحق في الحياة والسعادة، وفي العمل والراحة، وفي المسكن وحرية التنقل، إلخ. لكن أيضًا، وراء هذا كلِّه، الحق في التصدِّي للاستغلال، الذي يمارسه رأسُ المال – الحقوق النقابية – وصولاً إلى الحقِّ في الترقِّي الاجتماعي، وفي تحسين ظروف عيش الإنسان، والحق في الأيديولوجية وفي النضال المستمر من أجل حصول الإنسان على حقوقه كاملة، وفي تأمين الظروف السياسية والدستورية والقانونية لهذا النضال.
لا شكَّ في أن حداثة حقوق الإنسان، تصل أيضا إلى أكثر من ذلك! ولكن، عن أي إنسان يتم الحديث؟ من المفترض أن القاعدة الذهبية لتواجد هكذا ثقافة، وهكذا مؤسسة للعملية الحقوق إنسانية، لا يمكن توفرها إلا في شرط الحد من احتجاز السلطة السياسية، بما هي سلطة غير سياسية، في بلدنا، احتجازها بفعل وجود قوة فوقها وهي قوة الدولة، والمتمثلة في سيادتها الداخلية. إن هذه الحقوق، حتى تكون في متناول المواطن العادي، يجب أن تتحول إلى مؤسسات في الحي والبيت والمدرسة. وهذه في الواقع مهمة الدولة المعاصرة في حيثيات انبنائها الأصلي. حيثيات وجودها، فهي من غير المعقول ولا الممكن عمليا أن تمارس سيادتها دون أن يكون هنالك من يدافع عن هذه السيادة بوجه كل من يحاول استغلال هذه السيادة أو طمسها، أو إلحاقها بأجندة شخصية ضيقة، تماما كما هي الحال في حاجتها إلى من يدافع عنها في وجه أي احتلال خارجي. لهذا هنالك من يتحدث عن السلطة في سورية بكونها احتلالا داخليا.
بغض النظر عن عمق هذا المفهوم أو سطحيته التجييشية، فإنه يقارب شيئا من الحقيقة، السلطة السياسية غير السياسية، لا يمكن لها أن تمتلك القدرة على الانتقاص من سيادة الدولة داخليا دون أن تمتلك قوى رابضة على الأرض. كأن نقول إن العسكر هم القوى التي تعتمد عليها هذه السلطة من أجل سرقة السيادة من الدولة، كما سرقت مجمل وظائفها من أجل أن تكون هي السيدة المطلقة على الدولة ومجتمعها. هذا السطو على الدولة، لا يمكن إعادة إنتاجه، في ظل قيام مؤسسات تتحدث عن حقوق الإنسان، التي تواضعت عليها مجمل البشرية في هذا الزمن. لهذا، نجد أن احترافية حقوق الإنسان تحتاج إلى من يحميها قانونيا، كما تحتاج إلى موارد علنية لاستمرار عمل هذه المؤسسات المحترفة، وهذه مهمة الدولة المعنية، أية دولة وأي مجتمع مدني. ولكن السلطة السياسية، تدرك جيدا أنها هي صاحبة الحق الوحيدة في قيام مصنفة خاصة بحقوق وواجبات رعاياها، وهذه تكون غالبا مرتبطة بسلوك هذه السلطة، لهذا عندما تنهار هذه السلطة تنهار معها مصنفاتها تلك، العراق نموذجا.
إن ممارسة السياسة هي جزء من ممارسة الحقوق، وليس هي التي تمنع ممارسة هذه الحقوق كما يحدث عندنا. إن العمل الفردي أو الجمعي لمجموعة ما أو حزب ما، من أجل أن يصل إلى السلطة مثلا، هذا حق مشروع ويدخل ضمن عملية تشكل الدول، ولهذا تمنع السلطة السياسية غير السياسية، لأنها عمليا لا تمارس السياسة وإنما تمارس أفعالا خارج الحقل السياسي، الذي يعتمد على القانون بالدرجة الأولى، فممارسة السياسة ليست، قمعا للرأي المخالف، وليست احتكارا للحقيقة، وللثروة، وللمصير. والسياسة، هي فعل تمثيلي وسيادي في العصر الراهن، وليست فعلا يتعاطى معه المجتمع الدولي باحترام! عندما يتفاوض هذا المجتمع مع سلطات سياسية، يعرف هذا المجتمع الدولي أنها لا تمثل شعوبها، لهذا هنالك قوى تتلاعب بهذا الأمر وتتركه أحيانا عرضة لابتزاز هذه السلطات غير التمثيلية. ولكن، من يدفع في النهاية ثمن هذا الابتزاز؟ إنها شعوب هذه السلطات، ولهذا أيضا ممنوع علينا كمواطنين سوريين أن نشارك في أي قرار سياسي يخص مصير بلدنا. وهذا هو جوهر القضية السورية، فمن لا يشارك في مصيره، لازال لم يرتق لمستوى إنسان! هكذا يعاملنا أبناء جلدتنا ووطننا من الأفراد المتحكمين بهذه السلطة. فعن أي حقوق إنسانية نتحدث إذن؟
Comments