مشروع إصلاح القضاء في سورية (2)ـ
المحامي: ميشيل شماس - خاص ثروة
ثانياً- مبدأ عدم التدخل في شوؤن القضاء
تحدثت في القسم الأول من هذا المشروع عن وحدة القضاء، أي توحيد جهات القضاء تحت سلطة قضائية واحدة تبسط ولايتها الشاملة على مختلف المنازعات والقضايا. وهو الشرط الأول الذي يرتكز عليه استقلال القضاء.
وفي القسم الثاني سأتحدث بشيء من التفصيل عن مبدأ عدم التدخل في شؤون القضاء، وهذا المبدأ يرتكزعلى مبدأ فصل السلطات.. التشريعية، التنفيذية والقضائية، بعيداً عن أية تبعية لحزب أو فئة سياسية معينة، فالدولة الحديثة ترتكز أساساً على استقلال السلطات وفصلها عن بعضها البعض.
وانطلاقا من ذلك، يمكن القول إن مبدأ عدم التدخل في شؤون القضاء يستوجب حكماً عدم وجود روابط عضوية- إدارية أو مالية- بين القضاء وبين السلطة التنفيذية، أو أية سلطة أخرى قد تؤثر على حريته واستقلاله، ويفضل في هذه الحالة ترك أمر تعيين القضاة والبت في سائر القضايا المتعلقة بهم إلى هيئة قضائية صرف، بما يمكن القضاء من أداء رسالته دون أية مؤثرات أو إغراءات من أية جهة كانت. فقانون السلطة القضائية الحالي، يعطي وزير العـــدل نفوذاً واسعاً على القضاء، مما يجعل السلطة التنفيذية حاضرة ومؤثرة في جميع الحلقات الإجرائية التي تنظم شؤون القضاة من التعين والترقية إلى التأديب والإقالة، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن طريق مجلس القضاء الأعلى المعين من قبل السلطة التنفيذية، والذي تتمثل فيه بأكثرية أعضائه، مما يؤثر سلباً على استقلال القاضي، الذي يجب أن يكون عصياً على أي تدخل من أية جهة كانت، وهذا يستدعي إجراء بعض التعديلات على قانون السلطة القضائية الحالي رقم 98 لعام 1961 وفقاً لما يلي:
أولا- تنظيم علاقة وزارة العدل بالسلطة القضائية بواسطة النيابة العامة التمييزية، وعن طريقها حصراً، ويحق لوزير العدل باسم الحكومة، وكلما تطلب الأمر الاتصال برئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس إدارة التفتيش القضائي، وهذا يتطلب تعديل المادة الأولى من هذا القانون، بحيث تصبح: يمارس مجلس القضاء الأعلى الصلاحيات التالية بدلاً من وزارة العدل:
1- السهر على تطبيق القوانين والأنظمة القضائية، والإشراف على الدوائر القضائية من حيث تنظيم أعمالها الإدارية وارتباطها ببعضها البعض في حدود القانون.
2- تحضير دراسة مشروعات القوانين المتعلقة بإجراءات التقاضي وأصول المحاكمات والتنظيم القضائي، وأن يفسر تعليماته ويفسر القوانين المذكورة كلما استلزم الأمر ذلك، أو بناءً لطلب المحاكم أو المحامين ويكون تفسيره ملزماً ، وله الحق أن يتقدم مباشرة إلى مجلس الشعب بمشروعات القوانين المتعلقة بإجراءات التقاضي وأصول المحاكمات والتنظيم القضائي ومجلس القضاء الأعلى والتفتيش القضائي ومجلس تأديب القضاة وحقوق وواجبات القضاة ووكلاء التفليسة والخبراء وكتاب العدل، وإذا قدم مشروع قانون الى مجلس الشعب يتعلق بهذا الشأن من أي جهة كانت، فإنه يجب عرضه أولاً على مجلس القضاء الأعلى لإبداء الرأي بشأنه خلال مهلة ثلاثين يوماً.
3- اقتراح العفو الخاص وتفتيش السجون ودور التوقيف للتثبت مما إذا كانت حالة المحكوم عليهم أو الموقوفين لاتنطوي على مخالفة قانونية، وما إذا كانت تراعى فيها القواعد الصحية والأنظمة النافذة.
4- اقتراح تعيين قضاة الحكم وترفعيهم ونقلهم وتأديبهم وعزلهم وقبول استقالتهم واحالتهم على التقاعد والاستيداع، وإيفاد البعثات من القضاة إلى البلاد الأجنبية بقصد التخصص أو استكمال الثقافة، وفقا لنظام خاص يضعه مجلس القضاء الأعلى.
5- لايجوز نقل أي قاض من مركزه دون موافقته الخطية المسبقة، إلا لأسباب خطيرة تتعلق بحسن ممارسته لعمله في المركز المذكور وكيفية إدارته للمحاكمات والقرارات الصادرة عنه، ويكلف مجلس القضاء أحد أعضائه لوضع تقرير بعد إجراء تحقيق وسماع القاضي المعني، واستناداً الى التقرير المذكور فإن للمجلس أن يصدر قراراً معللاً بالنقل.
ثانيا- تعديل المادة /65/ التي تنص:( يؤلف مجلس القضاء الأعلى على الوجه التالي: رئيس الجمهورية ينوب عنه وزير العدل رئيساً - رئيس محكمة النقض- والنائبان الأقدمان لرئيس محكمة النقض – معاون الوزير لوزارة العدل- النائب العام – رئيس إدارة التفتيش القضائي أعضاء).
وإلى أن يتم تعديل المادة 132 من الدستور السوري التي تنص على:( يرأس رئيس الجمهورية مجلس القضاء الأعلى) نقترح في الوقت الحالي أن يتم تعديل المادة المذكورة بحيث تصبح: ( يؤلف مجلس القضاة الأعلى على الوجه التالي: رئيس الجمهورية ينوب عنه رئيس محكمة النقض بدلاً من وزير العدل، وباقي الأعضاء يتم اختيارهم بصفة دائمة من القضاة والمحامين حصراً، فوجود وزير العدل أو معاونه أوالنائب العام ينتقص من حرية واستقلالية ليس مجلس القضاء الأعلى وحسب، بل والسلطة القضائية بشكل عام.
ثالثا- أما طريقة اختيار أعضاء مجلس القضاء الأعلى فنقترح الآتي:
1- يتم اختيار أعضاء المجلس من القضاة الحاليين أوالسابقين، أومن المحامين أو أساتذة كلية حقوق، على أن لا تقل الخبرة القانونية عن ثلاثين عاماً، وأن يكون مشهود لهم بالعلم والنـزاهة، وأن لايكون في سيرتهم الوظيفية أوالمهنية أية شائبة، وأن يتمتعوا بصحة جيدة، مع عدم التقيد بسن التقاعد.
2- يتم الترشيح لمجلس القضاء الأعلى بكتاب موقع عليه من أحد القضاة أوساتذة الحقوق، أو المحامين الذين لاتقل خبرتهم القانونية عن عشرين سنة، متضمناً سيرة المرشح ومؤهلاته العلمية المؤيدة بالمستندات.
3- ينشر وزير العدل إعلاناً رسمياً في ثلاث صحف يومية، يدعو فيه إلى تقديم الترشيحات خلال فترة ثلاثين يوماً ، وبعد انقضاء الفترة المذكورة يقوم وزير العدل بنشر أسماء المرشحين ومؤهلاتهم في ثلاث صحف يومية، ويدعو المرشحين الى تثبيت ترشيحهم خطياً خلال مهلة أسبوع ، كما يدعو نقابة المحامين وعمداء كليات الحقوق في سورية وكل من يهمه الأمر لتقديم ملاحظاتهم الخطية بشأن الترشيحات المعلنة خلال خمسة عشر يوماً، ولاتترتب أية مسؤولية مدنية أو جزائية على مضمون الملاحظات المقدمة من أي كان. وبنهاية المدة المذكورة، يعد وزير العدل ملفاً لكل المرشحين الموافقين خطياً على ترشيحهم يتضمن كتاب الترشيح وسيرة المرشح مع المستندات والملاحظات التي تم استلامها بشأنهم، ثم تسلم هذه الملفات إلى رئيس لجنة التشريع والقوانين في مجلس الشعب.
4- تعقد اللجنة المختصة في مجلس الشعب بعد استلام ملفات المرشحين جلسات علنية لمدة ثلاثين يوماً، يحضرها المرشحين ومن يشاء من رجال القانون الذين يحق لهم الاطلاع على ملفات المرشحين وتقديم الملاحظات عليها، وبعد اختتام الجلسات العلنية بعشرة أيام تتخذ اللجنة المذكورة قرارها معللاً بتزكية من تراه مؤهلاً من المرشحين، على أن لايقل عددهم عن ضعف العدد المطلوب اختيارهم من الأعضاء، وتبلغ صورة عن القرار المذكور إلى رئيس مجلس الشعب ووزير العدل. أما في حال لم تتوصل اللجنة إلى تزكية العدد اللازم، فإنها تعلم وزير العدل بذلك، وعندها تعتبر كل الإجراءات التي تمت باطلة، فيقوم وزير العدل بفتح باب الترشيح مرة أخرى وفقاً للإجراءات السابقة.
5- يقوم رئيس مجلس الشعب وخلال مهلة أسبوعين من ورود قرار اللجنة المختصة إليه، بدعوة المجلس إلى اجتماع عاجل خلال عشرة أيام لاختيار سبعة أعضاء من بين المرشحين، ويكون التصويت سرياً، بأكثرية عدد أعضاء مجلس الشعب، على أن يصدر بمرسوم عن السيد رئيس الجمهورية.
6- يؤدي أعضاء مجلس القضاء الأعلى في مجلس الشعب وبحضور أعضائه اليمين التالية: (أقسم بالله وبكل ما أؤمن به وما اعتقده صحيحاً، بأن أقوم بمهامي بكل أمانة وإخلاص، وأن أدافع عن استقلال بلادي وسيادتها وحقوق الناس وحرياتهم، وأن أحفظ السلطة القضائية سليمة ومستقلة ونزيهة، وإحقاق الحق وأن احترم حقوق الدفاع للمتقاضين.
7- يقوم أعضاء المجلس بانتخاب نائب للرئيس وأمين للسر من بين أعضائه لمدة سنة واحدة، على أنه لايجوز أن يخلف أحد نفسه في هذه المناصب، وعلى أن يتفرغ أعضاء المجلس بشكل كامل ونهائي طيلة مدة عضويتهم لمهمتهم في مجلس القضاء الأعلى.
8- تحدد رواتب وتعويضات أعضاء مجلس القضاء الأعلى، بما في ذلك بدل السكن والانتقال، من قبل المجلس نفسه.
9- يعتبر مجلس القضاء الأعلى المؤتمن على استقلال السلطة القضائية، وضمان حسن سير العدالة وإحقاق الحق والمحافظة على حقوق الناس وحرياتهم. وعليه يقع عبء الدفاع عن استقلال القضاة ونزاهتهم، والدفاع عن حق الناس في مراجعة القضاء باعتباره حقاً دستورياً. ومن أجل تحقيق ذلك، يتمتع بأوسع الصلاحيات المنصوص عنها في الدستور في الفصل الثالث منه المتعلق بالسلطة القضائية، على أن تكون له كامل السلطة والصلاحية على كل المحاكم والهيئات القضائية والإدارية ذات الصفة القضائية، بما في ذلك المحاكم الاستثنائية واللجان الخاصة، والقضاء العقاري، والمحاكم الكنسية والمذهبية، وعلى المساعدين العدليين ورؤساء الدوائر والإداريين المرتبطين بالهيئات المذكورة أعلاه أو التابعين لها.
10- إن مدة عضوية أعضاء المجلس غير محددة بفترة زمنية، طالما أنهم يتمتعون بالقدرة البدنية والذهنية للقيام بالمهام المنوطة بهم، على أن صفة العضوية تزول عن العضو عند عدم لياقته الصحية أو العقلية أو انقطاعه عن ممارسة مهامه في المجلس لمدة ثلاثة أشهر دون عذر مقبول بقرار معلل من مجلس القضاء الأعلى، كما تنتهي العضوية بالعزل لأسباب خطيرة يحاكم خلالها العضو أمام المجلس بشكل سري مع توفير كافة الضمانات المنصوص عنها في الدستور لجهة الاتهام والتحقيق وحق الدفاع، وتصدر قرارات المجلس في هذا الشأن والقرارات الأخرى بنصاب لايقل عن خمسة أعضاء، وبأكثرية ستة من أصوات الحاضرين على الأقل، مع توقيعها وتأريخها فور صدورها تحت طائلة البطلان وتنشر قرارات المجلس في الجريدة الرسمية.
11- يجوز لأعضاء مجلس الشعب والقضاة والمحامين، الطعن في دستورية القرارات الصادرة عن مجلس القضاء الأعلى، خلال عشرة أيام من تاريخ نشر القرار في الجريدة الرسمية. كما يجوز لكل ذي مصلحة الطعن في القرارات المذكورة لمخالفتها القانون أو تجاوزها حد السلطة وفقاً لأصول الطعن بالنقض، وتنظر في الطعن الهيئة العامة لمحكمة النقض.
12- يشكل مجلس القضاء الأعلى، مجلس تأديب القضاة، يتألف من سبعة أعضاء من بين الاشخاص الحائزين على الشروط اللازمة لعضوية مجلس القضاء الأعلى، شرط أن لايتم اختيارهم من القضاة الحاليين أو السابقين، على أن يرشح منهم مجلس القضاء الأعلى أربعة أعضاء، والثلاثة الباقين ترشحهم إدارة التفتيش القضائي. يتم تعينهم لمدة خمس سنوات قابلة للتمديد لمرة واحدة، ولا يحق لهم تولي القضاء بعد انتهاء ولايتهم، إلا أنه يحق لهم الترشح لمجلس القضاء الأعلى وإدارة التفتيش القضائي.
13- يحال إلى مجلس التأديب كل قاضٍ يخالف القانون بصورة فاضحة أو يخالفه بشكل متكرر أو متمادٍ، أو يرتكب خطأً جسيماً أو يخالف قرارات مجلس القضاء الأعلى وتعليماته وتفسيراته، إضافة الى الأسباب الموجودة في القانون الحالي.
14- تتألف الهيئة الحاكمة في كل دعوى من ثلاثة أعضاء على الأقل، وتحرك الدعوى بعريضة موقعة من خمسة وعشرين قاضياً أو محامياً، أو بقرار من إدارة التفتيش أو مجلس القضاء الأعلى، توجه الدعوى الى رئيس مجلس التأديب، متضمنة مواد الشكوى والاتهام، على أن تجري المحاكمة بصورة علنية، إلا إذا طلب المدعى عليه جعلها سرية، وتراعى في المحاكمة القواعد العامة في أصول المحاكمات المدنية، ويحق لمجلس التأديب وقف القاضي عن العمل بقرار يتخذه بغرفة المذاكرة، ويبلغ هذا القرار لمجلس القضاء الأعلى لتنفيذه. ويبلغ القرار الصادر في الأساس وفق الأصول للمدعى عليه، على أن ترسل صورة عنه لمجلس القضاء الأعلى وهيئة التفتيش القضائي ووزير العدل.
يتبع
Comments