قصة سياسية قصيرة جدا!ـ
أربع وعشرون ساعة مع طفل سوري
خاص "ثروة"
استيقظ سامر، ابن الثاني عشر ربيعاً حالكاً بلون بشرته وعينيه، وهو من أبناء إحدى البلدات الفقيرة العديدة في محافظة الحسكة، على صوت والدته غير الحنون، تأمره بالاستعداد للانطلاق في رحلة لا يشتاق إليها كثيرا، ولا يحبذ تفاصيلها اليومية.
ولأن الطقس كان باردا جدا في الخارج في مثل هذه الأوقات من شهر كانون الأول، اندسّ سامر ذو الشعر الأجعد بين ثنايا فرشته الممدودة على أرض الغرفة، آملا أن تسهى عنه أمه، فيحظى ببضع دقائق إضافية من الدفء. لكن الأم اليقظة، باغتته بصفعة صباحية بعد أن شدت اللحاف الرقيق من عليه، فقفز سامر للوقت متألما غير مستغرب، فهذه هي مراسيم التحية الصباحية في هذا المنزل الطيني.
سامر، الذي نام ليلة أمس بعد وجبة صفعات دسمة، ودون عشاء، تنفيذا لعقوبة صارمة فرضت عليه من قبل والده، لأنه لم يجن الكثير من المال يوم أمس أثناء عمله في صبغ الأحذية، أرغم على الاستيقاظ مبكرا قبل موعد ذهابه للمدرسة بساعتين اثنتين، فوالدته كانت تستعد اليوم كغيره من الأيام للانطلاق في مسيرة عملها اليومية الشاقة التي تمتد إلى ساعات النهار الأخيرة، حيث تمضي مع عاملات مثلها في رحلة جمع الحطب وروث الحيوانات لاستخدامها في التدفئة، كما هي عادة العائلات الفقيرة هنا.
بالكاد يتناول سامر فطوره غير الفاخر المكون من بقايا لبن وجبن منتج محليا، حتى تصدر الأوامر من "مجلس قيادة العائلة" المؤلف من والدته، بضرورة التحرك لقيادة "قطيع العائلة" المتوجه إلى المدرسة كما يحلو للأم الريفية أن تسميه. يقطع سامر مع أربعة من أخوته عبر شوارع وأزقة قريته الطينية الموحلة مسافة طويلة للوصول إلى مدرسته الابتدائية التي أطلق عليها اسم يتناقض كلياً مع قصة وواقع المنطقة بأسرها.
يصل سامر النحيل إلى باب المدرسة متأخرا ومتعبا من جراء حمله حقيبة مدرسية محشوة بالكتب الكثيرة، فسامر لا يعرف كيف ينظم برنامجه الدراسي اليومي، لذا يقوم خوفا من عقوبات معلمه الشديدة باصطحاب جميع كتبه ودفاتره معه إلى المدرسة، علها تسعفه فتدرأ عنه "خراطيم" الأستاذ، التي يدعي كلما سأله أصدقاؤه عن سبب استخدامه لها بأنها لـ "شرح الدرس فقط، فالضرب ممنوع في المدارس كما تعلمون"!!
عند الباب الخارجي، يستقبله المعلم المناوب بصفعة ترحيبية لأنه تأخر عن حضور الاجتماع الصباحي، وفاته ترديد الشعار الطليعي اليومي، معتبرا إياها خيانة كبرى وجرماً شائناً وعملا متعمدا. ولتصحيح هذه الخطيئة الكبرى، يطلب المعلم إلى سامر وأخوته ومجموعة من التلاميذ الذين تأخروا لأسباب متشابهة أن يصطفوا ليرددوا معا الشعار الطليعي.
يخرج أحد التلاميذ الأكبر سنا ليئمّ التلاميذ، فيصرخ بلهجة العسكر: "استاااارح" فيرد التلاميذ الأطفال الذين بالكاد تتجاوزت أعمارهم أصابع اليد بصوت "يهز الضيعة"، حسبما طلب المعلم المناوب: "طلائع". ويضيف: "استااااعد" فيردون بعزم: "بعث". ويبدأ الشعار الصباحي القائل "أمة عربية واحدة"، فيردون: "ذات رسالة خالدة". وتصل الوطنية الصباحية أعلى درجاتها على ريختر وزارة التربية، عندما يردد زميلهم الأكبر سنا الفقرة الأساسية في الشعار بسرعة فائقة تتجاوز سرعة تنفيذ الخطط الخمسية في المحافظة: "رفيقي الطليعي، كن مستعدا لبناء المجتمع العربي الاشتراكي الموحد والدفاع عنه"، فيؤكد سامر بلا تردد ودون أن يفهم حتى كلمة واحدة مما قيل: "مستعد دائماً".
ينتهي الدرس الأول في الوطنية، لينتقل سامر بعدها إلى صفه المعتم الذي اسودّت جدرانه المتسخة، وتعطل مقبس مصابيحه المحترقة، البارد كأجواء القطب الشمالي، لأن مخصصات المدرسة من مادة المازوت قد انتهت منذ الأسبوع الأول لبدء العام الدراسي، ولم تنفع مناشدات مديرها للجهات المسؤولة أن يرأفوا بحال الأطفال. يجلس سامر منكسرا على مقعده المكسور بجانب اثنين من أقرانه، لتبدأ رحلة "حشو بلا حدود" الغبية حتى النخاع.
في غياهب الحصة الأولى، وهي حصة اللغة الإنكليزية، يضيع سامر بين فقرات كتابه المعقد، الذي قررت وزارة التربية أن تفرضه على طلاب الصف السادس، دون أن تطلع حتى على ما جاء فيه، متناسية أن هذا الكتاب كان مخصصا قبل ثلاثة أعوام للمرحلة الثانوية، ولا يعقل أن يستوعبه عقل طالب ريفي في الثاني عشر من عمره. يشاهد سامر صور الممثلين الأميركيين الملونة، تتراقص في كتابه الأحمر بجزأيه دون أن يعرفهم. يشرح معلم اللغة الإنكليزية صاحب الكرش الضخم لسامر وأقرانه صفات الشخصية الخجولة والجريئة، ويؤكد أن نيكولاس كيج ممثل بارع، وأن مدينة نيويورك فيها أضخم مطار بالعالم.
وفي حصة التربية الوطنية، يتعلم سامر في كتابه المدرسي أن الاستشهاد "أصبح الغذاء اليومي للجماهير من أجل مواجهة القهر والاستبداد". ويؤكد معلمه أن الأميركان هم سبب البلاء الحاصل في العالم كله، وتحديدا في بلدتهم، وهم الذين يقفون خلف فيضان نهر الخابور ليهدم مئات المنازل في الجوار، وبسببهم ماتت بقرة أبو إلياس الآشوري، وهاجر على إثرها وعائلته إلى السويد طالبا حق اللجوء، وطلق أبو محمد الكردي زوجته المجردة من الجنسية ليتزوج من مواطنة عله يحظى بوظيفة لأحد أولاده. ويمضي في شرح درسه الشيق عن مقومات ومعوقات المجتمع العربي، مؤكدا أنه "في حال تعرض الوطن العربي لأي اعتداء استعماري أو صهيوني ستجد التطوع والدفاع عن الأرض العربية في كل مكان". أما حصة الرسم فتخصصها الآنسة نوال لمشاهد الانتصارات العربية في حروبهم ضد الإمبريالية والصهيونية، وضد كل الكلمات التي لها ذات الوزن والقافية.
وتستمر رحلة الحشو المعلوماتي والتلقين المعرفي والتدجين الأيديولوجي المملة حتى البكاء، ويستمر سامر بالتحديق مشدوها بمعلميه المتعاقبين على الصف دون أن يعي كلمة واحدة من خطابهم الذي يناقض بعضه ويناقض تفاصيل حياته.
ما إن يرن جرس المدرسة اليدوي بسبب انقطاع الكهرباء المتواصل، حتى يخال لك أن موجة ذعر شديدة قد اجتاحت المنطقة، لكن سرعان ما تستنتج أن هذا ما هو إلا صوت الأطفال المسجونين داخل صفوفهم، وهم يناضلون للخروج بأقصى سرعة من هذا الكابوس النهاري المرعب المسمى "مدرسة".
يقطع سامر ذات المسافة عائدا إلى منزله، لكن رحلة العودة إلى البيت تستغرق وقتا أطول، فسامر يستمتع بمشاهدة الباعة أثناء مروره في سوق البلدة، ويسترق النظر من باب إحدى المحال ليشاهد عددا قليلا جدا من أطفال وقد دخلوا ليلعبوا بألعاب الكمبيوتر، ويمضي وقتا طويلا في مشاهدة ما يعرضه أبو جوني أمام السوبر ماركت الكبير في مثل هذه الأيام من أشجار عيد الميلاد الاصطناعية، والكرات الملونة والأجراس الفضية وغيرها مما يزين أشجار الميلاد.
يصل سامر إلى منزله فيستقبله والده الممدد على فراش صوفي مهترئ بصرخة مدوية "لماذا تأخرت؟"، لكن قصف الأحذية على الخطوط الأمامية لطفولة سامر كان أسرع، وأدرك الطفل أن ضربه بالحذاء لم يكن عقوبة تأخير، بقدر ما كان إيعازا له للانطلاق في رحلة العمل اليومي في مهنة صبغ الأحذية التي يجيدها معظم أطفال القرية.
يخطف سامر قطعة من الخبز ويحمل صندوقه الخشبي بفراشيه وعلب ملمعات الأحذية ذوات الألوان المتعددة، ويتجه صوب "الكاراج" حيث مقر التجمع الرئيسي لأطفال الـ "بويا"، وهناك تبدأ رحلة عناء من نوع آخر، فسامر مضطر أن يجمع مبلغا ما في نهاية النهار يدرأ عنه العقوبة الموعودة في حال عودته بخفي حنين. من أجل هذا يلاحق سامر كل من يدخل عبر باب "الكاراج" متوسلا إليه أن يوافق على تلميع حذائه، ويكرر سامر عبارته التي يرددها على كل زبائنه "لا أريد منك أي شيء، فقط اسمح لي أن ألمع حذاءك" مفترضا أن الزبون سيشفق عليه في نهاية المطاف فيعطيه ليراته الخمس.
ينتهي هذا النهار الطويل بمره ومره، الحافل بالعديد من الشجارات وتبادل الشتائم بين أطفال "البويا" المتنافسين، فيعود سامر إلى منزله منكسرا متعبا جائعا، يقطع شوارع بلدته المليئة بالحفر والخنادق التي حفرتها وطمرتها وأعادت نبشها مؤسسات المياه والكهرباء والهاتف والبلدية على التوالي، تصفع خده الأيمن روائح الطعام المنبعث من نوافذ لأغنياء، وتنتحر على خده الأيسر أحلام الاختباء خلف مدفأة المنزل، التي تخرج أخواته لجمع الحطب وروث البقر لاستعماله في عملية التدفئة فيها.
وما إن يصل الطفل المسكين إلى باب منزله حتى تلاحقه أعين وألسن والدته ووالده، ودون أن ينتظرهما ليوجها إليه سؤالهما اليومي المقيت المعهود، يتأسف سامر بلهجته الريفية غير المؤدبة لأنه لم يجن اليوم إلا خمسة وعشرين ليرة من رحلة عمله.
ودون تردد يتخذ مجلس القيادة قرارا فوريا بتوجيه القصاص إلى الطفل التلميذ العامل، وتقضي العقوبة أن ينام سامر دون عشاء بعد توجيه عدد لا بأس به من الصفعات الوداعية عقابا له على "عملته السودة".
ليختتم هذا اليوم الطويل الحافل بأربع وعشرين ساعة من الذل والقهر والحرمان والاضطهاد والعوز والاعتداءات، عله يحلم أثناء نومه بنصف رغيف وقبلة.
لابد لي في ختام هذه الخربشة القصيرة جدا أن أنوه أن شخصية الطفل الواردة فيها هي من نسج الخيال، ولا تمت إلى الواقع المعاش في قرى محافظة الحسكة بأي شكل من الأشكال. وإذا تصادف أن يكون تسعون بالمائة من أطفال الحسكة يشبهون سامر فهذه فقط "مجرد صدفة!!" لا اتحمل مسئوليتها وأعتذر مقدما لمن يهمه الأمر.
Comments