المحاكم الاستثنائية وتناقضها مع شرعة حقوق الإنسان
ميشال شماس – خاص ثروة
يرعى قانون الطوارئ في سورية كل أنواع القضاء الاستثنائي، وقد شكل استمرار العمل به، إضافة إلى استمرار العمل بالمحاكم الاستثنائية، التناقض الأبرز ليس مع القانون الدولي وحسب، بل ومع الدستور السوري أيضاً، على اعتبار أن تلك المحاكم الاستثنائية لا تتقيد بالأصول والإجراءات المتبعة أمام القضاء العادي، ولا تتوفر فيها الضمانات التي يجب توفرها في كل محاكمة، وتصدر أحكامها بصورة قطعية لايجوز الطعن فيها. وذلك خلافاً للعهود والمواثيق الدولية ذات الصلة، وللدستور السوري أيضاً.
فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، نص في مادته التاسعة: (لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفياً) وفي المادة العاشرة ينص: (لكل إنسان الحق على قدم المساواة التامة مع الآخرين في أن تنظر قضيته أمام محكمة نزيهة نظراً عادلاً علنياً للفصل في حقوقه وأية تهمة جنائية توجه إليه). وكذلك المادة 11: (لكل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه).
ونصت المادة السابعة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، على أنه (لا يجوز إخضاع أي فرد للتعذيب أو لعقوبة قاسية أو غير إنسانية أو مهنية). ونصت المادة الرابعة عشرة منه: (جميع الأشخاص متساوون أمام القضاء، ولكل فرد الحق عند النظر في أية تهمة جنائية ضده أو في حقوقه والتزاماته في إحدى القضايا القانونية في محاكمة عادلة وعلنية بواسطة محكمة مختصة ومستقلة وحيادية قائمة استناداً إلى القانون). وقد عددت هذه المادة الضمانات التي يجب توفرها في كل محاكمة، ومنها إعطائه حق الدفاع ومحاكمته دون تأخير، وأن يؤمن له محام، وأن لا يتعرض لأي ضغط للاعتراف بأنه مذنب. ونصت الفقرة الخامسة منه: (على أن كل محكوم بإحدى الجرائم، الحق في إعادة النظر بالحكم والعقوبة من قبل محكمة أعلى بموجب القانون). كما نصت على حق المحكوم عليه بعقوبة ثبت خطأها حق المطالبة بالتعويض عن العقوبة التي أوقعت به ظلماً .
وقد وافقت سورية والتزمت بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وبالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. كما التزمت بتعديل التشريعات الوطنية لتكون متوافقة مع نصوص المواد المذكورة أعلاه، فأقر المشرع السوري في المادة 28 الدستوري السوري:
1ـ كل متهم بريء حتى يدان بحكم قضائي مبرم.
2ـ لا يجوز تحري أحد أو توقيفه إلا وفقا للقانون .
3ـ لا يجوز تعذيب أحد جسديا أو معنويا أو معاملته معاملة مهينة، ويحدد القانون عقاب من يفعل ذلك.
4ـ حق التقاضي وسلوك سبيل الطعن والدفاع أمام القضاء مصون بالقانون.
ومع ذلك، فإن واقع الأمر يختلف ويناقض كل ما تقدم، ويتجلى ذلك التناقض باستمرار العمل بالمحاكم الاستثنائية التي لم ينص الدستور على إنشائها، كما في المحاكم الميدانية العسكرية ومحكمة أمن الدولة العليا.
فالمحاكم الميدانية العسكرية المحدثة بالمرسوم التشريعي رقم 46 لعام 1966، تجري فيها المحاكمات بصورة سرية، فلا تسمح بحضور أي محام يدافع عن المتهمين الذين يحاكمون أمامها، وتصدر أحكامها بصورة مبرمة غير قابلة لأي طريق من طرق الطعن، وهذا ما نصت علية المادة 4/ج من قانون إحداث محاكم الميدان العسكرية: تصدر قرارات النيابة العامة قطعية ولاتقبل أي طريق من طرق الطعن، وكذلك مانصت عليه المادة 6: (وتطبق المحكمة العقوبات المقررة، ولاتقبل الأحكام التي تصدرها أي طريق من طرق الطعن).
أما محكمة أمن الدولة العليا المحدثة بالمرسوم التشريعي رقم 47 تاريخ 28/3/1968، فهي تنظر في بعض الجرائم التي يحيلها إليها الحاكم العرفي أو نائبه. حيث تجمع نيابتها سلطة الاستجواب والاتهام والتحقيق والإحالة، بالاستناد إلى التحقيقات التي تجريها أجهزة الأمن بفروعها المتعددة، فلا حرية للمدعى عليه في الحصول على تحقيق تتوفر فيه الشرائط القانونية المنصوص عليها في قانون أصول المحكمات الجزائية، على اعتبار أن تلك المحكمة لا تتقيد بالإجراءات والأصول المتبعة لدى القضاء العادي، وأن الأحكام التي تصدرها تلك المحاكم، تعتمد على الاعترافات التي يدلي بها المتهمون أثناء التحقيق لدى أجهزة الأمن، حتى لو رجعوا عنها، وقالوا إنها أخذت منهم بالضرب والتعذيب. إضافة إلى ذلك، أن تلك المحاكم ليست محايدة، فأعضاؤها ينتمون إلى الحزب الحاكم.
أما الأحكام التي تصدرها محكمة أمن الدولة العليا، فلا تخضع لأي طريق من طرق الطعن، وإنما تصدر أحكامها قابلة للتصديق من قبل رئيس الجمهورية، الذي له حق إلغاء الأحكام أو حفظها وغالباً ما تصدق.. خلافاً لمبدأ حق التقاضي الذي نص عليه الدستور السوري في المادة 28/4: (إن حق التقاضي وسلوك سبل الطعن والدفاع أمام القضاء مصونة بالقانون). كما أن القانون لا يسمح بالتعويض للأشخاص عن الظلم الذي لحقهم، والأضرار التي لحقت بهم من جراء الحجز على حرياتهم مدد طويلة.
والتطور الوحيد الذي طرأ على عمل محكمة أمن الدولة العليا، هو السماح للصحافة وممثلي بعض المنظمات الحقوقية بحضور جلسات المحاكمة، بعد أن كانوا ممنوعين من ذلك حتى وقت قريب.
وأخيراً، وبمناسبة مرور تسعة وخمسين عاماً على صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يصادف العاشر من الشهر الحالي، هذا الإعلان الذي تعهدت بموجبه كافة الدول التي وقعت عليه، ومن بينها سورية بالتعاون مع الأمم المتحدة على ضمان اطراد مراعاة حقوق الإنسان والحريات الأساسية واحترامها، خاصة حقه على قدم المساواة التامة مع الآخرين في أن تنظر قضيته أمام محكمة نزيهة نظراً عادلاً علنياً للفصل في حقوقه وأية تهمة جنائية توجه إليه، لا يسعني إلا التأكيد على ضرورة وأهمية إلغاء وتعديل المحاكم والقوانين التي تتعارض مع أحكام الدستور السوري، ومع الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية، التي وقعت عليها سورية، وفي مقدمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي وقعت عليه سوريا بالمرسوم /3/لعام 1969/.
دمشق 10/12/2007
Comments