بلدية...... اهربوا
خاص ثروة
عندما نريد إشغال ذاكراتنا، والاستراحة من عناء الصمت، لا بد أن نصافح الأسواق الشعبية، التي تفوح منها رائحة النعناع والتفاح الأخضر. ونحن نجتاز الشارع المزدحم، ونطرب آذاننا بصيحات الباعة المتجولين، وأصحاب العربات، والبسطات المتوجة بأنواع الخضار والفاكهة.
حلب، من المدن السورية الشهيرة بأسواقها الشعبية، فلكل حي سوقه الممتد على شارع ما من شوارعها. لكن لهذه الأسواق مشاكلها اليومية، يأتي في مقدمتها، مداهمة عناصر شرطة البلدية، والاستيلاء على بضائعها.
قبل أيام، أثناء تجوالنا في سوق الخضرة بحي الأشرفية، أعلن أحد الصبية عن قدوم سيارة البلدية، وهو يصرخ:"بلدية اهربوا". البعض لم يستطع إخفاء عربته في أحد الدكاكين المجاورة، كالعم "أبو حمزة"، وإذ بعناصر البلدية، يحملون بضاعته مع العربة إلى شاحنة كبيرة تابعة للبلدية، رغم أن العم "أبو حمزة" حاول بشتى الوسائل استرجاع بضاعته، وهو يقول لأحد مسؤولي البلدية:"الله يخليلك أولادك، الله يحميك يا ابني، والله العربة والبضاعة كل ما أملك، الله يعمر بيتك أن ترجعولي بضاعتي". كان رد كبير الموظفين قاسيا وهو يقول:" انتوا ما بدكن تصيروا بني آدمين".
وفيما حاول كل بائع إهداء الموظفين جزءا من بضاعته، لم تمضِ إلا دقائق حتى امتلأت الشاحنة بكل أنواع الخضار والفاكهة، معلنة رحيلها!... فيما بعد، عرفنا من أحد البائعين، أن الغنيمة التي سلبها موظفو البلدية من البائعين، سيتقاسمونها فيما بينهم.
ربما، مشاكل هذه الأسواق من أعقد المشاكل التي تدور في مدينة حلب. هناك أكثر من طرف، وكل طرف يبرّئ نفسه ملقيا اللوم على الآخر.
الطرف الأول، سكان الأبنية الذين يقدمون الشكاوى إلى البلدية، بسبب معاناتهم من بقايا الخضار والنفايات، التي يتركها البائع وراءه، وما تسبب تلك النفايات من رائحة كريهة لقاطني شارع السوق. تقول إحدى السيدات في شارع السوق: "لا نستطيع النوم ليلا بسبب الرائحة الكريهة، وفي النهار لا نستطيع فتح النوافذ، أو الأبواب بسبب صيحات البائعين".
الطرف الثاني في هذه المشكلة، أصحاب الدكاكين، فكل واحد كان دفع مبلغا باهظاً، لشراء دكان في هذا الشارع، ولا يستطيعون بيع منتوجاتهم بأسعار بائعي البسطة المتدنية في العادة، هذا ما قاله "أبو رامي"، أحد البقالين في شارع السوق. وبذلك، يساهمون بشكل خفي مع سكان الأبنية في تقديم الشكاوى إلى البلدية، ملحقين الضرر بأصحاب البسطات.
الطرف الثالث، موظفو البلدية. عموما، هم يؤدون واجبهم. مطلوب منهم المحافظة على جمالية الشوارع ونظافتها، ومنحها منظرا حضاريا. هذه مهمتهم؛ ولكن ما يحدث في الحقيقة، أنهم يأخذون رشاوى يومية من أصحاب البسطات وبائعي العربات، إلى جانب ما يسلبونه من غنائم غذائية. يقول أحد الصبية، وهو بائع أمشاط وجوارب:" كلنا ندفع لموظفي البلدية، كما أن الأهالي يدفعون لهم؛ والله هدول مكيفين يا عمي".
الطرف الرابع في هذه الأزمة الشائكة، أصحاب البسطات والعربات. وهم الذين يمثلون دور الضحية، بسبب فقرهم. حياتهم العملية، كل يوم معرضة لخسارة فجائية، خاصة إذا تم استبدال موظفي البلدية، ولم يتعرفوا بعد على الموظفين الجدد ليدفعوا لهم المال مقابل ألا يستولوا على بضاعتهم؛ هذا ما قاله "مالك"، بائع الشمندر واللفت.
وأضاف "أبو عبدو"، بائع الكوسا، أنه لا يجيد أي عمل غير بيع الخضار، ولا يملك مبلغا كافياً لشراء دكان. بينما أكد "العم خميس" أن هناك بعض الباعة المعدمين، كبياع القداحات، لو استولوا على بضاعته سينام أولاده جياعاً.
تناقضات كثيرة، تحيط بمشكلة هؤلاء الباعة الجوالين؛ وهناك ألم خفي في أعينهم؛ عندما تقترب من أوجاعهم، ربما تسمح لنفسك أن تتعاطف مع هؤلاء الفقراء، الذين وجدوا أنفسهم يدفعون تلك العربات الخشبية. هؤلاء، الذين يمدون بعض أكياس الخيش ليعرضوا بضاعتهم، وهم يصيحون بأعلى صوتهم، للفت نظر المارّة وجذبهم. هذا عدا عن المعارك الوهمية، مثلا فيما لو كانت البضاعة متشابهة بين أكثر من بائع، إذ يحاول كل منهم الترغيب ببضاعته، مع تخفيض سعرها، كلما مر الوقت باتجاه المساء.
هذه الأسواق الشعبية، تعبر عن بساطة الإنسان الحلبي وحبه للحياة بأبسط طرقها، رغم كل هذه التناقضات، وهذه المعارك الخفية بين أطراف عدة في هذه الأحياء، إلا أنك ستشعر بأنك قريب جدا من هؤلاء الناس، ولن تستطيع الحكم على طرف بحيادية، بسبب انحيازك اللاإرادي لبائعي البسطات.
لابد أن تأتي يوما إلى هذه المدينة العريقة، ولا بد أن تزور هذه الأسواق، لتتعرف على هؤلاء الناس البسطاء، وتتعرف على روح هذه المدينة من خلال هذه الأسواق الشعبية.
Comments