إنهم في منتصف اللامكان
خاص ثروة
هذه حكاية مجموعة من الفلسطينيين، الذين هُجّروا من العراق بعد الحرب الأخيرة فوصلوا إلى منطقة التنف الحدودية مع سوريا، ولا يملكون في هذا المكان أي شكل من أشكال الحياة، توفي عدد كبير منهم بأمراض مزمنة، ومنهم من قضى نحبه في سيارة الإسعاف التي حاولت أن تنقله لأقرب مستشفى يبعد أكثر من 40 كلم. كان لهم لقاء غير متوقع مع وزير مهم في الحكومة السورية، وعن غير قصد خلال جولته على نقاط الحدود السورية العراقية. والغريب، أن الحكومة السورية التي استقبلت أكثر من مليوني عراقي، لم تسمح لهؤلاء بالدخول إلى أراضيها، وهم لا يتجاوز عددهم المئات، وإنما آثرت إبقاءهم في مخيم، عرضةً لكل أشكال الحياة اللاإنسانية. إن ذلك، يشكل مثلا واضحا على أن النظام السوري لا يأبه لما يسميه البعد العروبي، والنضال من أجل القضية، وأن كل المعايير، إنما تخضع لحسابات سياسية، لا تصب إلا في مصلحته هو ومصلحة بقائه.
السيد الوزير:
"الرجاء من الأخوة الصحفيين الالتزام بما جئنا من أجله فلا علاقة لنا بموضوع المخيم وأهله"
بهذه العبارة، وجه وزير المالية محمد الحسين كلامه إلى الصحفيين الذين كانوا بصحبته في جولة على المناطق الحدودية مع العراق، ومنها نقطة التنف، هو ووزير الداخلية بسام عبد المجيد، وذلك ردا على استفسارات الصحفيين وأسئلتهم له عن المخيم وقاطنيه، وسبب إهمالهم بهذه الطريقة غير الإنسانية.
رسالة إلى سيادته:
تلك كانت الكلمات التي أطربنا بها السيد الوزير، خلال جولته لتدشين مركز التنف الحدودي، لدرجة أنني شعرت بالغثيان من شدة تلك الجرعة، فكيف أن تكون إنساناً ولا ترى؟ وكيف أن تكون صحفياً ولا يستثيرك حسك الصحفي للسؤال عما ترى من مأساة؟ وكيف تكون وزيراً ومسئولا وتطلق هكذا عبارة أمام الصحفيين؟ فأين كان دهاؤكَ السياسي وقتها؟ ألم يخطر لك وأنت على بعد خطوات من هؤلاء، أن تسجل لك عدسات الكاميرات استعراضا إنسانيا مرئيا أمام الرأي العام؟؟
نعم، إنهم الفلسطينيون الذين طردوا من العراق بعد احتلالها، بحجة أنهم محسوبون على النظام السابق، فوصلوا إلى منطقة التنف الحدودية. ومنذ ذلك الحين، أي منذ ثلاث سنوات، وهم يقطنون في اللامكان؛ نعم، إنه اللامكان؟ ذلك المخيم، حيث لا يُرى إلا اللون الأصفر، فلا شجر ولا بشر، وحتى الحيوانات أبت الوجود في ذلك المكان، إنهم فقط.
فالأعزاء السوريون، لم يسمحوا لهم بالدخول إلى الأراضي السورية؛ ولا العراقيون سمحوا لهم بالرجوع إلى العراق؛ وعند السؤال عن أحوالهم وكيف يعيشون؟ قال لنا أحدهم: "تصلهم مساعدات من الأمم المتحدة" وعند سؤالنا له إذا ما مرض أحدهم ماذا يحصل له فأجاب: "لا لا... يوجد سيارتي إسعاف على الدوام"، وأضاف وكأنه يصف النعيم على الأرض: "اطمئني لديهم مدرسة أيضا".
سيدي الوزير: هل يا ترى استضافة بضعة مئات من الفلسطينيين سيؤثر على المستوى المعيشي للسورين؟ وهل سيؤثر على غلاء الأسعار الحاصل منذ مدة؟ وهل سيزيد من حالة التضخم التي يعيشها اقتصادنا؟ أم هل يا ترى سيغير تركيبة البلاد الديموغرافية؟ لماذا تسمحون للعراقيين بالدخول ولا تسمحون لهؤلاء البشر؟ أهو يقين داخلي أن فلسطين ذهبت إلى الأبد، وأننا سلمنا القضية؟ هل مللتم؟
والآن، أدركت ماذا يعني أنهم في اللامكان؛ إنها ترجمة للعدم؛ إنه أن تكون فلسطينياً تعوّد الشتات في كل بقعة من هذه الأرض، حيث لا شفيع لك؛ ولن يفيدك كونك ابنا لجغرافية تسمى مجازا بلاد العرب؛ ولا دينك كان شفيعاً؛ ولا مشاركتك لإخوانك العرب في تشابه المأساة؛ ولا الأّخوة تلك الأخرى شفعت لك؛ فشكراً أيها العرب .....الأخوة.....الأشقاء.
وعلى رأي الشاعر: وظلم ذوي القربة أشد مضاضة.
Comments