"حمص ثورة تحت الرماد"
تهجير وفقر يتهدد أكثر من 350 عائلة حمصية
الاعتصام أمام القصر الرئاسي ولقاء رئيس الحكومة لا تمنع قرارات محافظ مدعوم
"ماذا أعمل؟"
"من أين أعيل أبنائي؟"
"أين آوي عيالي وأحميهم من برد الشتاء؟"
هذه، كانت كلمات غالب أبناء وأهالي حي القرابيص والغوطة، المطلين على شارع نزار قباني وشارع الأسعدية وشارع بدر الدين الحامد، وسكان البساتين ومزارعيها وسكان حارة الصخر، والبالغ عددهم جميعاً حوالي 1500 نسمة.
يعيشون على جهدهم وعرق جبينهم، وغالبيتهم يعملون في الزراعة أو تربية المواشي في منطقة البساتين، ومساحتها حوالي 460 دونم من المنطقة العقارية السادسة، وهي منطقة بساتين ومسطحات خضراء بمساحة 4000 هكتار بين منطقة الحصرية شمالاً إلى بحيرة قطينة جنوباً في مدينة حمص.
تم استملاك المساحة المذكورة بموجب قرار الاستملاك رقم {5047} لعام 1994، الصادر عن رئاسة مجلس الوزراء، بهدف إنشاء حديقة الشعب على جماجم أفراد الشعب وأرواحهم وقوت عيالهم وسبب بقائهم. وهنا، يتساءل أحد الفلاحين الذين التقيناهم "ماذا أعمل من دون أرضي وبستاني؟ وأين أذهب بمواشيي؟ ماذا أعمل، وأنا لا استطيع أن اتعلم أي شيء اليوم، ومثل ما قال المثل بعد الكبرى جبة حمرة؟".
طعن الأهالي بقرار الاستملاك الذي استند للقانون 60 لعام 1979 الناظم لآليات الاستملاك، فرفعوا دعاوى أمام محكمة القضاء الإداري في دمشق لعدم شرعية الاستملاك بحسب القانون 60 ذاته. وقد صدر عن المحكمة العليا في مجلس الدولة قرار يقضي بعدم شرعية الاستملاك المذكور، ولكن المحكمة تجاوزت الدستور، بحسب مداخلة أحد القانونين الاختصاصين، و"تقلدت مقاليد السلطة التنفيذية، وقررت الحكم بجواز الاستملاك بناء على المرسوم التشريعي رقم 20 لعام 1983، وهذا يعتبر تجاوزا لصلاحياتها، وممارسة لصلاحيات رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء، وهذا خرق لمبدأ فصل السلطات الثلاث، وأيضا يتعارض مع المادة 15 من الدستور، وبالتالي يعتبر قرار المحكمة باطلاً إن لم يكن منعدما، ولا تترتب عليه أية أثار أو مفاعيل، ولا يحتاج بطلانه أي قرار". ولا تزال الدعاوى مثارة أمام القضاء الإداري، ولم يصدر بها أي قرارات حتى تاريخه. وهذا يعتبر سببا أيضا لعدم الاستمرار بتنفيذ قرار الاستملاك، فلا يجوز تنفيذ الاستملاك على أرض عليها مشكلات قضائية أو مالية.
"فوق الموت عصّة قبر"
عانى أهالي منطقة البساتين طوال السنين السابقة من ضغوط وممارسات جهاز مجلس مدينة ومحافظة حمص، من قطع المياه والاعتداءات المستمرة على الأشجار والعقارات من قبل ورشات مديرية الزراعة ومصلحة الحدائق والحراج، وتعديات الشركة العامة للطرق التي قامت بإنجاز توسيعات في طرق ثانوية لا تخدم حاجة المدينة. وكما أخبرنا أحد الأهالي، فقد "قطعت الشركة العامة للطرق قرابة 150 شجرة، في حين وبحسب الموافقة، لا يحق لهم أن يقطعوا سوى 15 شجرة فقط"، وبقيت منطقة البساتين على حالها حتى جاء حلم السيد المحافظ محمد إياد غزال العظيم، القاضي بتحول حمص إلى دبي سوريا؛ من خلال بناء ناطحات السحاب؛ وشق الطرق، ولو كان على حساب المساحات الخضراء والبشر وحياتهم وقوت يومهم؛ فقد طالع السيد المحافظ أهالي منطقة البساتين من خلال صحيفة العروبة، العدد 12646 تاريخ 5/11/2007 وجريدة الثورة وموقع سيريانيوز الإلكتروني، أن منطقتهم وبيوتهم طرحت للاستثمار، وذلك بعقد مع شركة الديار القطرية، وأعلن عن إطلاق شركة قابضة برأسمال قدره خمسة مليارات دولار، ستنفذ مشاريع خدمات ترفيهية وأبراج ومسابح وملاعب غولف ومطاعم وملاهي ...إلخ. وهو ما يشكل انحرافاً كاملاً عن غاية الاستملاك، وهي إقامة حديقة الشعب.
ونقلت على أثرها أملاك عقارات تلك المنطقة من الملك الخاص إلى العام، وبرر أمين السجل العقاري فعلته غير القانونية بأنه رضخ لضغوط وكلام مباشر من محافظ حمص بهذا الخصوص. فمحافظ حمص، وبحسب غالب من التقيناهم "قطب واحد، فهو مثل الولايات المتحدة لا سيد معه، وصاحب قرارات فردية كثيرة كحال منطقة البساتين". وإمعانا من السيد المحافظ، المعروف بأنه مدعوم من قبل القصر الرئاسي بشكل مباشر، فوجئ أهالي منطقة البساتين صباح يوم 7/11/2007 بحضور محضر من البلدية لينذرهم بشكل شفهي بأمر الإخلاء، ويعطيهم مده أقصاها سبعة أيام، وهذا يكشف حرص البلدية في عدم إصدار آية وثيقة إنذار قد يستعملها الأهالي لدى القضاء لوقف التنفيذ، وهذا تجاوز للأصول والقواعد القانونية للتبليغ من جهة، ومخالفة لأحكام المرسوم التشريعي رقم 20 لعام 1983، والمتضمن وجوب انتظار أحكام القضاء، ثم الانتهاء من اتخاذ الإجراءات كاملة، من تخمين وتحديد البدلات وإيداع القيمة في المصرف المختص بأسماء المالكين والمستثمرين استنادا لسندات الملكية أو الاستثمار.
ردود الفعل
لم يستطع المحافظ وأعوانه، الباحثون عن المال من خلال السلطة أن يهدم البساتين على رؤوس ساكنيها حتى تاريخه، ولكن هذا لم يكن نتيجة طيبة قلبه أو حرصه على مصالح المواطنين، بل وكما بدا لنا عبارة عن إبرة مخدر مؤقت لردات الفعل الطبيعية للمتضررين. فقد وقع 1298 شخصا على عريضة قدمت للجهات المسئولة، تبين ما بيناه سابقا من ضرر يلحق بهم، وخطر يحدق بحياتهم وحياة أبنائهم، ولم يقف المتضررون عند هذا الحد، بل ذهبوا للاعتصام أمام القصر الرئاسي في دمشق، حيث توجه صباح يوم الأربعاء 28/11/2007 حشد من عائلات وأهالي بساتين حمص في أربع حافلات نقلتهم إلى مقربة من القصر الرئاسي بدمشق، بغية تنظيم اعتصام سلمي ضد مشروع كابوس حمص، والاحتجاج على الاستملاك غير القانوني لبساتينهم، والمنذر بتدمير باقي المساحات الخضراء المتبقية في المدينة، وعند وصولهم إلى نهاية شارع أبي رمانة عند الساعة التاسعة، بدأ رجال المرور والأمن والشرطة بمحاولة صدهم ومنعهم من التجمع، حيث وقعت مشادات ومدافعات عنيفة خلال ذلك، فشتت بعضهم بحمله في سيارات الشرطة ودفع البعض الآخر بما فيهم النسوة بكل عنف على مدار ساعة ونصف. وأمام إصرار الحشد على إيصال احتجاجه وتعبيراته، سمح رجال الأمن للوفد الدخول إلى مكاتب حرس القصر الرئاسي، واستقبلهم العميد رفيق شحادة واستمع إليهم، كما تسلم منهم إضبارة تتضمن كافة الوثائق المتعلقة بشكواهم، ثم طلب منهم التوجه إلى مكتب رئاسة مجلس الوزراء بعد قيامه بالاتصال به.
وبالفعل، توجه عدد من الأهالي إلى مجلس الوزراء، وقد التقينا أحد المتضررين الذين قابلوا السيد رئيس مجلس الوزراء وسألناه عن الوعود التي قطعها الدكتور العطري بخصوصهم، فعبر بكل اختصار "الموضوع والكلام كله طمئنه وأبر مخدر. فهو قال لنا، لن نهدم مأوى أو منزلا، ولكنه لم ينف الاستملاك، بل اعتبره قائما لا محال، متوعدا ألا يتم أي شيء قبل التعويض. والحقيقة، لا أدري لماذا يصرون على الاستملاك ويريدون أن يصنعوا حديقة من حديقة؟ فنحن وكما ترى نعمل بزراعة الورد، وهم يريدون حديقة عامة جميلة، فلماذا لا يسمحوا لنا باستثمار أرضنا ومزارعنا؟ وهم يوجهونا بدلاً من إعطائها للقطريين المعرفون بعلاقتهم مع إسرائيل وأميركا! فهل أصبحنا نحن أبناء البلد غرباء والقطريون هم أهلها؟".
الحكاية لم تنته
لا أحد يعرف النهاية، رئيس الوزراء يعطي المتضررين جرعة من أمل، في ذات الوقت، وهم داخل مكتبه يعلمون أن محافظ حمص وجه إنذاراً جديداً وشديد الهجومية؛ فهو هدد الأهالي من خلال مندوبيه بأن "إن لم تفرغوا منازلكم ومزارعكم سأحضر خمسة ألاف عنصر من الشرطة وأرمي بكم في الطريق". ويرد عليه واحد من الأهالي: "لن يكون ذلك إلا على جثتنا. فهذه منازلنا ومزارعنا وحياتنا ومصدر رزقنا، ومنها قوت عيالنا، اذهب إلى غير حمص لتصنع منها دبي سوريا". وتبقى الحكاية ما بين حلم المحافظ بحسب تعبيره وكابوس الاستملاك بحسب تعبير أهالي منطقة البساتين أشبه بالغابة، حيث لا قانون إلا قانون الأقوى، وفي بلادنا لا يحكم قانون إلا قانون الأقوى، وقانون المال في عهد ما سمي بالانفتاح الاقتصادي والاستثمار!
وفي هذا الأثناء "تتأجج" حمص، بل هي إلى "ثورة تحت الرماد"، على حد تعبير أحد الأهالي، فهل تنطلق شرارة التغيير من حمص؟
ملفات صوتية (1، 2، 3، 4، 5 - قمنا بتعديل الأصوات حرصاً على سلامة الأشخاص)
وثائق: (الرجاء الضغط على كل وثيقة لاستعراضها في نافذة أكبر)




















اي هاي الاحياء كلها للاغنياء و المسؤولين يعني حاميها حراميها ..روحو شوفو الاحياء الفقيرة اللي اهلها ماتو من برد التلج بحمص
Posted by: besh | February 01, 2008 at 03:47 PM