تشرد بقناع العمالة في محافظة الأحلام - حمص
والفقر أقوى من قرارات المحافظ
خاص ثروة
الحكاية في حمص تختلف، فحمص مدينة الأحلام الوردية ومدينة اللافقر واللاعمالة، لذا كان صعبا علينا أن نرى أطفالا يعملون على عربات بيع المعجنات أو التبغ أو البطاريات والأقفال أو بيع أوراق اليانصيب كما في المحافظات الكبرى في دمشق وحلب مثلا، خاصة وقد قام محافظ هذه المدينة الفاضلة بإصدار أمر منع فيه كل هذه الظواهر "غير الحضارية" ولكن بطريقة غير حضارية، فاكتفى سيادته بقتل السمك والصيادين دون أن يتكبد مشقة تعليم هؤلاء الفقراء طريقة أخرى لكسب الرزق. ونتيجة للطريقة المؤذية التي عالج بها المحافظ هذه الظاهرة، فإن الأطفال الذين يعملون في هذه المهنة كانوا دائما خائفين ومرتبكين، وينظرون ويتلفتون حولهم خوفا من أن يكونوا عرضة للاصطياد من شرطة المحافظة، التي سوف تضربهم وتصادر أموالهم وعدة شغلهم حسب قولهم، وكما لاحظنا فعلا، وهذا ما جعل إمكانية الحديث معهم أمرا صعبا، وتصويرهم كذلك، حيث كانوا يفرون هاربين عندما ينتبهون أننا نصورهم.
ولكنني طبقت قاعدة تعلمتها من أحد أهم شخصيات الفريق الاقتصادي في الحكومة السورية، يوم كان يتحدث عن تهريب المازوت فقال، "إننا لا نستطيع منع التهريب، فالماء لا بد أن يصل إلى حيث يريد أن يصل،" مما دفعني إلى المزيد من البحث عن هؤلاء الأطفال المشردين بصيغة العمالة. وعندما تملكني الملل ذهبت لتناول فنجان قهوة في واحد من مقاهي حمص الجميلة بالقرب من الساعة الجديدة لأفاجأ بهم هناك يعملون بالبويا. كانوا كثراً، ولمجرد أن تجلس على مقعدك، يبدأ العرض وبالتسلسل واحدا بعد آخر، والجميع لا يعرف سوى كلمة "بويا أستاذ" ، وتتبع هذه الكلمة سيول من الرجاء والترجي والتذلل لتقبل بعرضهم الفقير.
فقراء لا يملكون ثياب تقيهم برد الشتاء أو مطره، ويعملون لساعات طويلة أقصرها من الساعة الثانية بعد الظهر حتى التاسعة مساء، وبعضهم من الصباح، فتصل ساعات عملهم أحيانا كثيرة لحوالي الـ12 ساعة، وبمبلغ زهيد لا يتجاوز المائة والخمسين ليرة سورية........جاء الأول وعمره 12 عاماً، يعمل في البويا من حوالي العامين ويسكن في وادي الذهب، وهي منطقة في ضواحي مدينة حمص. ينتمي لعائلة فقيرة مؤلفة من سبعة صبية وفتاة واحدة وأم وأب، ولا أحد من أخوته يعمل، فكلهم أصغر منه، ولديه أخت تكبره، لكنها مجنونة على حد قوله. لم يكمل دراسته إلا للصف الرابع الابتدائي، أي إلى منتصف التعليم الإلزامي، وحياته مختصرة على الشكل التالي "أعمل من حوالي الساعة التاسعة لحوالي الساعة الثامنة مساء وبالعادة تأتي الشرطة وتأخذنا. في المرة الماضية، أخذوني أنا ورفيقي وضربونا، وأخذوا منا ما عملنا به من مال، ووضعونا في السجن ليوم واحد ثم تركونا. وهذا حصل من حوالي الخمسة أشهر. أحصل من عملي على حوالي مائة وخمسين ليرة في اليوم تقريباً، وهدفي إعالة أهلي، ففي البيت أعمل أنا وأبي، وأمي تعمل أيضا فهي تحضر بضائع من لبنان وتبيعها هنا لنعيش، الحمد لله".
أما رفيقه فقد درس للصف السادس، ثم توجه لسوق العمالة ليساعد أهله بمصروف البيت، وهم خمسة أولاد ذكور وبنتان، وكلهم يعملون، حتى أصغرهم وهو في الصف الرابع الابتدائي، ويقطنون في وادي الذهب أيضا. يعمل في هذه المهنة منذ حوالي الأربع سنوات، رغم أنه وكما يدعي تعلم الكثير من المهن، كالنجارة التي عمل بها حوالي 3 سنوات. فهو يعمل منذ أن كان في الصف الثالث الابتدائي، أي من عمر ثماني سنوات، وكم يرغب أن يعمل بمصلحة والده في صناعة الأسنان بعد أن يكبر. وعند سؤالنا إن كان المطر والبرد يمنعه من العمل فقال: "لا نحن تعودنا العمل في مثل هذه الظروف والأوضاع الصعبة، والحمد لله على كل حال".
أحلام طفولة
وآخر من التقينا طفل عمره 11 سنة، ويعمل في مهنة البويا من ثلاث سنوات، ويسكن مع أهله في دير بعلبة، وهي أيضا قرية في ضواحي حمص الحلم. طالب في الصف السادس الابتدائي، جيد في دراسته بحسب قوله، لكنه يعمل بعد المدرسة وكتابة الفروض، وسعيد بما يفعل. له أخ وأخت أصغر منه، وأخوه أيضا يعمل معه في ذات المهنة، وهو غير مرغم على العمل إلا من أجل أن يساعد والده بمصروف البيت، وهو يرغب أن يصبح طبيباً أو مهندساً بعد أن ينهي دراسته ليحظى بحياة كريمة.
ختام القول
الحمد لله، كانت كلمة جمعت بين من التقينا هنا في مدينة الأبراج المرتقبة، ومدن الملاهي والحدائق العامة، ومجسمات الجسد البشري كما وعد محافظها المدعوم محمد إياد غزال وعدد من أعضاء مجلس مدينته الموقرين، وخير ما نختم به أن نقول لمن يدعون أنهم سيبنون دبي سوريا في حمص، إن عليهم أن يحافظوا على هذه المدينة دون مجرمين، فالفقر لا يرحم، والجوع قد يدفع الكثير ممن التقينا، وغيرهم ممن لا نعلم أمرهم، ولا نعلم كيف يتدبرون حياتهم، بعد أن أمر "حاكم حمص بأمر الله" أن يمنعهم من مصدر رزقهم البسيط دون حل ينصفهم، وإن كانوا سيبقون على ما هم عليه ولا ينحرفون بغية البحث عن مصدر رزق أكثر خطورة مما كانوا عليه.
تقارير صوتية (1، 2، 3 - قمنا بتغيير الأصوات حرصاً على سلامة الجميع).
المزيد من الصور






Comments