أي معاناة تدفع المرأة لتبدأ حياتها من جديد..!؟
المحامي ميشال شماس – خاص ثروة
من كان مسافراً يعود إلى بلده إلى عائلته، أو إلى بيت أهله لقضاء العيد بين ربوع أهله ومحبيه وأصدقائه. ففي العيد يتزاور الأصدقاء والأقرباء، وتتصافى بعض القلوب إلى حين. أما في هذا العيد، فقد حدث العكس من ذلك تماماً، عندما قصدت مكتبي امرأة شابة ومعها طفل في الرابعة من عمره قبل عيد الميلاد بيومين، تركت بيتها وترغب بالطلاق من زوجها، وعندما سألتها عن أسباب هذا القرار المصيري في هذا الوقت بالذات، انهمرت الدموع على وجنتيها، بينما الطفل المرافق لها أخذ يحتضنها قائلا لها: "لا تبكي يا أمي عيب"!
وبعد أن هدأت، سألتها مجدداً عن أسباب هذا القرار فأجابت وهي تتنهد: " شو بدي أحكليك يا أستاذ، الله يلعن أبو الفقر، هو السبب في حالتي، ولولا الفقر ما كنت هلق هون في مكتبك..قصتي يا أستاذ بدأت منذ حوالي اثنين وعشرين عاماً، عندما تقدم لخطبتي شاب يبلغ من العمر ستة وعشرين عاماً، بينما أنا كنت في الرابعة عشر من عمري، حينها سألتني أمي هل أنت موافقة على الزواج من هذا الشاب، لم أرد عليها خجلاً، وبعد أن تمت الخطبة، زارنا في البيت صديق العائلة، وحاول إقناعي بعدم الموافقة لأنني صغيرة، فتظاهرت بالموافقة على كلامه، وعندما ذهب جاءت أمي وقالت لي: "لا تردي عليه، وعندما يعود والدك من السفر قولي له إنك موافقة على العريس"، وهكذا كان. فتم تحديد موعد العرس في الشهر القادم، ورغم محاولات أخي الكبير وصديقه لإقناعي بالعدول عن موقفي، إلا أنني رفضت خوفاً من والدتي، وبعد شهر منذ ذلك تم زواجي منه، ثم سافرت مع عريسي إلى دمشق مكان عمله. ومنذ ذلك الوقت بدأت رحلتي مع العذاب. ثم تنهدت المرأة طويلاً وأضافت قائلة:
"لقد تزوجت يا أستاذ وأنا في الرابعة عشر من عمري برجل يكبرني باثني عشر عاماً ليس لأنني أحبه، بل لأن والدتي أرادات ذلك، وبعد زواجي منه سافرت معه إلى دمشق حيث يعمل، وسكنت معه في غرفة واحدة مع منافع مشتركة مع الجيران، وبعد مضي شهر واحد على زواجي فوجئت بصديق العائلة الذي سبق له أن حاول إقناعي بعدم الموافقة على الزواج يدق باب غرفتنا حاملاً معه هدية، فاستقبله زوجي ثم ناولني هدية الزواج، وهي عبارة عن طقم فناجين قهوة، وتمنى لنا حياة سعيدة، فشكره زوجي، ثم أخذ يعاتبه على موقفه المعارض لزواجه مني ومحاولته منع زواجي منه، عندها فوجئت برد الصديق لزوجي قائلا: (نعم حاولت منع زواجكما، ولا زلت عند موقفي السابق، ليس لأنني أكن أي كره لك، بل لأن العروس صغيرة السن وعقلها الطفولي لم ينضج بعد، وهي غير قادرة على استيعاب معنى الزواج وتحمل تبعاته في المستقبل، من تحمل مسؤولية إدارة البيت وإنجاب الأطفال وتربيتهم، وأضاف موجهاً كلامه لزوجي ..لكن يا صديقي أما الآن وقد تزوجتما فلا يسعني إلا أن أتمنى لكما حياة سعيدة ملؤها الفرح والمحبة والسعادة.. عندها ضحك زوجي، ثم غادر الصديق بيتنا متمنياً لنا كل الخير). ولم تمض السنة الأولى من زواجنا حتى بدأت أفهم معنى تلك الكلمات التي قالها ذلك الصديق، ولا أخفي عليك يا أستاذ أنه بعد ولادة طفلي الأول، زارنا ذلك الصديق للتهنئة، عندها أسريت له بأنني نادمة على عدم سماع كلامه، فقال لي: "وماذا ينفع الندم الآن؟ المهم أن تعتني بطفلك وتهتمي به".
وهنا قاطعتها قائلاً: حتى الآن لم أجد في حديثك ما يبرر خروجك من بيتك ورغبتك في الطلاق من زوجك؟ فأجابتني قائلة: "بعد زواجي يا أستاذ وانتقالي إلى دمشق، كنت أسمع الأولاد يضحكون ويلعبون في الشارع، وكان بينهم من هو في مثل عمري، وكم كنت أتمنى أن ألعب معهم، إلا أنني كنت أتذكر كلام والدتي وحماتي بأني أصبحت زوجة، ويجب عليّ أن أتصرف كما يتصرف الكبار، بينما كان زوجي يمضي طيلة الوقت في عمله، وبعد أن أنجبت طفلي الأول وجدت صعوبة في كيفية التعامل مع هذا الوضع الجديد، ولكن مساعدة الأهل والجيران ساعدتني على تجاوز تلك الصعوبات، وبعد ثلاث سنوات أنجبت طفلي الثاني، ثم بعد خمسة عشر عاما أنجبت طفلي الثالث والأخير، وخلال تلك الفترة كنت أعاني الأمرين، فلم أشعر يوماً أن زوجي يحبني، ولم أذق طعم الحب يوماً، وما زلت أشعر حتى الآن أنني طفلة وأريد أن ألعب مع الأطفال، وكان زوجي بخيلاً جداً، تصور يا أستاذ، كنت أقوم بالصرف على البيت، وعندما أطالبه بالمصروف كان يتجاهل طلبي، حتى البيت الجديد الذي اشتريناه ساهمت في شرائه من راتبي، وكذلك البيت الذي بنيناه في القرية ساهمتُ في بنائه، وكنت أقوم بعملية جبل البيتون ورفع البلوك، بينما زوجي كان يذهب لعند أهله، وأكثر من ذلك كان يستغل سفري إلى القرية، بالسهر مع رفاقه سهرات فيها مجون، حتى أنه أتى ببعض رفاقه السيئين إلى البيت، ثم أصبح لا يأتي إلى البيت إلا في آخر الليل، ومع ذلك كنت أقول في نفسي اصبري كرمال ها الولاد، وكانت معاملته جافة وقاسية حتى مع الأولاد، فأقل كلمة يخاطب بها ابنتنا البالغة سبعة عشر عاماً "يا كلبة" وعندما كنت أمرض أو يمرض أحد الأولاد فإنه لايهتم، ومرة كنت مريضة فلم يأخذني للطبيب بل قال لي:" قولي لأخيك أن يأخذك للطبيب"! ولشدة بخله وحبه للمال، كان يستغل وجود أحد أخوتي، فيطلب منهم شراء كذا وكذا من السوق، حتى لا يدفع من جيبه! حتى أنه كان يستغل ابننا ويأخذ راتبه بحجة مصروف البيت..
وأما القشة التي قصمت ظهر البعير، فمنذ يومين دعاني إلى العشاء مع صديقه المتزوج في أحد مطاعم دمشق، وفعلاً ذهبت معه إلى العشاء، وفوجئت أولاً بالمكان، وثانياً بأن صديقه كان لوحده ولم تكن معه زوجته، فقلت في نفسي سوف أتناول العشاء بقصد معرفة ماذا يريد زوجي، جلسنا نحن الثلاثة على الطاولة، وكانت الساعة حوالي الحادية عشرة ليلاً، ثم بدأ أحدهم يغني على المسرح، بينما صديقه أخذ يحدق بي مبتسماً، ثم ناولني قطعة لحمه فأخذتها حرجاً، ونظرت إلى زوجي الذي بدا مشغول بما يجري على المسرح، عندها قلت لزوجي أريد أن أجلس في الناحية المقابلة كي أرى المسرح جيداً، فلم يبد أي اعتراض، وفعلاً انتقلت إلى الجهة المقابلة بالقرب من صديق زوجي، ولم تمض دقائق قليلة حتى أحسست أن يداً بدأت تتحس يدي وهي على الطاولة، وكان الفاعل صديق زوجي، فنظرت إلى زوجي الذي بدا لي أنه غير مهتم، عندها اشتعلت النار في جسدي، وشعرت أن زوجي يريد أن يستغلني. ونكاية به، ولقطع الشك باليقين، بادرت إلى وضع يدي على يد الصديق المزعوم، وتبادلت معه كأسي الشراب، بينما زوجي بدا مطروباً وغير مهتم بما يفعله "صديقه".. عندها أيقنت تماماً أنني لست زوجته بل مجرد سلعة ووسيلة لاشباع طمعه وشجعه إلى المال الذي أعمى بصره وبصيرته، وبعد ذلك عدنا إلى البيت، وتوقعت منه أن يسألني لماذا تصرفت ذلك مع صديقه، إلا أنه ذهب للنوم وكأن شيئاً لم يحدث، عندها فقط قررت نهائياً أن انهي حياتي معه، كي أتفرغ لأولادي وأعيش بقية حياتي بعيداً عن كل هذا القرف. وما حدثتك عنه يا أستاذ، ما هو إلا جزء يسير من رحلة عذابي معه. وأنا هنا في مكتبك من أن أجل تحصيل حقوقي وطلاقي منه بشكل قانوني، بعد انتهت علاقتي به على أرض الواقع..".
قلت لها وماذا ستفعلين؟ وأين ستسكنين؟ وكيف ستعيشين في هذه الأوضاع المعيشية الصعبة، فراتبك لا يكفي إيجار غرفة واحدة، حتى النفقة التي ستحكم بها المحكمة بالكاد تكفي للعيش عشرة أيام، فكيف ستتدبرين أمورك باقي الأيام ؟
ردت عليّ قائلة، وقد اغرورقت عيناها بالدموع: "أي امرأة لديها كرامة لا تقبل أن تعيش مثلما عشت يا أستاذ، تحملت بما فيه الكفاية وأهلي لن يتخلوا عني.. وربك أكيد ما بيقطع حدا..!؟

مقال اكثر من رائع واتمني ان تقبلني زائر مستديم لمدونتك
تحياتي اليك
Posted by: اخبار العراق | June 23, 2008 at 09:44 PM