جهاد صالح – خاص ثروة
يعيش الرأي العام السوري المعارض بجميع أطيافه وانتماءاته السياسية هذه الأيام موجة قلق شديدة، خاصة أنّ أجهزة الأمن السورية لم تتوقف حتى هذه اللحظة عن قمع قوى إعلان دمشق، وممارسة الاعتقال الكيفي والعبثي في صفوف مناضليه.
بدأ النظام ورموزه بالمبادرة إلى إشعال البيادر الكردية في محاولة مخابراتية لأجل فرض العقاب على قوى المعارضة السورية الديمقراطية والوطنية. وثيقة خطيرة جدا تسّربت من قيادة الجيش السوري، ولتنشر في موقع "ثروة" بتاريخ 13/1/2008. هذه الوثيقة جاءت تحت عنوان "سري للغاية"، موقعة من وزير الدفاع السوري العماد حسن علي تركماني، والتي تضّمنت:(إنّ رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي قد زار شمال العراق مؤخرا ونزل في استراحة رئيس حكومة إقليم كردستان العراق، واجتمع مع عناصر من مجموعات الموساد الإسرئيلية وقام بتزويدهم بأجهزة خليوية مرتبطة بقمرالتجسس الصناعي الإسرائيلي، وإدخالها إلى سوريا عبر حزب يكيتي الكوردي وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي لأجل توزيعها على مؤيديهم ومناصريهم ممن يخدمون في صفوف الجيش السوري وتقديمها كهدايا لضباط الجيش، وخاصة في ألوية الدفاع الجوي والمطارات والمصانع العسكرية. ودعت قيادة الجيش إلى الحيطة والحذر). طبعا ردّت الأحزاب المذكورة ببيانات شديدة اللهجة، متهمة المخابرات السورية بهذه الفبركة لأجل دق إسفين في جذور الوحدة الوطنية وزرع الشك بين المعارضة.
ليس غريبا على النظام السوري وأجهزته الأمنية تخوين فصائل المعارضة السورية وربطها بالخارج (أسرائيل – أميركا)، وهذا الأسلوب يأتي في إطار الفشل السياسي والإستراتيجي لسياسات النظام الخارجية ضمن الوسط الإقليمي والدولي، والعزلة التي يعيشها وإرهاصاته العبثية في إشراك الشعب السوري المضطهد في لعبته الخطيرة، سواءً في لبنان أو العراق أو فلسطين...
إن تسريب هذه الوثيقة إلى الإعلام لا يأتي إلاّ من منطلق تشويه وطنية المعارضة الكوردية داخل سوريا، وإحداث بلبلة ضمن الشارع السوري لأجل كبح جماح تلك الأحزاب، وخاصةً يكيتي الذي استطاع أن ينهج ثقافة جديدة داخل الوسط المعارض السوري، ألا وهي التظاهر، وذلك منذ عام 1993 ، ولم يتوان النظام عن قمع أعضائه وإيداعهم السجون والمعتقلات، وإثارة الرأي العام السوري ضد المواطنين الكورد عبر العزف على سياسة الشعاراتية العروبية واستغلال مشاعر العداء لإسرائيل وأميركا، وأن سوريا مستهدفة من الخارج عبر ما يسمى بنظرية المؤامرة، وأيضاً مزاعمها بوجود خطر كوردي. كلّ ذلك بهدف خلق صراع عربي – كوردي من جديد بعد فشله خلال عام 2004 في القضاء على الصوت الكوردي المعارض، ومحاولات القوى الكوردية لتوحيد صفوفها والالتزام بخط سياسي معارض إلى جانب القوى الديمقراطية الليبرالية واليسارية والعلمانية، وفي مقدمتها إعلان دمشق.
النظام وإسرائيل يعيشان في حالة من الاستلطاف السياسي منذ أكثر من ثلاثة عقود وهو يتجاهل قضية الجولان، وتنازل عن أراض سورية لتركيا، ودخل لبنان في الماضي بموافقة إسرائيلية وصفقة سياسية. واليوم يحث الخطى لأجل إرضائها تحت دواعي السلام في المنطقة، على أمل أن يحافظ على استدامته في الحكم، فكيف له أن يخّون قوى المعارضة في الداخل، والتي أجندتها واضحة ( التغيير الديمقراطي الوطني السلمي )؟
إن هذه الوثيقة المخابراتية تأتي استكمالاً لثقافة الاعتقال والسجن وكبت الحريات العامة وانتهاك حقوق الإنسان في سوريا، وما هي إلاّ عصا يلوّح بها النظام للجنة التنسيق الكوردية (يكيتي – آزادي – تيار المستقبل الكوردي)، النشطة ميدانيا وسياسيا ذات الجماهير الهائلة، وخاصةً أنه ظهر في الأفق السياسي تقاربات وحوارات بينها وبين إعلان دمشق، لأجل توحيد العمل السياسي والنضالي داخل سوريا، وهذا بحد ذاته مؤشر خطير في قراءات المخابرات السورية، التي تعمل ليل نهار لتشتيت الصف الوطني السوري المعارض. لكن في النهاية، المواطن السوري بمختلف انتماءاته السياسية والقومية يدرك من هو الوطني، وبات يعيش واقعَ وحقيقة أنّ النظام الحاكم فقد مصداقيته داخل سوريا وخارجها، ونهايته باتت قريبة جداً. وهو يدرك أيضاً، أن النظام قبل انقضاء أجله قد يلجأ إلى إحراق المنطقة برمّتها!
جهاد صالح: صحافي وناشط سوري.
jihadsalih@gmail.com
Comments