والحكومة تتاجر بأرواح أهلها
وماذا قد تفعل السيدة الأولى؟
خاص ثروة
لم أر طوال عقودي الثلاثة استهتاراً حكومياً بحياة آلاف البشر كما هو الحال في منطقة الكلاسة الحلبية، حيث يختلط الفقر والفاقة مع الخوف الدائم من السقوط في هاوية الكهوف المترصدة تحت تلك المنطقة البائسة الحزينة، والتي يعمل غالب أهلها أعمالاً حرة، كنقل الأثاث أو في أسواق الخضار، وهم في غالبهم دون خط الفقر السوري بكثير.
القصة قديمة جديدة. فالمرة الأولى التي سقط فيها عدد من المنازل كانت منذ عشرين عام أو يزيد، ولكن استمرت الحوادث، وكان آخرها في اليوم الذي سبق عيد الفطر للعام الماضي 2007، حيث تصدعت مجموعة من البيوت في منطقة المغاور المعروف بأنها تقبع على مجموعة كهوف، وفتحت بالقرب من تلك البيوت مغارة ضخمة سدت بعد فترة بكميات كبيرة من الأتربة، وذهب الأهالي بحسب أحد أبناء المنطقة إلى "مكتب الأمن والسلامة" التابع للمحافظة وطلبوا منهم الحضور لمعرفة ماذا يمكن أن يفعلوا لهم؟ "وأتى يومها عدد كبير من رجال الشرطة وحفظ الأمن ومهندسي الأمن والسلامة وأخرجوا الناس من البيوت التي تضرّرت وأغلقوها بالشمع الأحمر ومنعوهم من دخولها وقالوا لهم أنهم سيعالجون الموضوع بعد العيد."
ولكن، وبحسب العادة السورية المشهورة، لا يمكننا حل مشكلاتنا وإن تعلقت بأرواح البشر بوقت سريع، "فبالعجلة الندامة وبالتأني السلامة،" أم تعتقدون غير ذلك؟
ويتابع ابن المنطقة سرد قصة أهله وأصحابه بغصة قاسية ومؤلمة لدرجة السكوت ولمرات عدة أثناء حديثه عن المأساة.
"الحكاية طالت كثيراً وذهب أهالي تلك البيوت إلى مكتب الأمن والسلامة ليطالبهم المهندس المختص، وبشكل غير مباشر طبعاً، برشوة كي يرفع تقريره للمحافظة ويضمنه معلومات عن عدم أهلية تلك المنازل شبه المنهارة للسكن، ومن ثم يستصدر أمراً بهدمها ويعطى المتضررون، كما غيرهم من قبل، إنذارات وعلى أساسها يخصّص لهم منازل في مناطق أخرى يدفعون ثمنها بالتقسيط بحوالي4500 ليرة سورية، أو أن يعطوهم مساحة من الأرض وحديد وأسمنت وبلوك وخمسون ألف ليرة سورية ليعيدوا بناء منزلهم في مكان أخر من ضواحي حلب."
وغالب من التقينا من أهالي المنطقة اعتبروا أن مثل هذا الحل هو إشارة لإعادة الكرة مرة أخرى، خاصة في غياب البدائل، فيبنون منازلهم فوق التراب ودون أساسات وبشكل سيء مما يهددها بالانهيار مرة أخرى.
ويستمر من التقينا من أبناء المنطقة بسرد القصة المحزنة:
"فأما من أخرجوا مؤخرا نتيجة الخطر الذي أحدق بهم، فقد بقوا خارج منازلهم طوال فترة العيد وبعد أن فقدوا الأمل من الأمن والسلامة هددوا بالذهاب إلى المحافظ، ولكن أقنعهم المهندس المختص بأن لا فائدة يجنونها إلا من خلاله، مطالباً إياهم وبشكل غير مباشر ثانية برشوة".
تضم هذه البيوت حوالي الستة عائلات، الأولى تتألف من رجل متزوج ولديه سبع أولاد وشاب أخر متزوج أيضاً ولديه 3 أولاد وشاب ثالث عازب. والعائلة الثانية تتألف من رجل متزوج مع أمه وأخته، والعائلة الثالثة تتألف من ست أشخاص، وكلهم على نفس السوية من الفقر. ففي هذه الأحياء عموماً لا توجد عائلة فيها أقل من سبعة أو ثمانية أشخاص، وكما يقول من التقينا "هذه بيوت عربية وفي كل بيت مثل بيتنا يعيش أكثر من عائلة."
وبعد أن فقدوا الأمل رفعوا الشمع الأحمر عن الأبواب والنوافذ ورمموا بيوتهم على نفقتهم الخاصة وسكنوها من جديد، وهم اليوم في منازلهم المهدّدة، لأنهم كي يحصلوا على بيوت في مكان أخر عليهم، وبحسب طلب "مكتب الأمن والسلام،" أن يهدموا بيوتهم الحالية المهدّدة، ويقدّموا صوراً تؤكد أنها هُدمت، ومن ثم يرفع المكتب تقريره ويتقدم بطلب للمحافظة لتعوضهم بيوتاً بديلة، يعطون بعدها إنذارات، وينتظرون ما شاء الله والمحافظة ريثما يتم تجهيز تلك البيوت، وقد يطول انتظارهم لأكثر من عامين أو ثلاثة".
ماذا ستفعل لهم السيدة الأولى؟
ولكن، وعلى غرار ما فعل أهالي منطقة البساتين في حمص لدرء الاستملاك المحدق بهم وما يزال، فقد هدّد أهالي تلك البيوت المزعزعة بالتوجه للسيدة أسماء الأسد. وبحسب من التقينا فهم سيحاولون الوصول إليها من خلال نسائهم، وقد قالوا للمهندس في مكتب "الأمن والسلامة: "نحن رجال قد تأخذنا الشرطة، ولكن ماذا لو بعثنا بالنساء عن طريق الاتحاد النسائي ليصلوا إلى السيدة أسماء الأسد وهي تتصرف معكم؟"
ولكن لا نعرف ماذا يمكن أن تقدم السيدة أسماء إذا ما كان اعتصام أهالي البساتين أمام القصر الرئاسي في دمشق لم يوصلهم إلى نتيجة؟
ويعتقد من التقينا بأن الأهالي وصلوا إلى هذا القرار لأنهم أصبحوا أناساً يائسين، ويتابع: "في أي بلد من المعروف أنه إذا ما تعرضت أنت كمواطن لخطر أو أنهدم منزلك، تأتي الحكومة من خلال مؤسساتها وتأخذك إلى بيت جديد ويساعدوك لتعود الأمور إلى مجراها الطبيعي."
ولكن الحقيقة والصورة الواقعية الواضحة هنا في حلب أنهم يأتون ليرموا بالمواطنين في الشارع.
هل الفقر سيد المشكلة كما العادة؟
بالطبع فلو كان وضع الناس القاطنين لهذه المناطق جيداً لما سكنوها أساساً، بل ذهبوا منها بإرادتهم وخوفاً على حياتهم. لكن أغلبهم يعمل على سيارات سوزوكي أو على طنابر.
ويروي لنا من التقينا بعض القصص لعائلات من أهالي تلك المنطقة، "فأحدهم موظف في شركة الاسمنت وأبنائه يبيعون الحمص المطبوخ المعروف باسم "البليلة"، وأخر حلاق لا يملك صالون حلاقة بل ماكينة حلاقة ومعدات بسيطة يحملها إلى محل أو بيت الزبون ليحلق له ويأخذ أجرته التي يعيش منها ولا تتجاوز الخمسين أو الخمسة وعشرين ليرة، وكلهم لديهم عائلات كبيرة ما فوق الخمس أفراد".
ويضرب لنا مثلا عن نفسه: "أنا أعمل براتب 6000 ليرة سورية في الشهر بمعدل يومي مائتي ليرة ولدي ثلاثة أولاد وزوجتي وأمي وأختي، وإذا ما حسبت ثمن علبة السجائر وحاجاتي كرجل فلن يبقى لهم شيء، هذه هي حالتنا. وبالطبع لا تنسى الأعياد ورمضان والشتاء وهموم المازوت والمدارس واللباس وكل الناس هنا على هذا الحال".
نظرة إلى الوراء والمستقبل
بالطبع ليست هذه هي وحدها المنطقة المهددة في حلب، فهناك بيوت سقطت على رؤوس أهلها بسبب شبكات الصرف الصحي التالفة، وهذه البيوت بنيت منذ زمن بعيد وعلى التراب مباشرة، وتعتبر منطقة الكلاسة منطقة مخالفات، وهناك مجموعة من أصحاب البيوت فيها أعطوا إنذارات، وهدم قسم من هذه البيوت وهناك نية لهدم البقية.
وعمر معظم الإنذارات يزيد على العشر سنوات، وأعطي أغلب المنذرين بيوتهم الجديدة في منطقة "الأشرفية" أو "السكرية." ولقد قام أحد الذين التقيناهم بزيارة للسكرية، وعنها يقول:
"أنا ذهبت إلى بيوت السكرية. إنها جيدة، ولكن تبقى هناك مشكلة في العدد. فأنا مثلاً هنا مع أخي ووالدتي، وغالب البيوت على هذا المنوال فيها أكثر من عائلة، ولا يعوضون البيت الواحد إلا ببيت واحد فقط، ولا يتسع البيت الجديد لكل العائلة الموجودة في بيوتنا العربية هذه."
وبابتسامة يائسة أجابنا عن سؤالنا حول خوفه من الخطر نتيجة الحياة في مثل هذه المنطقة بقوله:
"ها نحن نجاور بيتاً يقبع على كهف ومهدّد بالسقوط في أي وقت، ولكنه سيسقط بالاتجاه الأخر فهو غير مخيف. وبالجانب الأخر لبيتنا هناك عائلة مؤلفة من أم وابنتيها اللاتي توفي أخوالها في حادثة سقوط بعض البيوت من حوالي الست سنوات بالقرب من هنا. إحداهن داست على صندوق فلين كسر تحتها فتوقعت أنه انهيار فهربت كما هي في ثياب المنزل حاسرة الرأس إلى الشارع، وفسخت خطبة الفتاتان عندما اشترطت الأم على الخطيبين أن يقطنوا بعد الزواج خارج هذا الحي خوفاً على أرواح بناتها. ولكن "على الله" لا نملك أن نقول غير ذلك".
هكذا كانت نهاية الحديث المؤلم وهذه رؤية غالب من يقطن تلك المنطقة، المهددة للمستقبل.
المزيد من الصور











Comments