بمناسبة الذكرى 60 للميثاق العالمي لحقوق الإنسان
غسان المفلح – خاص ثروة
الآن، تمر الذكرى الستون لولادة الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، هذا الميثاق الذي شكل نقطة تحول، في علاقة الفرد بمحيطه، وعلى كافة الصعد والمستويات. هذا التحول تم في وعي الحالة الفردية، بما هي مجمل حضور حقوقي، أي نقل الفرد من حالة مؤد لواجب إلى حالة من الإحساس بكيانيته، عبر رزمة من الحقوق التي يجب أن ينالها أي فرد، بمعزل عن انتماءاته وعقائده وخياراته السياسية، لأن الأنظمة الما قبل حقوقية، لا تنظر للفرد إلا بوصفه تابعا لكيان أكبر منه، هو كيانها هي. لهذا، النقلة التي تمت فكت الارتباط بين الفرد ومجمل العقائد الجمعية، ومجمل الكيانات المؤطرة للفرد عنوة، مهما كانت قداستها. أي باختصار شديد: الفرد بات محمولا على مؤسسة قانونية، ولكل قانون أسه الأخلاقي. لهذا، كانت الحقوق التي أتى فيها الميثاق وما تبعه من عهود لتعزيزه، أتت لكي تؤكد أن مبحث الأخلاق لم يعد مقتصرا على الفلسفة، والأيديولوجيات الجمعية، بل بات له مؤسساته الخاصة التي تحميه.
حقوق الإنسان في الدول التي تعمل بها، لم تعد حركة برانية أو انشقاقية، بل هي مبثوثة في السياقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لهذه الدول، بحيث من الصعب الحديث مجددا عن تهميش هذه المؤسسة- إن جاز التعبير. تماما كما هو القانون في هذه الدول. بالتالي، أي تجاوز لهذه الحقوق، لا يكون في هذه الدول تجاوزا على مستوى جمعي بل على مستوى فردي، سرعان ما يتم استرداده، لأنه ليس الأمر متعلقا بتبني الدول لهذه الحقوق فقط، بل هو يتعلق أصلا بإمكانية الحد من تجاوزها أيضا، سواء عبر القضاء أو بوسائل شرعية أخرى. وأهم هذه الوسائل، هي التوجه إلى الرأي العام في هذه الدول.
في هذه المقدمة البسيطة، نلحظ جملة من المسائل التي باتت مترابطة في هذه الدول: القانون، المؤسسة، الفرد، الحرية والرأي العام. إنها أسس الدولة الحديثة والمعاصرة. من البديهي، بات في هذه الدول رجل الأمن، مهما كان، لا يستطيع أن يوجه لأي مواطن أية إهانة شخصية! لذا، بات هذا الأمر في إطار اللا مفكر فيه من قبل رجل الأمن. وهنا، نتحدث عن الحالة العامة. وأي شذوذ عن هذا الأمر يصبح عرضة للمساءلة.
Continue reading "حقوق الإنسان السوري بين الثقافي والتاريخي (25)ـ" »
غسان المفلح- خاص ثروة
سنحاول في هذه الزاوية، التعرض لمفهوم حقوق الإنسان داخل الأحزاب السورية، ولن نتطرق إلى الواقع النظري، الذي يعد واقعا فقيرا في الحقيقة داخل ما تبقى من أحزاب في سورية، سواء في الداخل أو في الخارج. هذه الأحزاب التي باتت الآن تنادي ليل نهار بقضايا حقوق الإنسان كشعارات لا تزال صورية الحضور. هذه الأحزاب، لا تطالعنا في الحقيقة عن تعاملها مع حقوق الإنسان بشكل عام، والإنسان داخل هذه الأحزاب بشكل خاص. منها من يعتبر أن حقوق الإنسان هي بشكل أو بآخر أيديولوجية طبقية، ومنها من يعتبرها فكرا مستوردا، لدينا أفضل منه! وعلى هذا الأساس نجد أننا أمام حالة من ترك الفضاء الثقافي لهذه الأيديولوجية على حد تعبيرهم لمنظمات حقوق الإنسان، التي أصلا قيادات الأحزاب لا تعترف بمعظمها! ولا تعترف بشرعيتها، وأنا هنا لن أدخل في مماحكات كلامية، القصد منها النيل من مناضلي هذه الأحزاب التي نكن لهم كل الاحترام والتقدير، لكننا من باب النقد الحريص على تقدم هذه الأحزاب، وعلى إعادة إنتاجها بصورة جديدة تتلاءم مع روحية هذا العصر.
أولا، لا بد لنا من القول إن هذه الأحزاب باستثناء مؤتمر يتيم للرفاق في حزب الشعب، لم نسمع عن حزب عقد مؤتمر، وأعاد انتخاب نفس الشخوص، المتواجدين في قمم الهرم الحزبي منذ عقود! فشلت قيادتهم في السابق أم لم تفشل لا يهم! فلديهم الحجج جاهزة، وهي أن سبب فشلهم هو القمع السلطوي، هذا صحيح من زاوية شراسة هذا القمع، ولكنهم كانوا يعرفون هذا القمع وشراسته قبل أن ينخرطوا في هذه الأحزاب وضمن مواقع قيادية. لن أتحدث هنا عن الأحزاب الكردية المتناسلة من بعضها تبعا لخلافات، في غالبها شخصي-زعامي، مقارنة بين خطابات هذه الأحزاب تجدها تقريبا واحدة. لهذا فإن حقوق الإنسان بالنسبة لهذه الأحزاب تتعلق بكل ما هو خارجها. ولا يتعلق الأمر بالكيفية التي تنظر فيها قيادات هذه الأحزاب للعمل الحقوقي عموما، ولمفهوم الإنسان في داخل أحزابها وخارج هذه الأحزاب، فلا زالت فكرة التخوين، هي الفكرة المسيطرة على عقول غالبية قيادات هذه الأحزاب؛ التخوين لكل مختلف، ومحاولة احتكار الصورة الرمزية للفعل المعارض، كما احتكروها ويحتكرونها داخل أحزابهم، بالتقليد أو بالوراثة. ربما، يريدون احتكار هذه الصورة على مستوى المعارضة ككل.
Continue reading "حقوق الإنسان السوري بين الثقافي والتاريخي- 24 " »
غسان المفلح- خاص ثروة
إن مفهومُ "حقوق الإنسان"، ببساطة هو كافة المرتكزات القانونية غير القابلة للتجزئة، والتي تنمو باستمرار، حيث تنظِّم الممارسةَ الفعلية والفاعلة لهذه الحقوق. فوراء الحق في الحياة والأمن، وحرية التصرف في الممتلكات الخاصة، والحق في المساواة أمام القانون، وفي حرية الفكر والتعبير، وفي التعليم والمشاركة في السلطة السياسية، هناك الحقوق الأخرى كلها التي تكمِّلها أو تجعل هذه الحقوق الأساسية ممكنة: الحق في الحياة والسعادة، وفي العمل والراحة، وفي المسكن وحرية التنقل، إلخ. لكن أيضًا، وراء هذا كلِّه، الحق في التصدِّي للاستغلال، الذي يمارسه رأسُ المال – الحقوق النقابية – وصولاً إلى الحقِّ في الترقِّي الاجتماعي، وفي تحسين ظروف عيش الإنسان، والحق في الأيديولوجية وفي النضال المستمر من أجل حصول الإنسان على حقوقه كاملة، وفي تأمين الظروف السياسية والدستورية والقانونية لهذا النضال.
لا شكَّ في أن حداثة حقوق الإنسان، تصل أيضا إلى أكثر من ذلك! ولكن، عن أي إنسان يتم الحديث؟ من المفترض أن القاعدة الذهبية لتواجد هكذا ثقافة، وهكذا مؤسسة للعملية الحقوق إنسانية، لا يمكن توفرها إلا في شرط الحد من احتجاز السلطة السياسية، بما هي سلطة غير سياسية، في بلدنا، احتجازها بفعل وجود قوة فوقها وهي قوة الدولة، والمتمثلة في سيادتها الداخلية. إن هذه الحقوق، حتى تكون في متناول المواطن العادي، يجب أن تتحول إلى مؤسسات في الحي والبيت والمدرسة. وهذه في الواقع مهمة الدولة المعاصرة في حيثيات انبنائها الأصلي. حيثيات وجودها، فهي من غير المعقول ولا الممكن عمليا أن تمارس سيادتها دون أن يكون هنالك من يدافع عن هذه السيادة بوجه كل من يحاول استغلال هذه السيادة أو طمسها، أو إلحاقها بأجندة شخصية ضيقة، تماما كما هي الحال في حاجتها إلى من يدافع عنها في وجه أي احتلال خارجي. لهذا هنالك من يتحدث عن السلطة في سورية بكونها احتلالا داخليا.
بغض النظر عن عمق هذا المفهوم أو سطحيته التجييشية، فإنه يقارب شيئا من الحقيقة، السلطة السياسية غير السياسية، لا يمكن لها أن تمتلك القدرة على الانتقاص من سيادة الدولة داخليا دون أن تمتلك قوى رابضة على الأرض. كأن نقول إن العسكر هم القوى التي تعتمد عليها هذه السلطة من أجل سرقة السيادة من الدولة، كما سرقت مجمل وظائفها من أجل أن تكون هي السيدة المطلقة على الدولة ومجتمعها. هذا السطو على الدولة، لا يمكن إعادة إنتاجه، في ظل قيام مؤسسات تتحدث عن حقوق الإنسان، التي تواضعت عليها مجمل البشرية في هذا الزمن. لهذا، نجد أن احترافية حقوق الإنسان تحتاج إلى من يحميها قانونيا، كما تحتاج إلى موارد علنية لاستمرار عمل هذه المؤسسات المحترفة، وهذه مهمة الدولة المعنية، أية دولة وأي مجتمع مدني. ولكن السلطة السياسية، تدرك جيدا أنها هي صاحبة الحق الوحيدة في قيام مصنفة خاصة بحقوق وواجبات رعاياها، وهذه تكون غالبا مرتبطة بسلوك هذه السلطة، لهذا عندما تنهار هذه السلطة تنهار معها مصنفاتها تلك، العراق نموذجا.
Continue reading "حقوق الإنسان السوري بين الثقافي والتاريخي (23)ـ" »
غسات مفلح – خاص ثروة
منذ أيام تم تداول أخبار عن أعداد معتقلي الرأي في سورية، والذين قدرتهم إحدى المنظمات الحقوقية السورية بحوالي 1422 معتقل رأي. جاء عدد من الردود مؤكدا أن العدد أكثر من ذلك، ومنهم من اتهم هذه المنظمة بالعمالة للسلطة، أو بالحد الأدنى بالتواطؤ مع هذه السلطة.
ومن الصحيح أن معرفة الأعداد الدقيقة لعدد المعتقلين، ولأوضاع حقوق الإنسان المنتهكة في سورية، أمر أكثر من مهم، ويساعد على تشخيص ميداني حقوقي للأوضاع الحقوقية السائدة في البلاد. كما أن معرفة أوضاع هؤلاء المعتقلين، وبأية سجون هم، وكيف يعيشون، وهل يتعرضون للتعذيب أم لا، زآليات اعتقالهم والتحقيق معهم، كلها أيضا أمور على غاية من الأهمية. وهذا هو عمل منظمات حقوق الإنسان أصلا في بلد كبلدنا لازال الالتباس سيد الموقف بين ثقافة سياسية محدودة بالقمع وعدم التجدد، وبين مؤسسات حقوقية ذات احتراف حقيقي ومعترف بها. وهذه الأخيرة ليست موجودة في بلدنا. والسلطة لم ولن تسمح بوجودها القانوني، لأن جزءا من ممارساتها الأمنية والسياسية على المستوى الداخلي يعتمد على الإبقاء بين وضع قانوني ملتبس، وسلوك عملي لا قانوني بشكل واضح وسافر.
إن التعتيم على أوضاع حقوق الإنسان، وعلى الانتهاكات الخطيرة واليومية، والتي تتكثف بمقولة بسيطة، بأن سلوك السلطة مبني على عدم وجود إنسان لديها، بل مجموعة من الأتباع، مهمتها إطعامهم لتجديد سيطرتها. لهذا، فإن التعتيم هو جزء من ثقافة الأمن، وثقافة الأمن تبنى على وجود حالة حرب مع عدو. والعدو هنا هو ناشطو الشعب السوري، وأصحاب الآراء المعارضة. فالسرية الأمنية، والمعلوماتية، هي عنصر أساس لممارسة لا قانونية. إذن، يمكن القول إن اللاقانون هو من يحكم البلد، والمعلومات هي قضية حقوقية قانونية، فكيف يسلم اللاقانون عنقه للقانون الإنساني؟
حوالي الساعة السابعة مسـاء من يوم الثلاثاء الواقع في 6/11/2007 ، وفي المنطقة الواقعة ما بين ساحة شمدين وحارة الجديدة في منطقة ركن الدين بدمشق. أقدمت دورية من عناصر الأمن الجنائي إبان محاولتهم اعتقال المغدور أحمد سليم الشيخ، تولد دمشق 1970، تنفيذاً لنشرة شرطية قديمة على إمساكه من تلابيبه، وإنزاله من السيارة التي كان راكباً بها، وانهالوا عليه ضرباً وركلاً ولكماً على مرأى من المارة في الطريق العام، إلى أن فارق الحياة، تاركاً وراءه أسرة مؤلفة من أربعة أطفال، أكبرهم شادي من مواليد 1991 ومحمد مواليد 1992 ولؤي من مواليد 1997، وأخيراً الرضيع يامن من مواليد 2006. خبر، نقلا عن تعميم لمنظمة سواسية بلسان رئيسها المحامي مهند الحسني.
Continue reading "حقوق الإنسان السوري بين الثقافي والتاريخي الزاوية (22) ـ" »
غسان مفلح - خاص ثروة
إن المتتبع لتقارير حقوق الإنسان في سورية، ومتابعات المنظمات الحقوقية السورية، لقضايا المعتقلين ومحاكماتهم، يجد أنه أمام أعداد كبيرة من المعتقلين على خلفيات إسلامية، وخاصة التهمة بالانتساب لجماعة الإخوان المسلمين، المحظورة بموجب لقانون 49 والقاضي بإعدام أي منتسب لهذه الجماعة، هذا القرار- القانون الذي سن أثناء المصادمات المسلحة بين السلطة والجماعة في نهاية السبعينيات، وبداية الثمانينيات، وهذه الأعداد تعتقل وتحاكم، ولا يثار حولها أية قضايا أو حملات للإفراج عنهم. وهذه الأعداد من المتهمين والمحاكمين، في الحقيقة، تعامل بقلّة اهتمام، من النشاط السياسي والحقوقي والمدني في سورية. لا بل حتى في المنظمات الدولية. باختصار نحن جميعا مقصرون في هذا الجانب. وهذه حقيقة، تنبع من عاملين:
الأول- الموجة التي تكتسح العالم ضد الإسلاميين عموما. والثاني هو الوضع الخاص لهم في سورية. وهذا في الحقيقة، يجب معالجته بطريقة مختلفة عما تتم بها الآن. فالسلطة، رغم أنها تحاول التعامل مع التيار الإسلامي بطريقة تبادل الكراهية والمنافع، إلا أنها لازالت تحسب حسابا لهذا التيار الذي ينمو بفعل عدة عوامل أيضا، ولكن أهمها هو ما تتيحه السلطة من بناء القاعدة التحتية لنشاط هذا التيار، من معاهد ومدارس، وجوامع. وهذا ما يتيح مزيدا من الحراك في هذا التيار، مع الشارع من جهة، وداخل جماعاته ذات المرجعيات السياسية المختلفة. وذات القراءات المختلفة لما يدور من أحداث في المنطقة.
إن البدء بالتعاطي مع هذا الأمر، تفرضه مقاربتنا كنشطاء مدنيين، لكيفيات نشر ثقافة حقوق الإنسان في المجتمع السوري. هذه الثقافة، التي يجب بالضرورة ألا تميز بين معتقل رأي وآخر. رغم أنه من الطبيعي على حد قول المثل الشعبي- الذي ليس له هوى ليس له دين- من الطبيعي أن يتعاطف المرء أكثر مع من يتفق معه في التوجهات السياسية والأيديولوجية. ولكن ليس من الطبيعي أن يكون الفارق نوعيا جدا في التعاطف هذا- رغم أن التعاطف أمر يجب ن يكون بعيدا عن الاحترافية في عمل النشطاء الحقوقيين. كيف يمكننا فك الارتباط بين شعبويات إسلاموية يربيها النظام على مقاسه ووفقا لحركيته، وبين نمو ظاهرة العنف الكامن والإقصاء المتعمد، لقضايا الإسلاميين المعارضين سلميا للنظام؟
Continue reading "حقوق الإنسان السوري بين الثقافي والتاريخي - الزاوية 21" »
خاص ثروة
"تفصل السلطة القضائية في المسائل المعروضة عليها دون تحيز، على أساس الوقائع، وفقاً للقانون ودون أية تقييد أو تأثيرات غير سليمة، أو أية إغراءات، أو ضغوط، أو تهديدات، أو تدخلات، مباشرة كانت أو غير مباشرة من أي جهة أو لأي سبب." الفقرة الثانية من مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية والمتضمنة أيضا: "كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن يثبت ارتكابه لها قانوناً في محاكمة علنية تكون قد وفرت له فيها جميع الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه." المادة /14/ من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية السياسية وكذلك المادة /10/ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
الصديق "أبو علي" (فائق المير- عضو اللجنة المركزية والأمانة العامة لحزب الشعب الديمقراطي، المكتب السياسي) ينتظره حكم، هذه المرة من محكمة تسمى مدنية- محكمة الجنايات الأولى في دمشق- بالنظر إلى أن كل القضاء هو عند السلطة والأجهزة الأمنية سواء. بدءاً من محكمة أمن الدولة، مرورا بمحكمة القضاء الإداري- الدائرة الأولى- في دمشق، التي حكمت على النائب السابق وأحد معتقلي ربيع دمشق، رياض سفر بمنع سفره إلى الخارج لتلقي العلاج من مرض السرطان، بعد أن ردت الدعوة المرفوعة من قبله ضد من يمنعونه من السفر للعلاج. وليس آخرا، محكمة الجنايات هذه التي تحاكم الصديق "أبو علي" الآن. كل هذه الأجهزة القضائية ليس هنالك مسافة تذكر بينها وبين تعليمات الأجهزة الأمنية للسلطة، ومهما كان الجهاز المسئول عن المعتقل! سواء كان جهاز أمن الدولة المستقل، أو جهاز الأمن السياسي التابع لوزارة الداخلية، أو جهاز الأمن العسكري التابع لوزارة الدفاع. كلها تعتقل، وبنفس الطرق تقريبا، وتستخدم نفس أساليب التحقيق، والتعذيب، والشتائم. وتقوم بإعطاء نفس التعليمات للقضاة، سواء كانوا في محكمة أمن الدولة الاستثنائية، والتي حكمت الصديق "أبو علي" سابقا حكما مدته عشر سنوات، أمضاها كلها في سجن صيدنايا العسكري أم غيرها. هذه المرة أحب الأخوة في السلطة تنويع المحاكم التي تصدر الأحكام بحق، "أبو علي" وغيره من الناشطين. فكانت محكمة الجنايات الثالثة في دمشق. الثابت في عمل السلطة، مهما كانت الأجهزة التي تعمل فيها واحد لا يتغير وهو: امتهان كرامة البشر وحقوقهم، أما المتحول فهو نقل الصلاحيات من جهاز إلى آخر، من أجل سهولة الاستخدام، أو ربما هنالك من يقول طرفة، إن الأجهزة الأمنية تريد معرفة نوايا القضاة المدنيين تجاه النظام وتجاه المعارضة. من خلال تحويل بعض الناشطين للمحاكمة لدى هذه المحاكم التي تسمى مدنية. والأجهزة الأمنية عادة تتعامل مع القضاة بطريقتها، فإما ترسل التعليمات عبر مراسل عسكري، أو يبلغ القاضي بالتعليمات عبر الهاتف. لهذا، يتحدث بعضهم عن الارتباك الذي يصيب القضاة أحيانا، أولا لأنهم لم يعتادوا بعد على هذا النوع من المتهمين، ومن القضايا، أو هنالك سبب آخر، وهو الأهم ربما: أن التعليمات الأمنية بحكم البيروقراطية والتسيب، لم تصله بعد، فيحتار ماذا يتصرف، مع محامي المعتقل. كل العينات التي أخذناها ودرسناها من المحاكم المدنية التي حاكمت وتحاكم ناشطين سياسيين ومعتقلي رأي، باتت نفس النسخة، البعثية، فالقاضي هو خصم سياسي، وقاض بنفس الوقت!
Continue reading "حقوق الإنسان السوري بين الثقافي والتاريخي (20)ـ" »
لكل شخص حق في حرية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية. – المادة 20 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسـان.
غسان المفلح - خاص ثروة
حوالي الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم الجمعة 2/11/2007 وإبان محاولة قوات الأمن تفريق مظاهرتين في مدينة القامشلي وعين العرب، دعا إليهما حزب الاتحاد الديمقراطي (PKK) احتجاجاً على التهديدات التركية لشمال العراق، استخدمت قوات الأمن السورية العيارات النارية الحية والغازات المسيلة للدموع لفض التظاهرة، الأمر الذي أدى لمصادرة حق "عيسى خليل ملا حسين" بالحياة وإصابة "بلال حسين حسن" (24 سنة – القامشلي) و "شيار علي خليل" (25 سنة القامشلي)، وكلا الإصابتين في منطقة البطن. كما وتخلل فض التظاهرة اعتقال عيسى حسو وجميل عمر أبو عادل وعباس أبو رشو ومحمود... القياديين في حزب الاتحاد الديمقراطي. كما أعقب الحملة اعتقالات عشوائية شملت العشرات من المواطنين في القامشلي.
هذا الخبر المختصر تناقلته نشرات وإعلام منظمات حقوق الإنسان في سورية، وما يلفت الانتباه فيه، ليس استخدام الرصاص الحي لقمع تظاهرة سلمية من قبل أجهزة الأمن، وخصوصا في منطقة الجزيرة السورية. فهذا الأسلوب هو أسلوب عادي في ظل الأنظمة الديكتاتورية. حتى لو ذهب ضحية هذا الاستخدام للرصاص الحي مئات المواطنين، فهذا ليس مهماً، وليس من حق المواطن السوري أن يحتج على هذا الأمر. ليس هذا الأمر وحسب، بل ليس من حقه ممارسة أي نوع من أشكال الاحتجاج السلمي. سواء من أجل القضايا التي تخص حياته المعيشية، أو السياسية، أو الأمنية. وغير مسموح له أن يتضامن مع أي قضية من القضايا التي لا تريدها السلطة، ولا تريد للمواطن أن يعلن تضامنه معها، وهي هنا التضامن مع أكراد العراق ضد التهديد التركي لاجتياح العراق.
فمنذ انتفاضة القامشلي آذار 2004 لم تخرج احتجاجات في تلك المنطقة. حيث أنه في تلك الاحتجاجات استخدمت كل الأسلحة الأمنية. فهذا الأمر، تعود عليه المواطن السوري المقموع، والمقتلع من إنسانيته وحقوقها، التي باتت غالبية البشرية تعترف بها، ماعدا نظام الاستبداد لدينا. فحقوق الإنسان، هي الحقوق التي تمنّ بها السلطة عليه.
Continue reading "حقوق الإنسان السوري بين الثقافي والتاريخي (19)ـ" »
غسان المفلح – خاص ثروة
المادة الثامنة من الميثاق العالمي لحقوق الإنسان: "لكل شخص حق اللجوء إلى المحاكم الوطنية المختصة لإنصافه الفعلي من أية أعمال تنتهك الحقوق الأساسية التي يمنحها إياه الدستور أو القانون."
منذ أن حلت لعنة الاستبداد على سورية، والمنظمات غير الحكومية، المعنية بقضايا حقوق الإنسان والمجتمع المدني، تَبذل جهوداً من أجل بقاء قضية المعتقل السياسي السوري، قضية رأي عام من جهة، وقضية تحمل بندا دائما في أجندة هذه المنظمات. بندا دائما، سببه دوام الاستبداد والاعتقال التعسفي، وغير التعسفي، من قبل الأجهزة الأمنية السورية. و رغم كل هذه الجهود، التي تبذل من قبل هذه المنظمات والمشكورة عليها، إلا أنها غير كافية لبقاء قضايا معتقلينا حية، وليست كافية من حيث أشكال الضغط التي يجب أن تمارس على السلطة سلميا، من أجل إطلاق سراح كل المعتقلين، وإلغاء محكمة أمن الدولة العليا سيئة الصيت والسمعة، والتي هي محكمة أمنية عسكرية، إضافة إلى أن القاضي الرئيسي فيها عضو فعال في الحزب الحاكم، حيث الجاني هو القاضي! وهذه لا تحدث إلا في ظل النظم التي تجاوزتها البشرية، والتي كانت تسمى فيما مضى( نظما شمولية). هذه القضية قلما وجدنا اهتماما من قبل هذه المنظمات بها.
إن فضح هذه المحكمة وآلياتها، هو من صميم عمل منظمات حقوق الإنسان عموما، بغض النظر عن أجندتها. كما أن هنالك أمرا جديدا طرأ على هذه القضية أيضا، لم نرَ من المنظمات الحقوقية من التفت إليه، وهو أن المحاكم الأخرى التي يتم تحويل المعتقل السياسي السوري إليها، هي محاكم بعثية أيضا! والتي تسمى عادة محاكم مدنية. والغاية من هذا الإجراء، هي أن السلطة السورية تحاول أن تعطي صورة للمجتمع الدولي أنها تقوم بتحسين شروط محاكمة المعتقل السياسي. وهذا غير صحيح؛ فمنذ زمن بعيد، هنالك مرسوم جمهوري، تم بموجبه إحداث معهد خاص لتخريج القضاة! يشبه إلى حد بعيد من حيث شروط الانتساب إليه لخريجي كليات الحقوق السورية، يشبه الانتساب إلى الكليات العسكرية لحملة الشهادة الثانوية! لا يمكن لأي شخص أن يصبح قاضيا في أي محكمة سورية مهما كان اختصاصها إن لم يكن من الحزب الحاكم؛ هذا بالنسبة لمحكمة أمن الدولة والمحاكم العسكرية.
Continue reading "حقوق الإنسان السوري بين الثقافي والتاريخي (الزاوية الثامنة عشرة)ـ" »
رزان زيتونة
الهواء في أمكنة أخرى من هذا العالم أكثر وفرة، وهو في مكاننا هذا، شحيح ونادر، وإن كان الحب بلا أمل أسمى أنواع الغرام فإن العمل بلا أمل لا يقل عنه سمواً... وإحباطاً وتعباً.
عنونت منظمة هيومان رايتس ووتش تقريرها الجديد بشأن «القمع الحكومي للنشاط بمجال حقوق الإنسان في سورية»، والعنوان مخيف وطريف ومعبر! يختصر الدهشة ويكثف القهر، وفوق ذلك، يشف عن لون هوائنا المعكر إلى حد بعيد.
وقبل أيام من صدور التقرير، قبيل عيد الفطر بالتحديد، كنت في زيارة إلى سجن «عدرا» المدني، وفي هذا السجن يقبع بعض معتقلي الرأي والنشطاء السوريين.
عند الباب الخارجي، التقيت مصادفة زوجة البروفيسور عارف دليلة، تبادلنا العناق والقبلات، وحملتها سلاماتي إلى البروفيسور الذي لا يسمح بزيارته لغير عائلته، ومضيت في طريقي إلى داخل السجن.
يقول التقرير إن الحكومة السورية تقوم بالتضييق الشديد على حريات نشطاء حقوق الإنسان في التعبير عن آرائهم وفي التجمع على شكل جمعيات... والأسوأ أن أجهزة الأمن تعرض نشطاء حقوق الإنسان لتدقيق ومتابعة صارمة ومضايقات تتضمن حظر السفر والاعتقالات والمحاكمات.
Continue reading "لا مجال للتنفس" »
Recent Comments