مستقبل المدينة المصرية الفاضلة على أعتاب الألفية الجديدة
كتبت: داليا زيادة
هناك في أقصى الشمال الشرقي للقارة الأفريقية السوداء و في قلب الوطن العربي الممتد من الخليج إلى المحيط, تقع جمهورية مصر العربية, المعروفة بضخامة عدد سكانها و ضخامة دورها في الإقليمين الأفريقي و العربي على حد سواء, فضلا عن تميزها التاريخي بحضارة الفراعنة الممتدة منذ ألاف السنين.
تخضع دولة مصر لنظام الحكم الجمهوري منذ ثورة الضباط الأحرار في الثالث و العشرين من يوليو 1952 بقيادة محمد نجيب الذي تولى رئاسة مصر لفترة قصيرة جدا قبل أن يخلفه على عرش مصر المحرك الفعلي للثورة جمال عبد الناصر الذي عاش و مات بأحلام تصب جميعا في بوتقة القومية العربية التي لم و لن يفلح هو أو غيره في تحقيقها حتى يومنا هذا على الرغم من جودتها كفكرة سياسية نبيلة, و خلف جمال عبد الناصر بعد وفاته الرئيس محمد أنور السادات الذي اشتهر ببراعته الفائقة في مواقف الحرب و السلام على حد سواء, و يذكر للرئيس السادات, موقفه البطولي في التفاوض مع إسرائيل (العدو الرئيسي لمصر آنذاك) و التوصل لمعاهدة سلام تاريخية حفظ بها دماء المصريين من أن تهدر في المزيد من الحروب و فاز عن موقفه الفريد بجائزة نوبل للسلام عن استحقاق.
منذ مقتل السادات في حادث المنصة الشهير و حتى اليوم – أي ما يزيد عن الربع قرن بقليل - تقع مصر تحت استبداد النظام الحاكم بقيادة الرئيس محمد حسني مبارك و حزبه الوطني الديمقراطي, الذي لم يسمح بوجود أي شكل من إشكال المعارضة الحقيقية في البلاد بما يحقق التنمية و الإصلاح المأمولين, فإن كنا نري في التحولات السياسية الضخمة و العدوان الثلاثي (فرنسا – انجلترا – إسرائيل) الذي طال البلاد في عهد الرئيس جمال عبد الناصر, و الحرب مع إسرائيل و محاولات الحفاظ على ثرى مصر في عهد الرئيس أنور السادات, ما يبرر للرئيسين الراحلين القمع و التعسف اللذين اعتادا ممارستهما ضد مختلف فئات المعارضة, فإننا لا نجد أبدا أي مبرر للتدهور السياسي و الاقتصادي الذي تشهده البلاد في عهد الرئيس الذي لم يرحل بعد محمد حسني مبارك, فضلا عن الكم الهائل من الاعتقالات السياسية الغير شرعية و الغير مبررة و أحيانا الغير معلنة للنشطاء السياسيين و الحقوقيين و كل من تسول له نفسه بالتفوه برأي مخالف لما يراه النظام الحاكم.
على المستوى الخارجي, تلعب مصر دور الأخت الكبرى بين أقرانها الأفارقة و العرب على حد سواء, نظرا لما لها من تأثير معنوي ضخم في الحفاظ على أمن و استقرار الإقليم, حتى أن الدول الكبرى مثال الولايات المتحدة الأمريكية باتت تتعامل مع مصر بنفس المنطق, و لعل السبب الأخر لاهتمام مصر بتوفير وضمان الاستقرار في هذه الدول بخلاف الروابط الدينية و الثقافية و التاريخية التي تربط مصر بها, فإن مصر أيضا تسعى للحفاظ على أمنها القومي من خلال الحفاظ على أمن جاراتها في أسيا و أفريقيا, حيث من الطبيعي أن تبذل مصر قصارى جهدها لحل المشكلات السياسية في دول حوض النيل مثلا (أي داخل أفريقيا) لضمان عدم العبث بحصتها من مياه النهر, و من الطبيعي أيضا أن تهتم مصر بالشؤون الداخلية لدول مثل ليبيا (غربا) و السعودية و سوريا و العراق و الكويت و بقية دول الخليج (شرقا) لحماية نفسها من ويلات الحروب المتوقعة إذا ما نجح أي اعتداء خارجي في التدخل في شئون هذه الدول, و نضيف إلى ذلك أن مصر و على طوال تاريخها تكون أكثر قوة من الناحية العسكرية و السياسية إذا ما اتفقت مع دول عربية أخرى على السير في اتجاه مشترك, فلا ننسى القول الشهير عن علاقة مصر بسوريا مثلا: "مصر و سوريا كجناحي طائر إذا اجتمعا يطير", و بالإضافة إلى ما سبق تُولي مصر اهتماما خاصا بقضية الصراع بين فلسطين و إسرائيل و هي القضية التي تعد الشغل الشاغل للعالم العربي بأثره.
أما على المستوى الداخلي, تعاني مصر من تدهور خطير على جميع المستويات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية منذ بداية الألفية الجديدة, على الرغم من ارتفاع الأصوات المنادية بالإصلاح و ظهور حركات شعبية مدعومة بمنظمات المجتمع المدني تطالب بتغيير النظام الحاكم, و إلغاء العمل بقانون الطوارئ الذي يسيء النظام استغلاله ضد النشطاء و المثقفين الشرفاء, إلى جانب النداءات المطالبة برفض فكرة توريث حكم مصر لإبن الرئيس محمد حسني مبارك بعد وفاته أسوة بالرئيس السوري حافظ الأسد الذي ورث البلاد لأبنه بشار الأسد الذي لم تكن لديه أدنى فكرة عن كيفية قيادة بلد بحجم سوريا, ذلك إلى جانب مطالبات الأقليات الدينية مثل المسيحيين و الشيعة و البهائيين في العيش بسلام و إنهاء الممارسات الحقيرة التي تتعمد التمييز ضدهم سواء من بعض فئات الشعب المتأثرين بالنعرات الدينية لجماعة مثل جماعة الأخوان المسلمين أو حتى من بعض المسئولين الحكوميين المنوط بهم ضمان حقوق تلك الأقليات, و غيرها الكثير من مطالب الإصلاح السياسي التي لا حصر لها و التي قابلتها الدولة بمزيد من القهر و العنف ضد المواطنين, تحت دعاوى زائفة بالحفاظ على أمن مصر! و كأن أبناء و بنات البلد قد أصبحوا فجأة أعداء يجب التخلص منهم و الزج بهم في سجون النظام الغير رحيم.
لقد تحولت مصر فجأة إلى ساحة غريبة من الصراع اختلطت فيها الأصوات الدوجمائية المتعنتة مع الأصوات الإسلامية المسيسة المتمثلة في جماعة الأخوان المسلمين التي تصبو إلى الفوز بعرش مصر و تحويلها إلى دولة إسلامية و بالتالي إهدار حقوق الأقليات من المصريين أبناء و بنات الديانات الأخرى, اختلطت الأصوات لدرجة جعلت من الصعب على المواطن العادي التمييز بين ما هو حقيقي و ما هو زائف, و جعلت من الصعب عليه الاستماع إلى صوت الأقلية الشريفة الذي مازال يختنق خلف قضبان السجون الفعلية و المعنوية.
لكن من سخرية القدر أن القهر الذي تعاني منه البلاد فكريا و سياسيا الآن قد ساعد على نشر ثقافات غابت كثيرا عن المجتمع المصري الفقير الذي ينشغل في الأساس بتوفير أساسيات الحياة الكريمة, منها على سبيل المثال لا الحصر انتشار ثقافة حقوق الإنسان من خلال وسائل الإعلام التقليدية (المقروءة و المسموعة و المرئية) و ووسائل الإعلام البديل (الإنترنت و الهواتف المحمولة), فضلا عن تجرؤ الشعب الذي اعتاد التكيف مع تسلط الحكام و قهرهم منذ ما يقارب الربع قرن على القيام بمظاهرات و احتجاجات و تشكيل حركات للمطالبة بحقوق الشعب (مثل حركة كفاية و شايفنكو و مصريون بلا حدود, و غيرها الكثير).
ما نحلم به لمصر ليس مستحيلا, بل هو حلم عادي يتلخص في مناخ سياسي أفضل بعيد عن ترهات التمييز على أساس العقيدة الدينية أو المستوى الاجتماعي, مناخ سياسي يسمح بقبول الرأي الأخر و يدعم حرية التعبير و تبادل المعلومات دون قيد أو شرط كحق أساسي لكل مواطن, و إذا تحقق ذلك سينصلح حال مصر و المصريين في كافة النواحي الأخرى بطبيعة الحال, فإن ضمنت مصر لمواطنيها مناخا سياسيا حرا سيتحقق بشكل غير مباشر الانفتاح الثقافي و الفكري المنشود و ستنتهي كافة القيود التي يفرضها الجشعون باسم الدين و ستزدهر الحركة الثقافية و العلمية و تعود مصر إلى سالف أمجادها حين كانت منارة العلم و الفكر في العالم العربي من المحيط إلى الخليج.
إن حلمنا بالمدينة المصرية الفاضلة ممكن فقط إذا توافرت الجهود التي تدفع عجلة الإصلاح بحكمة في الطريق الصحيح, و من بين تلك الجهود موقع "ثروة-مصر" الإليكتروني الذي يهدف إلى إلقاء الضوء على حركة الإصلاح في مصر و فضح المعوقات التي تُلقَى في طريقها بغرض إحباطها, نقدم موقع "ثروة-مصر" و كلنا أمل في عودة مصرنا التي سلبت منا, و نناشد كل مصري يؤمن بمصريته بالسعي حثيثا لاستعادة مصرنا – أمنا - التي نحبها لا تلك البلد المشوهة التي يجبرنا الأباطرة على العيش فيها.

لن نحصل علي هذا الحلم إلا بإرادتنا فلو ظللنا صامتين علي ما يحدث فلن تتقدم مصر!
تحياتي.
Posted by: اخبار | July 07, 2008 at 12:31 AM