اليوم العالمي للصحافة: الصحافة المصرية من خيبة الأمل إلى نار الألم في السجون
كتبت: داليــا زيـــادة
مصر هي من بين دول العالم التي تحرص على الاحتفال باليوم العالمي للصحافة, لكن هذا الاحتفال يختلف باختلاف من يحتفلون به, فالصحفيون يحتفلون بعيدهم بالبحث عن سبل جديدة للحصول على المزيد من الحقوق, و المجتمع المدني يحتفل بهذا اليوم بتقييم حالة حرية الصحافة طيلة العام المنصرم و تقييمها و البحث في سبل دعم الصحافة لنيل المزيد من الحرية, أما الحكومة المصرية فلها طقوس أخرى في الاحتفال تتماشى مع أهدافها نحو المزيد من القمع و التضييق على حرية الرأي و التعبير, قد يحسب البعض أننا نناقد أنفسنا بالإدعاء على الحكومة أنها تضييق على حرية الرأي و التعبير و تقمع حرية الصحافة بينما يري مقالا كالذي بين أيديكم النور, لكن الحقيقة تختلف كثيرا عن ذلك و يسهل اكتشافها باستعراض ما حدث و ما يحدث في الحرب الباردة بين الحكومة و الصحافة.
فعلى الرغم من وعد الرئيس محمد حسني مبارك منذ ما يزيد عن ثلاثة أعوام بسن تشريع يقضي بعدم حبس الصحفيين في قضايا النشر, و على الرغم من تعديل قانون الصحافة في منتصف العام الماضي, مازال هناك صحفيون يزج بهم في السجن, و مازلنا نسمع اتهامات مثل "التشهير" و "الإضرار بسمعة البلاد" في عصرنا هذا الذي يشهد ثورة تكنولوجية فتحت العالم كله على بعضه, في صورة تجاوزت حدود العولمة و أفقدت تلك الاتهامات المطاطة شرعيتها المزعومة, فالمعلومة ليست حكرا على أي مخلوق و ليس من حق أي مخلوق منع انتشارها لأي سبب.
مثلت قضية هويدا طه, الصحفية و معدة البرامج بقناة الجزيرة الإخبارية, أخر الجولات بين الحكومة و الصحافة, إذ تم الحكم على هويدا أمس بالحبس لمدة ستة أشهر مع الشغل و كفالة عشرة ألاف جنية في الاتهام الأول الموجه لها "مباشرة نشاط القصد منه الإضرار بالمصالح القومية" بالإضافة إلى غرامة قدرها عشرون ألف جنية مع مصادرة المضبوطات و إلزامها بالمصروفات الجنائية في الاتهام الثاني "صناعة و حيازة و نقل صور و تسجيلات من شانها الإساءة إلى سمعه البلاد و إبراز مظاهر غير لائقة و مخالفة للحقيقة", فقد قامت هويدا منذ بضعة أشهر بالإعداد لفيلم تسجيلي عن التعذيب في السجون المصرية تحت مرأى و مسمع الحكومة المصرية و بعد الحصول على إذن من وزارة الداخلية بالعمل على الفيلم, لكن كل ذلك لم يمنعها من الوقوع فريسة سهلة في أيدي أجهزة الأمن التي ألقت القبض عليها يوم 18 يناير 2007 في مطار القاهرة قبل سفرها بالأشرطة المسجل عليها مشاهد تمثيلية تحاكي عمليات التعذيب التي تحدث داخل السجون و أقسام الشرطة المصرية.
مازال عبد المنعم محمود, المدون و الصحفي الفخور بانتمائه لجماعة الإخوان المسلمين, مسجونا على ذمة التحقيق منذ بضعة أسابيع بعد أن تم القبض عليه في مطار القاهرة يوم 14 أبريل 2007, ووجهت له نيابة شبرا الخيمة التي أجرت معه التحقيق في اليوم التالي اتهاما بـ "عضوية منظمة محظورة و تمويلها" بينما أكد المقربين من عبد المنعم أن السبب الحقيقي من وراء اعتقاله هو تناوله لموضوعات و قضايا مدعمة بالصور تفضح عمليات التعذيب التي تمارس ضد المواطنين في مصر و التي كان هو نفسه أحد ضحاياها عند تم القبض عليه في قضية أخرى عام 2003. حيث كانت وسيلة عبد المنعم في ذلك هي عمله الصحفي و مدونته التي تعد من أشهر المدونات التي تتحدث عن جماعة الإخوان المسلمين و تغطي فعالياتها.
نجحت الحكومة أيضا في الإيقاع بالمدون الشاب كريم عامر في نهاية عام 2006 و قضت عليه بقضاء 4 سنوات هي من أجمل سنوات العمر لأي شاب في مثل عمره خلف القضبان لمجرد تجرؤه على استخدام مدونته الشخصية على الانترنت في انتقاد الرئيس مبارك و مناقشة بعض الأمور الجدلية في الدين الإسلامي و الاعتراض على ممارسات بعض أساتذته بجامعة الأزهر السنية و التي كان يدرس بها الشريعة و القانون قبل أن يتم رفده منها و تحويله للنيابة, و بعد ذلك بعدة أشهر الحكم عليه بالحبس أربعة سنوات, ثلاث سنوات منهم في تهمة "ازدراء الأديان" و سنة في تهمة "إهانة رئيس الجمهورية".
و تعد قضية عامر تحديدا إلى جانب المضايقات و محاولات التضييق التي تحاول الحكومة المصرية ممارستها باستمرار ضد المدونين و الصحفيين على اختلاف توجهاتهم و توحد هدفهم في تحسين الأوضاع الراهنة و التراجع المستمر على كافة الأصعدة السياسية منها و الاجتماعية, هو السبب الواضح وراء إدراج مصر على قوائم الدول المعادية للصحافة و حرية التعبير و حرية الإنترنت الصادرة عن أغلب المنظمات الدولية إن لم يكن جميعها.
أنقضى عام من عمر الصحافة المصرية دون أن تحقق مطلبها الرئيسي في الحصول على الحرية الكافية للعب دورها الهام في نقل طموحات و أمال الشعب و أن تكون صوت من لا صوت له, و ما زلنا بانتظار العام الجديد بمزيد من الأمل العارم في تحقيق تلك الأهداف و خوف أكبر من خيبة الأمل من جديد.

Comments