مصر في يد العمال...ليس بعد
كتبت: فرح قبيسي
شهدت مصر وما تزال أوسع موجة من الإضرابات العمالية منذ أربعينات القرن الماضي. ففي تقرير للمرصد العمالي والنقابي المصري، تم رصد 68 إحتجاجا في 11 قطاعا, خلال الأسبوع الثالث والرابع من شهر آب 2007 فقط. وقد إنطلقت الحركة العمالية في 7 كانون الثاني 2006 مع إضراب عمال غزل المحلة (27000 عامل ) الذين عاودوا إضرابهم يوم 23 أيلول 2007 من اجل تحقيق مطالبهم المتمثلة بإقالة رئيس مجلس إدارة الشركة، سحب الثقة من اللجنة النقابية, زيادة بدل الغداء، زيادة الأجور، حل مشكلة المواصلات، صرف بل سكن، زيادة الحوافز الشهرية، وغبرها. أما المبهر في الإضراب الأخير هو حجم التضامن الذي أعلن عنه عمال في عدد من القطاعات الأخرى مع العمال المضربين في غزل المحلة. فعلى سبيل المثال، نفذ عمال وموظفي مطاحن جنوب الجيزة وعمال مصنع غزل كفر الدوار مظاهرة تضامنية مع اضراب غزل المحلة، لكن امن الدولة كان متواجد بكثافة لمنع تحول التظاهرة الي اعتصام او إضراب كامل.
إن إضراب عمال غزل المحلة في 7 كانون الثاني 2006 نبه الى وجود طبقة عاملة نشطة وقوية في مصر. وقد إكتسب إضرابهم محوريته نتيجة حجم المصنع (أكبر مصنع في الشرق الأوسط وأفريقيا) وعدد عماله (27000عامل) الكبيرين ولكن أيضا نتيجة رد فعل السلطة عليه.
فكان عمال المصنع متخوفون من ردة فعل عنيفة من قبل الدولة. لكن الدولة تفاوضت مع العمال، وذلك له ما يبرره: الأوضاع السياسية والإقتصادية التي تعاني منها مصر، درجة تماسك الطبقة الحاكمة وحالة الحركات المطلبية العامة في مصر في تلك الفترة، فكانت النتيجة ان انتصرعمال الغزل وتمت الإستجابة لمطالبهم. وكان هذا الإنتصار كالفتيل الذي سرعان ما أشعل موجة كبيرة من الإحتجاجات العمالية وأرسى الثقة في نفوس العمال حول إمكانية التأثير وتحصيل مطالبهم. ويقول مصطفى البسيوني, وهو صحافي مصري يعنى بالشأن العمالي: "على مدى ستة أشهر بلغ عدد العمال الذين أضربوا عن العمل ورفعوا مطالب واستطاعوا تنفيذ أغلبها أكثر من 200 ألف عامل وهو رقم هائل في بلد يحكمه قانون الطوارئ منذ أكثر من ربع قرن، ويقيّد قانون العمل فيه حق الإضراب ويفرض على العمال تنظيم نقابي واحد موال للدولة".
وتميزت الحركة العمالية التي إنطلقت في 7 كانون الثاني بعدة سمات منها: الإضراب لفترة غير قليلة عن العمل بدل الإعتصام داخل المؤسسة مع متابعة العمل، توسع الإضرابات وإنتشارها الى قطاعات جديدة مثل السكة الحديد، الإسمنت، التبغ وغيرها. بالإضافة الى تعاضد عمال المصانع في ما بينهم وانتشار الإضرابات التضامنية، إدارة العمال لإضرابهم عبر آليات تنظيمية نابعة من حركتهم و أيضا مشاركة العاملات بطريقة كبيرة ولعب بعضهن دورا رياديا في الإحتجاجات من مثل النقابية عائشة عبد العزيز التي تم مؤخرا فصلها من شركة الحناوي للمعسل وتجميد نشاطها النقابي على خلفية قيامها بالدفاع عن حقوق زملائها وتنظيم عدة اعتصامات احتجاجا على سياسة الإدارة التعسفية.
أما أهمية الحركة العمالية فتكمن في إبرازها لمستوى وعي العمال لأحقية مطالبهم ولقدرتهم على إنتزاعها عبر النضال الجماعي. بالإضافة الى كشفها لمدى تواطؤ النقابات "غير العمالية" مع السلطة وإدارات المصانع ضد العمال ومطالبهم المحقة، وقد وصل الأمر بأحد النقابيين الى التصريح بأن "عمال الإسمنت فد أصابهم الجشع"، أي انه "يعادي العمال بشكل مباشر" بحسب البسيوني. هذا الأمر دفع عمال بعض الشركات مثل غزل المحلة والحناوي للمعسل بطلب رفع الثقة عن اللجنة النقابية.
7 كانون الثاني2006و23 أيلول007,2 تاريخان يؤرخان لمرحلة جديدة للطبقة العاملة المصرية. ما بين هذين التاريخين شهدت مصر واحدة من أوسع وأكبر التحركات العمالية التي تحققت خلالها مطالب العمال. المطلوب اليوم من اليسار المصري بالتحديد ان يتلقف هذه الموجة وان ينخرط بها وان يكون جزأ منها ولا ان ينظِّر لها من الخارج مثل ما فعل وما يزال غيره من اليسار في العالم وفي لبنان خاصةً.

Comments