اليمن: اختلالات واختلاسات ومحارق
تقارير محلية ودولية محرجة والحكومة تنشغل بالمبادرات الخارجية
موسى النمراني
خاص ثروة
يقول بول درستشي في كتابه "تاريخ اليمن الحديث": "إن مسئولاً يمنيا تم إلقاء القبض عليه وهو يقوم بسرقة ونهب شركة نفط في بلده، لكنه لم يتم إيداعه السجن أو حتى إجباره على إرجاع ما أخذه، ولكن على العكس تم تعيينه سفيراً في عاصمة أوروبية"!
ورد هذا كطرفة في التقرير أميركي، لدورية المصالح الأميركية" التي تم تأسيسها عام 2005، ويرأس تحريرها "فرانسيس فوكوياما" أحد أبرز المفكرين السياسيين المرشدين لقادة الإدارة الأميركية حاليا. ليست الطرفة فيما سبق، وإن كان الأميركان يرون أن ذلك من العجائب، بل الطرفة أن "الفساد" في اليمن يعتبر أفضل مهارة لتسلق المناصب القيادية، والأكثر طرافة من ذلك أن هذا شعور عام وثقافة جماعية.
قبل أيام، تمكن "صحفيون لمناهضة الفساد" من إصدار التقرير السنوي الأول عن الفساد المالي في اليمن، غير أنه تعرض لما لا يختلف كثيرا عن الشتيمة، تلقاها من موقع الجيش على الأنترنت، على الرغم من أنه لم يتعرض لمؤسسات الجيش، ووزارة الدفاع إلا بنفس القدر الذي تعرض فيه لغيرهما من المؤسسات الرسمية العامرة بأرقام الفساد، ولم يكن مبلغ مائتين واثنين مليار وثمانمائة واثنين وسبعين مليون ريال، مجموع الاختلالات في "وزارة الدفاع" وهي التي وردت في الموازنة العامة والحساب الختامي للدولة-بحسب التقرير- على أنها نفقات غير موزعة بصورة مخالفة لمبدأ الشفافية والإفصاح، التي طالب مجلس النواب وزارة الدفاع بالالتزام بها عند تقديم موازنتها وحساباتها الختامية.
لم يكن هذا الرقم يستحق أن يستثير غضب موقع الجيش، إذا ما أجرينا مقارنة بالرقم المخصص لـ "رئاسة الوزراء" الذي بلغ أربعمائة واثنين وخمسين مليار ومائتين وسبعة وعشرين مليون وتسعمائة وخمسة وخمسين ألف ريال، معظمها قروض ومساعدات بلغت ثلاثمائة وثمانية وخمسين مليار ومائتي مليون ريال، اقترضتها الحكومة من أجل تنفيذ مشاريع قبل أن يتوفر لها التخطيط الدقيق والدراسات الكافية والإعداد الجيد لتنفيذها، وما تتطلبه المشاريع من رقابة وإشراف جيدين ومساءلة عن التقصير عند حدوثه، بالإضافة إلى مساعدات سبعة مليارات وسبعمائة وواحد وعشرين مليون ومائتي ألف ريال، لم تستفد منها الحكومة نتيجة سوء الإدارة والقصور في استخدام المساعدات والقروض، مايعني أن ملايين الدولارات من القروض تصرف في غير أوجهها، أو تجمد في البنك المركزي في نفس الوقت الذي يتحتم على الدولة تسديد أقساطها وفوائدها، بينما لم تبدأ الدولة بعد بصرفها على المشاريع المخصصة لها، وأحيانا لا يكون هناك مشاريع محددة، وكأن هناك من يستدين لمجرد الاستدانة.
أمام ذلك، بدت "رئاسة الجمهورية" زاهدة جدا في صرف الأموال، فلم يبلغ حجم الاختلالات في "رئاسة الجمهورية" سوى ثلاثة مليارات ريال، وبينما بلغ حجم الفساد في "وزارة التربية والتعليم" مائة وثمانية وثلاثين مليارا وثلاثمائة مليون وخمسمائة واثنين وستين ألف ريال، فقد كانت "وزارة المغتربين" هي صاحبة أقل رقم، حيث بلغت الاختلالات فيها ستة عشر مليون ريال وخمسمائة وواحد وثمانين ألف ريال فقط، صرفت بغير وجه حق.
وعلى الرغم من تقارب الوقت بين تقرير "صحفيون لمناهضة الفساد"، وتقرير مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل بوزارة الخارجية الأميركية، يوم الثلاثاء الموافق 11 مارس 2008م الذي انتقد اليمن في عدة قضايا، إلا أن الرد الرسمي على القرير المحلي جاء أسرع من الرد الرسمي على التقرير الأميركي، ربما لأن الناطق الرسمي هذه المرة يرغب بالاحتفاظ بوقاره حتى إشعار آخر!
اتهم التقرير الأميركي، النظام اليمني بتزوير الانتخابات الرئاسية لعام 2006م التي وصفها بأنها "صاحَبها العديد من المشاكل في عملية الاقتراع وتسخير موارد الدولة لمصلحة الحزب الحاكم".
كما اتهم التقرير الحكومة اليمنية باستخدام القوة المفرطة خلال الجولة الثالثة من النزاع، التي امتدت من شهر يناير حتى شهر يونيو من العام الماضي، والذي بدأ في عام 2004م في محاولةٍ منها لقمع المتمردين الحوثيين في محافظة صعدة، على الرغم من عدم وجود تقديرات موثوقة حول عدد المتمردين والمدنيين الذين قتلوا في نهاية العام قُدرَ عدد القتلى من الجنود بحوالي 700 إلى 1.000 بينما قدرت الإصابات –بحسب التقرير- بأكثر من 5.000 إصابة.
كما تحدث التقرير -في مقدمته- عن مشاكل كبيرة في مجال حقوق الإنسان، حيث تحدث عن قيود على قدرة المواطنين على تغيير حكومتهم بسبب الفساد والتزوير في سجلات الناخبين والضعف الإداري، كما ذكر قيام القوات الحكومية بعمليات قتل تعسفية وغير قانونية، كما وُجد التعذيب والظروف السيئة في بعض السجون، كما تحدث التقرير عن فترات الحجز المطوّلة قبل المحاكمة والفساد المستشري والضعف القضائي التي يعتبر أنها مثلت مشاكل أخرى أيضاً.
كما يشير التقرير إلى ازدياد عمليات الاعتقال التعسفي والحجز خلال العام الماضي، خاصة للأفراد الذين يشتبه بصلتهم بحركة الحوثي، والذين نُقلوا بالقوة من صعدة وسجنوا في محافظات مجاورة، وازدادت القيود وبشكل كبير على حرية التعبير والصحافة والتجمّع السلمي، وانتشر التمييز ضد المرأة، كما انتشرت عمالة الأطفال والإتجار بهم.
وتحدث التقرير عن أن السجون "الخاصّة" غير المرخصة في المناطق الريفيّة، والتي غالباً ما تديرها القبائل لا تزال قائمة، وأساء زعماء القبائل استخدام نظام السجون، عبر وضع رجال القبائل "الذين يتسببون في المشاكل" في سجون "خاصّة"، إمّا لمعاقبتهم على أعمال غير جنائية، أو لحمايتهم من أعمال انتقاميّة، وكانت هذه السجون أحياناً مجرّد غرف في منازل بعض شيوخ القبائل، وغالباً ما كان يتمّ احتجاز الأشخاص في هذه السجون بدون محاكمة، أو إدانة لأسباب شخصيّة أو قبليّة محضة، بالرغم من عدم سماح مسئولين حكوميّين رفيعي المستوى بإنشاء هذه السجون، أفادت تقارير موثوقة بوجود سجون خاصّة في مرافق حكوميّة.
وحتى الآن لم يصدر رد رسمي على التقرير الأميركي، ربما لأن وزير الخارجية مشغول منذ أن صدر التقرير بأسفار بدأها بالجولة الخليجية، وزيارة روسيا ثم العودة للكويت، ليتوجه بعدها لاجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة.
النظام اليمني يعاني كثيرا من تداخل المشكلات والأحداث التي غالبا ما يتسبب بها. فعلى الرغم من تكليفه لنجل الشيخ الأحمر برئاسة لجنة جديدة تشرف على تنفيذ اتفاق الصلح بين الدولة والحوثيين الذي رعته قطر، فلم يكد حسين الأحمر يصل إلى صعدة حتى كانت دبابات الحرس الجمهوري قد سبقته إليها، لبدء مرحلة جديدة من الصراع، ما يعني تداخل المهام لأولاد الكبار، حيث تم تكليف نجل الأحمر بمواصلة جهود الحل السلمي، بينما تم تكليف نجل الرئيس بمواصلة تنفيذ الحل العسكري.
ففي 9/5/2008م، أعلن عن انفجار دبابتين عسكريتين بواسطة لغمين أرضيين شرق ضحيان بصعدة، ومرت أول ذكرى أسبوعية حزينة في جامع بن سلمان بعد الانفجار الذي أودى بحياة سبعة عشر مواطنا وعشرات الجرحى بصعدة، ومقتل عدد من الحوثيين في قصف واشتباكات بآل عمار، وإصابة أربعة جنود بلغم، والجيش يقصف جبال مطرة بالصواريخ، والحوثيين ينفون وقوع إصابات في قصف اليوم، وقصف صاروخي لمطرة، والجيش يهاجم حوثيين في المهاذر، بعد قطعهم طريق صنعاء صعدة، ونقاط تفتيش للجيش وأخرى لأنصار الحوثي في مثلث الحرف والعمشية بسفيان عمران، واحتجاز طقم عسكري في جبل ردفان على إثر مواجهات سابقة، وأكثر من أربعين قتيلا من أتباع الحوثي وثمانية جنود بحسب مصادر إعلامية، والحوثي يتهم السلطة بالتحضير لشن حرب خامسة في صعدة ويؤكد استعدادهم لمواجهتها.
وفي 10/5/2008م مواجهات عنيفة بوادي شبارة، والطائرات تقصف مواقع للحوثيين بحرف سفيان، وعبد الملك الحوثي يتهم السلطة بالتآمر مع الأميركان لتصفيته، ويتهم الجيش بقصف جوي لمناطق آهلة بالسكان، بينما وزارة الدفاع تنفي القصف الجوي وتعلن، "ما زالت الفرصة سانحة أمام عناصر التمرد بصعدة لتنفيذ اتفاق الدوحة، وتحمّل عناصر التمرد مسئولية ما سيترتب عن تكرار خروقاتها"، ويعلن مصدر أمني عن تعطيل أربع عبوات ناسفة تزن 420 كغم في منطقة حوث بعمران على طريق صنعاء صعدة، ومنذ فجر 11/5/2008م الجيش يقصف مواقع في ضحيان، وسقوط عدد كبير من الضحايا، ومواجهات ضارية في حرف سفيان، والجيش يسيطر على مواقع للحوثيين، واللجنة الرئاسية الجديدة برئاسة حسين الأحمر تعلن انسحابها قبل أن تبدأ مهتمها في صعدة، والصليب الأحمر يعلن أن أكثر من مائة ألف مواطن قد تأثروا بشكل مباشر من أحداث صعدة، وأن الآلاف يعتمدون على المساعدات كمصدر رئيسي للدخل، وتعلن عن نزوح الآلاف خلال أقل من يومين من تجدد المواجهات بين المتمردين والجيش، ولا تزال فضيحة الهيلوكست السعودي لليمنيين في الأراضي السعودية تدوي في أرجاء البلاد دون أن تحرك الاجهزة الرسمية ساكنا، ربما لانشغالها بالمؤتمر القومي التاسع عشر الذي عقد بصنعاء!
وبعد كل هذه العناوين المختصرة التي لا تدل على أي نجاح داخلي، يفاجئنا خبر هو أسوأ من كل الأخبار التي سبقت، الأسوأ أن تنسى الحكومة اليمنية مشاكلها الداخلية، وتعلن أن وزير الخارجية في طريقه للقاهرة، وهو الذي لم يسترح بعد من عناء السفر، وعلاوة على ذلك تحمله مبادرة يمنية من خمسة بنود لإصلاح الوضع في لبنان، دون أن تهتم اليمن بتفسير بنود مبادرة إصلاح الأوضاع في فلسطين، وتركها لمبادرتها نهب تفسيرات المفسرين كما لو كانت أحاديث نبوية يختلف فيها الفقهاء..
إزاء ذلك يتساءل كثيرون، أليس في وقت صانعي مبادراتنا ما يمكنهم أن يخصصوا ولو جزءا بسيطا منه لعمل مبادرة من بند أو أكثر لإصلاح الأوضاع في اليمن، يحملها القربي لفخامة الأخ الرئيس.. ويتكفل بتفسيرها له أيضا؟
الحل هو الانتفاضة
http://www.kabar.ws/news-action-listnewsm-id-8.htm
Posted by: اخبار الحوادث | December 01, 2008 at 12:23 AM