الحقوق المدنية
عن ويكيبيديا - "الموسوعة الحرة"
الحقوق المدنية هي تلك الضروب من الحماية ومزايا الحرية الشخصية التي يمنحها القانون لجميع المواطنين. وتتميز الحقوق المدنية من "حقوق الإنسان" أو "الحقوق الطبيعية" بأنَّ الحقوق المدنية هي حقوق تمنحها الأمم لأولئك الذين يعيشون ضمن حدودها، في حين أنَّ الحقوق الطبيعية أو حقوق الإنسان هي حقوق يرى كثير من الباحثين أنّها ينبغي أن تعود على البشر جميعاً. وعلى سبيل المثال، فقد رأى الفيلسوف جون لوك (1632- 1704) أنَّ الحقوق الطبيعية في الحياة، والحرية، والتملّك ينبغي أن تحوَّل إلى حقوق مدنية وتُحْمَى من قبل الدولة ذات السيادة كجزء من العقد الاجتماعي. ورأى آخرون أنَّ البشر قد اكتسبوا حقوقاً غير قابلة للتصرف بمثابة هبة من الإله أو من الطبيعة قبل أن تتشكّل الحكومات.
ويمكن للقوانين التي تضمن الحقوق المدنية أن تكون مكتوبة، أو مستمدّة من العرف، أو ضمنية. ففي الولايات المتحدة ومعظم بلدان أوروبا القارية، غالباً جداً ما تكون الحقوق المدنية مكتوبة. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ترد القوانين التي تحمي الحقوق المدنية في الدستور (خاصةً التعديلين الثالث عشر والرابع عشر)، وفي القوانين الفيدرالية، ودساتير الولايات وقوانينها، وحتى في مراسيم المقاطعات والمدن. وفي المملكة المتحدة، من جهة أخرى، غالباً ما يمنح العرف مثل هذه الحقوق ولا ترد في القانون المكتوب. أمّا الحقوق "الضمنية" فهي تلك الحقوق التي يمكن أن ترى محكمة أنها موجودة حتى لو لم تكن مضمونةً على نحوٍ صريح من قبل قانون مكتوب أو عرف، انطلاقاً من أن الحق المكتوب أو العرفي لا بدّ أن ينطوي بالضرورة على الحقّ الضمني. ومن الأمثلة الشهيرة (والخلافية) على حقّ ضمني مستمدّ من دستور الولايات المتحدة هو "حقّ الخصوصية"، الذي رأت المحكمة العليا في الولايات المتحدة أنه موجود في قضية غريزوولد ضدّ كونيكتيكت عام 1965. كما وجدت المحكمة في قضية رو ضدّ ويد عام 1973 أنَّ التشريعات التي تحرّم الإجهاض أو تحدّ منه تنتهك هذا الحقّ في الخصوصية.
ويمكن لحكومات الولايات أن توسّع الحقوق المدنية أبعد من دستور الولايات المتحدة، لكنها لا تستطيع أن تحدّ من الحقوق الدستورية. وعلى سبيل المثال، فإن بعض المدن الأميركية جعلت من غير المشروع التمييز ضد الأشخاص تبعاً لتوجههم الجنسي، وبذلك وسّعت من حقوق المثليين المدنية؛ غير أنَّ المدن التي أقامت مدارس تميّز بين التلاميذ تبعاً للعرق تعرّضت لأوامر قضائية أصدرتها المحاكم الفيدرالية. وغالباً ما تمنح الولايات حقوقاً مدنية تزيد على ما يمنحه القانون الفيدرالي، مثل المادة 21 في دستور ميريلاند، والتي تقضي بإجماع هيئة المحلفين لدى إدانة شخص ما بارتكاب جريمة.
وتشتمل أمثلة الحقوق والحريات المدنية على حقّ التعويض لدى التعرّض لأذية من قِبل آخرين، وحقّ الخصوصية، وحق الاحتجاج السلمي، وحق الاستجواب العادل والمحاكمة العادلة لدى الاتهام بجرم، وحقوقاً دستورية أعمّ مثل حقّ الاقتراع، وحقّ الحرية الشخصية، وحقّ حرية التنقل، والقوانين المناهضة للتمييز. ومع نشوء الحضارات وصياغتها في دساتير مكتوبة، كان أن مُنِحَ المواطنون بعضاً من الحقوق المدنية الأشدّ أهمية. وحين وُجِدَ لاحقاً أنَّ هذه المنح ليست كافية، ظهرت حركات الحقوق المدنية كحامل للمطالبة بمزيد من الحماية المتساوية لجميع المواطنين وبقوانين جديدة تحدّ من آثار ضروب التمييز الحالية.
ويمكن للحقوق المدنية أن تشير بمعنىً ما إلى معاملة المواطنين معاملة متكافئة بصرف النظر عن العرق، والجنس، والطبقة. كما يمكن أن تشير إلى القوانين التي تثير دعاوى الحرية الإيجابية. ومن الأمثلة على الحالة الأولى القرار الذي توصلّت إليه المحكمة في قضية براون ضد مجلس التعليم في العام 1954، والذي عُنِيَ بدستورية القوانين التي تفرض العزل والفصل في الأجهزة التعليمية لبعض الولايات الأميركية. وتفسّر النظريات الواردة أدناه لماذا لا ينبغي أن تُعْتَبَر مثل هذه القوانين شرعية، لكنها لا تفسر لماذا أخفقت هذه القضية في أن تعلن المبدأ العام الذي مفاده أن كلّ مظاهر العزل أو الفصل تمثّل انتهاكاً للحقوق المدنية (ومن الأنسب أن تُعْتَبر مسألة سياسية). ولقد تناولت السلطة التشريعية الأميركية لاحقاً هذه القضية من خلال "قانون الحقوق المدنية للعام 1964 القسم 201" الذي ينصّ على أنَّ: (أ) لجميع الأشخاص الحقّ في أن يتمتعوا تمتعاً كاملاً ومتكافئاً بخيرات، وخدمات، ومرافق، ومزايا، وتسهيلات أي مكان من أماكن الإقامة العامة، كما يعرّفها هذا القسم، دون تمييز أو عزل على أساس العرق أو اللون أو الدين أو الأصل القومي. ولقد سنّت بعض البلدان الأخرى تشريعاً مماثلاً، أو فعّلت تفعيلاً مباشراً معاهدات واتفاقيات دولية مثل "المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان" (التي وقّع عليها 45 بلداً)، وتشتمل على كلٍّ من حقوق الإنسان والحريات المدنية.

Comments