عن ويكيبيديا – " الموسوعة الحرة"
"الحقوق الفردية" مصطلح أخلاقي وقانوني يشير إلى ما يُسْمَح للفرد بأن يعمله وما يُسْمَح بأن يُعْمّل للفرد. وعادةً ما تُعْتَبَر الدول البوليسية قمعية بسبب تلك القلّة القليلة من الحقوق الفردية التي تتيحها لمواطنيها. وتحتلّ الحقوق الفردية مكانة مركزية في "نموذج المعاملة المستحقّة" في القضاء الجنائي.
وعادة ما يفترض الخطاب الغربي أنَّ الحقوق الفردية مرتبطة بالضبط الاجتماعي ذلك الارتباط ذو الاتجاهين. وبالمقابل، فإنَّ قسطاً كبيراً من الخطاب السياسي الحديث الذي يتناول الحقوق الفردية في جمهورية الصين الشعبية، خاصةً ما يتعلق باحترام حقوق المعاملة المُسْتَحَقَّة وسيادة القانون، يتركَّز على الكيفية التي يمكن بها لحماية حقوق الأفراد أن تجعل الضبط الاجتماعي الذي تمارسه الحكومة أشدّ فاعلية. ومما يُقال، مثلاً، إنّ احتمال خرق القانون من قبل أفراد الشعب يقلّ إذا ما كانت لدى هؤلاء القناعة بأنّ المنظومة القانونية يمكن أن تنزل بهم العقاب إذا ما خرقوا القانون بالفعل وبأنها لن تعاقبهم إِنْ لم يرتكبوا مثل هذا الخرق. وبالمقابل، إذا ما كانت المنظومة القانونية اعتباطية فإن الفرد لن يجد ما يحفزه إلى اتّباع القوانين ذلك الاتّباع الفعلي.
ومن يرون أن الحقوق الفردية أهمّ من الضبط الاجتماعي يُدْعون "المدافعين عن الحقوق الفردية". وهذه مدرسة فكرية ترى أنَّ إطلاق سراح مجرم أفضل من إعدام شخص بريء، أو اعتقاله، أو معاقبته. وينزع هؤلاء إلى الدفاع عن زيادة الحقوق المدنية. وعادة ما يُقْرَن هذا الاتجاه بالليبرالية.
ولا تكون الحقوق مهمّة إلا حين توجد الواجبات والمسؤوليات المتّسقة معها لكي تعززها وتساندها. ولأنّ البشر ينبغي أن يُحَفَّزوا على الاضطلاع بواجباتهم وما يرتبط بها من مخاطر (مثل مقاومة الاعتقال، والردّ العنيف)، فإن هذه الحقوق لا يمكن تعزيزها بحقّ إلا من قبل حكومة يمكن لها أن تجمع الضرائب وتدفع للشرطة ورجال المحاكم.
هكذا يكون تحديد الحقوق الفردية جوهر المسؤولية التي تضطلع بها أية حكومة حديثة. ففي الولايات المتحدة، يورد الدستور الحقوق الفردية ضمن وثيقة الحقوق. وفي كندا، يقوم ميثاق الحقوق والحريات الكندي بالشيء ذاته. ويتمثّل أحد الفروق المهمة بين هاتين الوثيقتين في أنَّ الميثاق الكنديّ يمكّن الحكومات من أن تُبْطِل بعض الحقوق وتلغيها عامدةً، ذلك أنَّ "التوازن بين الحقوق الفردية والحقوق الاجتماعية يبقى أمراً ملائماً في مجتمع حر وديمقراطي". والحال، انّه لم تختر أية حكومة كندية قط أن تتحمّل التّبعات السياسية التي يمكن أن تترتب على إلغاء الميثاق. وبالمقابل، فإنَّ مثل هذا الإلغاء غير موجود في الولايات المتحدة (حتى نظرياً، كما هو الحال في كندا)، والفيصل في تفسير وثيقة الحقوق هو القضاء.
ولقد عمل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، 1948، والإعلانات اللاحقة، على ترسيخ الحقوق الفردية، نظرياً، بوصفها أساساً للمعايير القانونية الدولية. ويمكن تقسيم الحقوق الفردية إلى حقوق سلبية (ما يمكن لك أن تفعله دون قسر من الآخرين أو من الحكومة، مثل حرية الكلام) وحقوق إيجابية (ما يخوِّلك المجتمع أن تفعله، حتى لو تبيّن أنّه على حساب الآخرين، مثل حرية التعليم). وكان النظام الدستوري للحكومة الفيدرالية في الولايات المتحدة قد صُمِّم لحماية الحقوق السلبية في المقام الأول. وثمة دساتير أحدث، بما فيها دساتير في أوروبا الغربية وبعض دساتير الولايات الأميركية، تشتمل على الحقوق الإيجابية أيضاً.
ويمكن للتمييز بين الحقوق السلبية والحقوق الإيجابية أن يلقي الضوء على الاختلافات بين الإيديولوجيات السياسية. وعلى سبيل المثال، فإنَّ كثيراً من أنصار الإيديولوجيات الليبرتارية والمحافظة يعتقدون أن الدور الرئيس للحكومة يتمثّل في حماية الحقوق السلبية، وأنَّ الازدهار الذي يُتوَقَّع أن تحدثه الحقوق الإيجابية إنما ينبع من القيود التي تُفْرَض على السيطرة الحكومية. وبالمقابل، فإن الإيديولوجيات ذات الميل اليساري تلحّ على الحقوق الإيجابية، على الأقل بقدر ما تلحّ على الحقوق السلبية، وترى أنَّ كليهما ضروري في المجتمع الحرّ والمزدهر.
ويشكّك كثير من المفكّرين بصحة التمييز بين الحقوق السلبية والإيجابية، ولا يرون فيه سوى مسألة دلالية صرفاً. حيث يمكن القول إنَّ أيّ حقّ سلبي ينطوي على تخويل بالحماية ضد شكل من أشكال الإساءة، وهذا ما يجعله "إيجابياً" مثل أيّ حقّ إيجابي. ويعارض آخرون القول بأنّ ممارسة الحقوق السلبية لا تتطلب أيّ فعل من قِبَل الآخرين أو من قِبَل الحكومة (وعلى سبيل المثال، فإنَّ من الممكن لك أن تتصوّر ممارسة حرية الكلام دون أن يفعل أحد ما آخر أي شيء لمساعدتك على ذلك، في حين أنّ حرية الرعاية الصحية لا يمكن أن تقوم دون أفعال الآخرين).
وتعكس وثائق مثل "الشرعة الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية" و"الشرعة الدولية لحقوق الطفل" وجهة نظر "الحقوق الإيجابية". كما يعكس النزاع بين الأمم الغربية وجمهورية الصين الشعبية على "قضايا حقوق الإنسان" اختلافات مثل هذه الاختلافات: فالصين تهدف إلى تحقيق الإسكان والتعليم شبه الشاملين، على الرغم من غياب "الحقوق السلبية" التي يمكن أن تحدّ من سلطة الحكومة.
وترتبط فكرة الحقوق الفردية ذلك الارتباط الوثيق بفكرة الرأسمال الفردي في بعض نظريات الاقتصاد السياسي التي ترى أن الفرد يحسّن من قدراته الإبداعية (بوصفها معاكسةً للقدرات الإنتاجية القابلة للقياس، أو ما يُدعى بالرأسمال الإنساني)، وينبغي أن يظلَّ حرّاً في أن يفعل ذلك بالطريقة التي يراها ملائمة. وأبرز المدافعين عن هذه المقاربة، التي تدعى "التطور بوصفه حرية"، هو الاقتصادي أمارتيا سن. وتبعاً لوجهة النظر هذه، فإنّ للحقوق الفردية غاية اقتصادية تتمثّل في تمكين كلّ فرد من أن يصل إلى الحدّ الأمثل بقدرته على تقديم مساهمة فريدة لا يستطيع الآخرون أن يقدموها.
أما نظرية التطور الإنساني التي ظهرت مؤخّراً فتجمع بين وجهة النظر هذه والاقتصاد البيئي الصارم ووسائل قياس الرفاهية. وتلعب الحقوق الفردية مثل "التحرر من السموم" أو "حرية البستنة"، مثل زراعة القنب، دوراً مركزياً في معظم هذه النظريات، وقد تمّ تبنيها بالفعل في بعض البلدان، مثل كندا، حيث يعترف للفرد بحقّه في زراعة النباتات المحلية بصرف النظر عن أي ضبط اجتماعي، كجزء من "حقّ حرية التعبير" و"حرية الضمير" القائمين.
ولقد عمل المحافظون، في بعض الأحيان، على تبني مصطلح "الحقوق الفردية" في مسعى للحفاظ على علاقات القوة القائمة. فهذه الجماعات تنظر إلى "الحقوق الفردية" على أنها تتعارض مباشرة مع حقوق الجماعات المضطهدة مثل النساء، والملونين، والفقراء، وأعضاء مختلف الجماعات الثقافية من الأقليات.
Recent Comments