هل الإعلام العربي حرّ حقاً؟
رمزي بارود
لندن – أصدر وزراء إعلام دول جامعة الدول العربية في 12 شباط/فبراير 2008 بياناً يضع خطوطاً عريضة "قاسية" للقنوات العربية الفضائية. وقد بينت هذه الخطوط الجديدة بالذات بث التقارير السلبية المتعلقة برؤساء الدول والشخصيات الدينية أو الوطنية.
في الأيام التي تلت قامت حملة ضخمة تشجب البيان، يقودها هؤلاء الذين شعروا بأن السياسة الجديدة تستهدفهم، وانضمت إليهم منظمات حقوق مختلفة. كان البيان غير عادل، حسب وجهة نظرهم، لأنه كان سياسي الطابع إلى درجة بعيدة، ويهدف إلى حماية الأفراد والمؤسسات التي تسببت بالعديد من المشاكل والمعاناة التي تعاني منها المجتمعات والحكومات العربية، من الانتقاد. كانوا بالطبع على حق.
كيف يمكن للإعلام في العالم العربي أن يحقق واجباته كمنبر يمكن للمجتمع المدني من خلاله أن يعمل على مراقبة الدولة ويحمّل المسؤولية للذين ينحرفون عن مبادئ القوانين الاجتماعية والسياسية ذات العلاقة، ضمن هذه "الإرشادات"؟
ورغم أن دولتين فقط رفضتا التوقيع، هما لبنان وقطر، أعرب العديد من المفكرين والصحفيين ودعاة حقوق الإنسان عن احتجاجاتهم. وقد صرح عبد الرحمن الراشد المدير العام لقناة العربية الفضائية ومركزها دبي، لموقع Media Line بأن إرشادات الوزراء العرب كانت غير فاعلة إلى درجة بعيدة ولن تقف حائلاً أمام نشر المعلومات والأخبار.
أثارت القضية بالطبع اهتماماً واسع النطاق في الغرب، إذ إن العرب انخرطوا مرة أخرى في صراع مع قضايا تتعلق بحرية التعبير، وهي إحدى القيم التي يفترض أن إدارات أميركية متعاقبة طالبت بها ودعمتها.
ما رسم ليظهر بمظهر نزاع كلاسيكي بين الحكومات الفاسدة وقاعدتها الانتخابية المستاءة، والذي تجاهد فيه الحكومات لكبت حرية تعبير القاعدة الانتخابية، شيء ملتوٍ بشكل أكثر تعقيداً. ليس الأمر أن النخب الفاسدة لا تكافح فعلاً لكبح جماح التمرد، أو أن الجماهير التي تعاني من الكبت لا تقاوم بقوة وشراسة. الواقع أن هذه العلاقة هي التي تشكل عملية الدفع والشدّ التي أصبحت تحدد الإعلام العربي بالدرجة الأولى. ولكن من الذي قرر أن المحطات الفضائية العربية أو غيرها من وسائط الإعلام العربية، تمثل مصالح الجماهير العربية أو قامت بتحسين الوضع الاجتماعي للشعب العربي، بأي أسلوب قابل للقياس، خاصة بالنسبة للطبقات الفقيرة والمهمّشة؟
منذ ظهور محطة الجزيرة عام 1996 تشكَّل أمر أساسي في عالم الإعلام العربي. لقد سمعنا هذا الحوار مرات عديدة ولأسباب جيدة.
لم تكن الجزيرة المنبر الإعلامي الوحيد الذي سمح بالتعبير عن وجهات النظر الممنوعة وقام بمراقبة ومنع وجهات نظر أخرى. هاجمت محطة صوت العرب المصرية أثناء حكم جمال عبد الناصر على سبيل المثال الأنظمة العربية الرجعية يميناً ويساراً، وكان لها جمهور واسع كذلك بين الجماهير العربية من الخليج إلى المحيط وما وراءهما. لقد تقدمت تكنولوجيا الإعلام إلى درجة كبيرة منذ ذلك الوقت. لا تمتلىء الجزيرة بنفس القدر من اللغو العربي، وهي أكثر سرّية من حيث توجهاتها السياسية، كما يتجاهل الكثيرون حقيقة أن الجزيرة تمتنع عن القيام بأي نقد جاد لدولة قطر وهي أكثر صراحة في استهداف دول عربية محددة، والسبب، بصراحة، هو أن عالم السياسة القطرية لا يحمل وزناً كبيراً في المخطط الشامل للأمور.
منذ ذلك الوقت برزت محطات عديدة تقلّد الجزيرة في أنحاء الدول العربية. فتحت محطات فضائية ذات أجندات سياسية أو بدونها وخرجت عن السيطرة وأصبح عددها يربو على الخمسمائة محطة. وقد رافق ذلك ظهور واسع النطاق للصحف والمجلات اللمّاعة يقدم معظمها شبه اللاشيء من حيث قيمة المضمون. كانت تلك ثورة إعلامية افتقرت إلى المادة الحقيقية وبالتالي لم يكن لها تأثير كبير على الوعي الذاتي الجماعي لاحتياجات الشعوب العربية أو الأفراد من إثبات الذات في أوقات التحول العالمي الكبير.
يمكن لتلك المحطات التي تحافظ على علاقات جيدة مع السلطات الرسمية أن تحصل على ترخيص بكل سهولة، لذا يجري الترحيب بمحطة تلفزة جديدة أو صحيفة يومية بسهولة ضمن المجموعة. أما تلك التي ليست على علاقات جيدة فيتوجب عليها مجرد الانتقال إلى لندن أو غيرها، ويفضل أن تكون عاصمة عربية معادية، ومن ثم استئناف "رسالتها" الإعلامية. بالطبع، تتوفر الأموال لهذه النشاطات، بشروط هي إما التوقف عن مهاجمة كينونات معينة والحصول بالمقابل على حرية تصنيف وانتقاد غيرها، أو البقاء بعيداً عن السياسة بشكل كامل.
لا يشكل المضمون مشكلة، بوجود مضمون أميركي رخيص من البرامج التلفزيونية ومثيلاتها المقلِّدة العربية. نوعية المضمون هي المشكلة. التظاهر بأن هذه البرامج ذات النوعية المتدنيّة، لم تترك أثاراً وندوباً سيئة وعميقة على المجتمعات العربية وهوياتها الثقافية والمجتمعية هو تحدٍ للواقع والحقيقة، ولكن هذا أمر له مجال مختلف في النقاش.
واقع الأمر هو أن الإعلام العربي سياسي إلى درجة بعيدة، مع توجهات وانتماءات وأولويات سياسية ودينية ووطنية بل وحتى قبلية. ورغم أن بعض وسائط الإعلام نتج عنها أذى أقل من غيرها إلا أن أياً منها لا يشكل استثناءً غير ملطخ.
يمكن فهم بيان الوزراء العرب على أنه نداء لعقد هدنة بين مختلف الحكومات العربية: حافظ على صحفييك بعيداً عن مهاجمتي وسأبعد صحفيي عنك. ليس الأمر نداءً لكبت المجتمع المدني أو خنق التعبير الحر، فالمجتمع المدني مكبوت إلى درجة بعيدة، ولم تكن هناك حرية رأي في يوم من الأيام.
بقيت نقطتان اثنتان:
أولهما أن السيطرة على الإعلام في الغرب تعاني من الأمراض نفسها، فهي نفسها مملوكة من قبل شركات ضخمة تسمسر لسلطاتها الرسمية الخاصة بكل منها، حيث تشكل الولايات المتحدة المثال الأبرز.
وثانياً، أن الإعلام المستقل حقاً الخالي تماماً من نزوات الأفراد أو هؤلاء الذين يمسكون بتقاليد القوى المضاعفة للأموال والسياسة غير ممكن إلا نظرياً. ما يرنو المجتمع المعني لتحقيقه عادة هو وسائط إعلامية أقل تحيزاً وأقل سيطرة واستبداداً وتمثل أكبر عدد ممكن من الناس. وهذا لا يمكن تحقيقه إلا من خلال كفاح جماعي وتنظيم وضغط باستخدام منابر محليّة المنشأ مقارنة بأخرى مستوردة.
ما ينظمه المجتمع المدني ويرفع صوته عالياً به، لا يمكن أن يسكته لا بيان من قبل حفنة من الوزراء ولا مرسوم من قبل حاكم مستبد.
###
رمزي بارود كاتب ومؤلف ومحرر فلسطيني أميركي من PalestineChronicle.com. آخر كتاب له هو "الانتفاضة الفلسطينية الثانية: قصة نضال شعب" (مطبعة بلوتو، لندن). أنظر www.ramzybaroud.net.
.
.
تقوم خدمة Common Ground بتوزيع هذا المقال.
مصدر المقال: Middle East Online، 7 أيار/مايو 2008، تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
Comments