سيزار شلالا
نيويورك – تضع التسوية التي تم التوصل إليها في الدوحة الأسبوع الماضي بين الفصائل المتحاربة في لبنان نهاية لأزمة استمرت ثمانية عشر شهراً، وتنعش الأمل بمستقبل مستقر لتلك الدولة المحاصرة. كما أنها قد تحقق حلم والدي لذلك البلد، وتثير حركة أوسع للسلام في المنطقة.
هاجر أبي في عشرينات القرن الماضي من لبنان إلى الأرجنتين، ولكنه لم يتوقف يوماً واحداً عن التفكير أو الحلم ببلده المحبوب. كان رجلاً ذا اهتمامات ثقافية واسعة، ولكن النكسات الاقتصادية في وطنه الجديد تركته في وضع متقلقل، وقد أثرت على صحته، فتوفي عام 1971، وهو صغير السن نسبياً ولم يحقق أحلامه في العودة إلى بلده الأصلي لبنان ولو في زيارة.
كان والدي قد هاجر إلى توكومان، وهي بلدة في شمالي الأرجنتين يسكنها العديد من العرب واليهود. حاول هناك تحقيق التزامه بتشجيع الثقافة والسلام، فأسس مع مجموعة من أصدقائه منتدى جبران خليل جبران الثقافي، الذي سمي تيمناً بالكاتب اللبناني الشهير. في خمسينات القرن الماضي وبداية ستيناته حاضر كتّاب ذوو شهرة ذائعة في كافة أنحاء أمريكا اللاتينية في المنتدى حول مجموعة واسعة من المواضيع، أتت بالمئات من الناس إلى "المجتمع السوري واللبناني" حيث يوجد مركز المنتدى.
ولدهشة الجميع، تمكن والدي نتيجة لإيمانه الراسخ بتلك المنظمة من الحصول على إذن للسماح لمهنيين يهود وطلاب حضور المحاضرات. ما قد يبدو للوهلة الأولى أنه عمل بسيط كان في الواقع إنجاز كبيراً. حيث أن تلك كانت المرة الأولى في تاريخ المجتمع المحافظ الذي يتم فيه الترحيب باليهود. ما زالت ذكريات الحوار الفكري النشط الذي أوجدته تلك المحاضرات قائمة في الأذهان حتى اليوم، بعد مرور عدة عقود من توقف منتدى جبران عن نشاطاته.
إيمان والدي بالتعايش السلمي بين العرب واليهود كان ظاهراً حتى في حياته الشخصية، يتنقل بسهولة مماثلة بين الجاليتين ويشكل جسراً من التفاهم والتواصل بينهما.
وقد تكون من بين الذكريات الباقية بإصرار من طفولتي فخر والدي عند حديث عن مدى مسالمة الشعب اللبناني، الذي كان يعيش معاً بتناغم رغم دياناته ومعتقداته السياسية المختلفة. وأنا سعيد أنه توفي قبل بدء تلك الحرب الضروس تدميرها لبلده، وقد أذكت نارها أحياناً تدخلات خارجية. لو أنه رأى ذلك لمات بالتأكيد وهو كسير الفؤاد.
يجب ألا تتوقف اتفاقية الدوحة الأخيرة بين الأطراف اللبنانية، والتي لم يخرج منها منتصر أو مهزوم، عند ذلك الحد، يجب أن تخدم كمحرك لفكرة أن السلام ممكن بالتأكيد ليس فقط في لبنان وإنما كذلك بين إسرائيل والدول العربية. يجب أن تكون هذه الاتفاقية، وكذلك المحادثات الأخيرة بين سوريا وإسرائيل والتي تتوسط تركيا فيها جزءاً من حركة أوسع وأقوى نحو السلام في المنطقة.
يجب إيجاد قوة اندفاع للسلام في المنطقة الآن، بنفس التصميم الذي شنت فيه الحرب دون انقطاع تقريباً في المنطقة، فذلك سوف يبجّل موت هؤلاء الذين فقدوا حياتهم في الحرب، ويعيد إنشاء التناغم الذي يكرم التقليد الذي كرسه والدي لبلده.
###
سيزار شلالا كاتب في مجال حقوق الإنسان والشؤون الخارجية، وفائز مشارك بجائزة نادي صحافة أمريكا وراء البحار.
.
.
كُتِب هذا المقال خصيصاً لخدمةCommon Ground الإخبارية.
مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية، 27 أيار/مايو 2008، تم الحصول على حق نشر هذا المقال.
Comments