الحاخام مايكل كوهن
هاريزبرغ، بنسلفانيا – تأتي العديد من التحديات تحت عنوان السيادة الوطنية، أهمها استخدام القوة في كيفية تحديد الوطن لنفسه.
كان أحد أسباب وجود الحركة الصهيونية إعادة إدخال القوة اليهودية في تعابير التاريخ العالمي. تأثرت الصهيونية، مثلها مثل العروبة والقومية العربية بأفكار أواخر القرن الثامن عشر بالديمقراطية والحرية التي جرى الترويج لها في الثورتين الأميركية والفرنسية. كما ساعدت رومانسية بداية القرن الثامن عشر والوطنية الحديثة لمنتصف القرن التاسع عشر على تطوير هاتين القوميتين المتوازيتين في الشرق الأوسط.
وقد جرى ضمن ذلك نسج التفكير الصهيوني ومفاده أن ألفي عام من ضياع الشعب اليهودي دون دولة وبالتالي فاقد للقوة لم يعد مقبولاً. حملت الطقوس والشعائر الدينية اليهودية رنوّ اليهودي إلى العودة إلى صهيون منذ نهاية السيادة اليهودية على أرض إسرائيل بعد ثورة بار كوشبا في العام 135 بعد الميلاد وقيام الرومان بتغيير اسم إسرائيل إلى فلسطين في محاولة لقطع الصلات اليهودية مع الأرض.
أعادت عملية ترسيخ تلك السيادة قبل 60 سنة وبعد الدمار الكارثي لثلث السكان اليهود في العالم على أيدي النازيين والمتعاونين معهم، أعادت تشكيل سيادة السلطة اليهودية في دولة إسرائيل. سمحت تلك السلطة اليهودية لإسرائيل أن تربح حرب الاستقلال التي بدأت فور إعلان ديفيد بن غوريون استقلال إسرائيل في 14 أيار/مايو 1948.
وينص الطرح الصهيوني أن استخدام إسرائيل للقوة قد حدّت منه دائماً الأخلاقيات الإسرائيلية العالية، حتى بعد أن تعقدت بفعل ضباب الحرب. هناك العديد من القصص حول موت العديد من الجنوب الإسرائيليين لأنهم اتبعوا تلك الأخلاقيات الجوهرية اليهودية في الوقت الذي كان من الأسهل والآمن فيه القيام بغير ذلك. إلا أن هذا لا يصرح للقوة اليهودية أن يساء استخدامها من قبل إسرائيل.
إضافة إلى ذلك، وبعد مرور ألفي سنة من انعدام الدولة والسلطة، وبعد معاناة نتائج ذلك الواقع، وبعد العيش تحت تهديد متواصل وواقع الهجمات، ينزع اليهود الإسرائيليون لأن يظنوا أن القوة هي الرد المناسب.
إلا أن هناك جزءا مثيرا للاهتمام في التلمود يحذر ضد هذا التوجه. يصف موسى في سفر التثنية(17:10) الله تعالى أنه "الإله العظيم المهيب الجبار". ويسجل التلمود (يوما 69 ب) أن الأنبياء جيريميا ودانيال ونحميا جميعهم تبنوا واحدة من هذه المزايا عندما وصفوا الله تعالى في لحظات مختلفة بعد مرور قرون عديدة. في الحديث الذي تلا حول كيف يمكن أن يكونوا قد غيروا كلمات موسى، يقول التلمود إن الأنبياء لم يصفوا الله بكل هذه الأوصاف لأنهم لم يجربوا جميع هذه الميزات.
ويقول التلمود إن الله تعالى يفضل الحقيقة على ترديد الكلمات كالببغاء، وإنه في لحظات كهذه، أظهر الله فعلياً قوته وجبروته من خلال الامتناع عن استخدامهما. مثله مثل مدرب عظيم في تعاليم زن، يعلّم التلمود الحكمة والقوة في عدم استخدام القوة.
سوف يستعجل الإسرائيليون القول إنهم يفعلون ذلك بشكل متواصل. ورغم أنه صحيح أن إسرائيل لم تستخدم كامل ما باستطاعتها استخدامه فإن ذلك لا يبرئها من الحاجة لبحث استخدام قوتها والنتائج البعيدة والطويلة الأمد لقراراتها.
يشير المعلق الإسرائيلي نيخاما ليبوويتز في دروس شعائر خطة درس ذلك العيد اليهودي في الحرية وكتاب دراسته أن التوراة تذكّر الشعب اليهودي 36 مرة بأن "لا تظلموا غريباً لأنكم تعلمون شعور ذلك الغريب منذ كنتم غرباء في أرض مصر" (سفر الخروج 9:23) وهي تذكّرنا بأن هذه هي الوصية التي تتكرر أكبر عدد من المرات في التوراة. وهي تعلق من خلال تعليمنا: "لقد أُمرنا أن نضع أنفسنا في موقع الغريب من خلال تذكر كيف شعرنا عندما كنا غرباء في بلاد أخرى". ويبرز الرسول هنا مدى سرعة تسبب القوة بفساد الأمة، وخاصة مجموعة حرمت من القوة لفترة طويلة.
كان الداعية الصهيونية العظيم ألبرت أينشتاين قلق بشكل متواصل من هذه النزعة داخل الأمة الصهيونية، وخاصة عندما كان الأمر يتعلق بالأقلية العربية في إسرائيل. الواقع الواضح هو أنه ما لم تحسّن إسرائيل من كيفية علاقتها مع العرب فيها فسوف يستمر هؤلاء العرب بالتطرف، ولن نعود للنقاش حول خطوط عام 1967 وإنما حدود خطة التقسيم لعام 1947 مرة أخرى.
وفي التقاليد الشفهية اليهودية القديمة (بيساخيم 10:9) هناك جزء يتعامل مع عيد الفصح. نجد هناك نقاشا حول ماذا يحدث إذا أضاعت مجموعتان من الناس تقدماتهما المقدسة للعيد. تقوك كل منهما باختيار تقدمة فصحية ثم تقولان لبعضهما بعضاً. "إذا كانت هذه التقدمة الفصحية لنا تنسحبون من تقدمتكم، وتلتزمون معنا، وإذا كانت هذه التقدمة الفصحية لكم ننسحب من تقدمتنا ونلتزم معكم.
نكتشف هنا نموذجاً لمجموعتين من الناس تشتركان في شيء تعتبرانه مقدساً. حل الدولتين لا يتطلب من الطرفين التنازل عن أراضٍ يشعر كل منهما أنها ملك له فقط وليس للآخر. أعظم قوة واستخدام للقوة يحتاجه الإسرائيليون والفلسطينيون اليوم ليروه لبعضهما بعضاً هو عدم استخدام قوتهما. من خلال ذلك يسمحان للطرف الآخر أن يراهما بضوء مختلف. القدرة على تحقيق هذا التغيير الذي طال انتظاره من منظور الطرف الآخر هو أقرب أداة يملكها الفلسطينيون والإسرائيليون في ترسانتهما. وكلما أدرك الطرفان ذلك بصورة أسرع، نكون جميعنا بوضع أفضل.
###
الحاخام مايكل كوهين هو مدير المشاريع الخاصة في معهد عربة للدراسات البيئية، (www.friendsofawava.com) حيث يجري تدريب الزعماء البيئيين الإسرائيليين والعرب معاً.
.
.
تقوم خدمة Common Ground الإخبارية بتوزيع هذا المقال.
مصدر المقال: الجوردان تايمز Jordan Times، 19 أيار/مايو 2008، تم الحصول على حقوق نشر هذا المقال.
Comments