مارا رودمان
بيت لحم – بالنسبة لهؤلاء الذين طالما طالبوا بالتحسينات على قضايا التحرك والوصول، تثبت تجربة مؤتمر الاستثمار الفلسطيني للقدرات الإسرائيلية على الجانب الإيجابي من دفتر الحسابات. تبين أن مؤتمر الاستثمار الذي عقد في بيت لحم في 21 أيار/مايو هو المعلم الذي وعد منظموه أن يكون. وبالنسبة لهؤلاء الذين يدركون المصالح الفلسطينية الإسرائيلية الأميركية الإقليمية المتبادلة التي يخدمها إنشاء دولة فلسطينية عاملة مستدامة إلى جانب إسرائيل في أسرع وقت ممكن، كان الكوب نصف ممتلئ، فقد جمع المؤتمر مستثمرين محليين وإقليميين ودوليين، وأثبت القدرات المحتملة للتطور الاقتصادي والتعاون الأمني الضروريين للتقدم السياسي.
حضرت مؤتمر الأسبوع الماضي بمستوى منخفض من التوقعات. كان الأصدقاء والزملاء الفلسطسنيون والإسرائيليون قد حذروني لشهور مقدماً. كان رئيس الوزراء سلام فياض يصنع ذلك فقط لأن الأميركيين دفعوه، وبأن المؤتمر سوف يكون مخجلاً، وبأنه لن يلتئم في الوقت الصحيح. كان شرك الفشل قد نُصب له، حسب قول بعض الزملاء الفلسطينيين. حذرني آخرون من أن هؤلاء الذين أرادوا الحضور من دول عربية سوف يواجهون صعوبات جمّة في السفر والمعوقات في مطار بن غوريون أو جسر الملك حسين، المعبر الرئيسي من الأردن، وهي صعوبات ستتضاعف بسبب المضايقات من طرف جنود الجيش الإسرائيلي على الحواجز ونقاط التفتيش التي ستنتظرهم إذا سمح لهم بالدخول.
أحد الأمور الواضحة من شروط ومواصفات ما قبل المؤتمر هذا هو أن الإسرائيليين والفلسطينيين يشتركون في أمور أكثر بكثير مما يرغبون بالاعتراف به، بما في ذلك الحاجة لعزل أنفسهم عن الوقائع القاسية العديدة بطبقات متعددة من السخرية والتهكم.
بدا لي في البداية أن الصورة القاتمة التي رسمها الكثيرون مقدماً وقبل بدء المؤتمر لن تحصل عند وصولي إلى مطار بن غوريون. قابلني مستقبلون يحملون شاخصات كتب عليها "مرحبا بكم في مؤتمر الاستثمار الفلسطيني"، وتم تسريع معاملات قدومي بأدب واحترام، وأخذوا جواز سفري ورافقوني إلى سيارة التاكسي في الخارج. لم يجرِ استقبالي في السابق عندما كنت أعترف بأنني سأزور المناطق الفلسطينية بهذا الشكل الجيد في مطار تل أبيب.
علمت بعد ذلك أن أعداداً كبيرة من المشاركين قد سجلوا لحضور المؤتمر، يفوقون بالمئات الأعداد المتوقعة في الأصل. لاحظت ذلك مباشرة وأنا أجلس ضمن الحضور الذين امتلأت بهم القاعة وامتدوا باتجاه غرف مجاورة معدّة للأعداد الإضافية لحضور الجلسة الافتتاحية الشاملة، التي ضمت أكثر من مائة من رجال الأعمال من غزة وممثلين من المملكة العربية السعودية وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة، ضمن دول أخرى.
كُرست أجزاء كبيرة من جلسات العمل لمواضيع استثمارية بحتة، كبحث التمويل وتكنولوجيا المعلومات والتصنيع والبنية الأساسية وقطاعات الإنشاءات، ولكن المؤتمر لم يبتعد عن أو يتجاهل قضايا صعبة فريدة تخص المنطقة. وقد ضمت جلسة مكرسة لـ "إعادة تنشيط غزة" رئيس الوزراء سلام فياض مع وزير التخطيط سمير عبد الله. وركزت جلسة أخرى على "القدس الشرقية، احتمالات لم تجر الاستفادة منها".
على هوامش الجلسات الفرعية والشاملة أعلن قادة من القطاعين العام والخاص عن استثمارات والتزامات، برزت العديد منها بسبب أهدافها ومجالاتها وآثارها المحتملة إذا تم تنفيذها كما خطط لها. على سبيل المثال وقّعت إحدى كبار المؤسسات القطرية هي شركة ديار للاستثمارات العقارية القطرية ورجل الأعمال الفلسطيني في مجال العقارات بشار المصري اتفاقية لتمويل روابي، وهو مشروع إسكان جديد قليل الكلفة قرب رام الله. يتوقع أن يكلف المشروع 350 مليون دولار وأن يسكنه 25.000 نسمة، ويخلق عدداً كبيراً من فرص العمل في مجال الإنشاءات. كما يجري تطوير تسهيلات تمويلية لقروض إسكانية يمكن تحملها بشكل موازٍ لمواكبة احتياجات السوق.
وعلى مستوى أصغر، ولتحقيق متطلب حاسم هام للسوق، وافق مشروع التأمين على المخاطر الفلسطينية السياسية الذي أعمل فيه على توفير تأمين على المخاطرة السياسية يمكن تحمل كلفته لتغطية الأحداث التي تعيق التجارة وتضر بالموجودات، الناتجة عن العنف السياسي، وخاصة في مجال الأعمال الصغيرة. سوف يقوم المشروع بإنشاء خدمة يمولها رأس مال عام وخاص يضم شركة الاستثمارات الخاصة عبر البحار، وهي وكالة تابعة للحكومة الأميركية ومبادرة الشرق الأوسط للاستثمار وهي منظمة مستقلة غير ربحية تشكلت للمساعدة على إعادة تنشيط اقتصاديات المنطقة. تقوم شركة الاستثمارات الخاصة في البداية بالتشارك مع مبادرة الشرق الأوسط للاستثمار لإعادة تأمين شركة التأمين الوطنية وهي شركة تأمين فلسطينية محلية بمبلغ 5 ملايين دولار كتأمين ضد المخاطر السياسية توفره شركة التأمين الوطنية لمؤسسات الأعمال الصغيرة. يتوقع أن تنمو قدرات المشروع في نهاية المطاف إلى 20 مليون دينار.
اختلط النقاش والمحادثات الجانبية في جلسات المؤتمر بإشارات متوقعة للأعباء السياسية والاقتصادية المفروضة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، ابتداء من حرية تنقل ووصول البضائع والأفراد والترابطات بين هذه القضايا والمستوطنات والأمن. ولكن الفرق هو أن هذه الكلمات كانت تأتي من أناس حضروا إلى المؤتمر دون أن تخدش كرامتهم وبسهولة غير معهودة في هذه المنطقة.
اختتم المؤتمر بفرصة لحضور صلاة الجمعة في القدس وبرحلة في البلدة القديمة. بالنسبة للكثيرين الذين لا يستطيعون عادة دخول القدس بسهولة، لم يكن ذلك مجرد حافز بسيط للدخول.
كان التعاون الإسرائيلي الضروري لإنجاح هذا المؤتمر وانسياب هذا العدد الكبير من المشاركين من عدد كبير من الدول، مثيرا للإعجاب. من الواضح أن كبار زعماء إسرائيل أعطوا تعليماتهم بأن تسير الأمور بهذه السلاسة، وقد بذلت جهود كبيرة عبر سلسلة القيادة والإدارة. كان جميع الجنود على الحواجز ونقاط التفتيش على معابر بيت لحم، على سبيل المثال، من الضباط الذين يتكلمون الإنجليزية وليس العبرية فقط، وكان من السهل التعامل معهم، ومن الواضح أن الأوامر قد صدرت لهم بالتعامل مع جميع الضيوف الذاهبين إلى المؤتمر والعائدين منه باحترام ولطف. بالنسبة للعديد من الذي عبروا نقاط التفتيش والحواجز هذه في الماضي، لم تكن هذه التجربة هي العادة المتبعة. في الوقت نفسه أبدت قوات الأمن الفلسطينية مهارة والتزاماً ومهنية وهي تدير الجهود داخل بيت لحم وحولها. وقد بدا من البزات المختلفة أن خدمات أمنية مختلفة قد نشرت وأنه يجري تنسيق جهودها بشكل جيد، وهو مؤشر على تدريبها المحسَّن.
بالنسبة لهؤلاء الذين طالبوا منذ فترة بالتحسين في قضايا التنقل والوصول، تثبت تجربة مؤتمر فلسطين الاستثماري قدرات إسرائيل على الجانب الإيجابي من دفتر الحسابات. كما أنها تظهر مؤشرات كلها أمل حول ما تستطيع قوات الأمن الفلسطينية تحقيقه. بذل هذا النوع من الجهود على أسس مستدامة وعبر المناطق يشكل تحدياً مضاعفاً بشكل أسّي، ولكن عندما يعتبره القادة أولوية فإنه تحدٍ يمكن مواجهته.
ورغم أن مؤتمر بيت لحم قد تجاوز توقعات الكثيرين، إلا أن واقع النكسات والأحداث السلبية تدخل في لحظات حرجة، كما هو الحال عادة في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. في اليوم الثاني للمؤتمر قتل مفجر انتحاري نفسه على الجانب الغزي من معبر إريز، ولحسن الحظ أن أحداً آخر لم يمت، ولكن المعبر أُغلق أمام أكثر من مائة شخص حضروا المؤتمر وهم يحاولون العودة إلى غزة، وكان عليهم الانتظار حتى فتح المعبر قبل حصولهم على إذن من إسرائيل للعودة إلى بيوتهم. وقد شكل هذا الحدث تذكاراً بأن باستطاعة المجموعات المتطرفة أحياناً التخريب في اللحظات الحرجة، للضغط باتجاه تقدم اقتصادي وسياسي ملموس في الوقت نفسه.
يمثل مؤتمر الأسبوع الماضي للاستثمار الفلسطيني، بإعلاناته الرئيسية عن صفقات والتزامات، خطوات هامة قدماً في عملية بناء الاقتصاد الفلسطيني التي ستوفر أساساً قوياً للدولة. ومن الأهمية كذلك الالتزام الذي أظهرته الجهود المنسقة على الأرض من قبل الإسرائيليين والفلسطينيين، مع بعض الدعم الأميركي على الأرجح، التي توجب عليها نقل المشاركين إلى المؤتمر والسماح له بالاستمرار حتى يتسنى القيام بهذه الالتزامات. والآن يجب أن يستمر هذا الالتزام والتنسيق حتى يتسنى تنفيذ الاتفاقيات وأن يرى الإسرائيليون والفلسطينيون على حد سواء أن ذلك التقدم، الاقتصادي والسياسي، وفي القضايا اليومية، ممكن ومرغوب وضروري لجميع من لهم علاقة.
###
مارا رودمان زميلة كبيرة في معهد التقدم الأميركي ومستشارة في تقدم الشرق الأوسط.
.
.
كُتِب هذا المقال خصيصاً لخدمةCommon Ground الإخبارية. لا تعكس الآراء والتأكيدات في هذا المقال بالضرورة وجهات نظر معهد الشرق الأوسط، الذي لا يأخذ مواقف، وبشكل صريح واضح، حول سياسة الشرق الأوسط.
مصدر المقال: Middle East Progress، 27 أيار/مايو 2008، تم الحصول على حق نشر هذا المقال.
اخبار متميزة من مدونة متميزة واتمني إضافة المزيد
شكرا لكم
Posted by: اخبار | July 15, 2008 at 05:29 PM