هل الجمال حقّ وخير؟
الجزء الثاني: التجميل في لبنان
ندين اليوسف
شهد لبنان في الصيف الماضي، حربا قاسية، دمرت الكثير من معالمه وسببت لدى المواطنين صدمة نفسية "Post Traumatic Stress Disorder". ومن المعروف أن هذا الإضطراب النفسي يؤثر على قدرات الإتسان على التأقلم الإجتماعي ويخلق حالة من القلق اللحوح ويسبب عادات قهرية تنعكس على صورة الذات والإندماج الإجتماعي. وقد أظهرت معدلات تهافت المراهقين والراشدين على الدور الترفيهية، والنشاطات الإجتماعية إرتفاعا ملحوظا للنسب بعد انتهاء الحرب بوقت قليل. كما أن العيادات التجميلية، وإن غاب عنها الزوار الخليجيون، لم تخل من الرامين لتحسين المظهر العام، ولا سيما في المناطق الأكثر نكبة مثل الضاحية.
فهل عدّل اللبناني بسمات هذه الظاهرة النفسية وأضاف إليها "اللّبننة"، أم تحدى بعناده وحبه للحياة أي منطق وأي علم أو معقول؟
ليس غريبا أن لبنان يلعب الدور الابرز و المركز الأكثر جاذبية والأكثر تميزاً في العالم العربي في ميدان الجراحات التجميلية برقم لافت يبلغ 18.5 الف عملية تجميل سنويا، أي ما يوازي 35 في المائة من مجموع العمليات الجراحية المألوفة في معظم المستشفيات الخاصة. وساهمت بنحو 15 في المائة من مجموع السياحة في لبنان. وهذا التصدر عائد لعدة عوامل أساسية، أهمها:
.
v تقدم الطب في لبنان على كل المستويات وفي مجمل الاختصاصات قياسا بالدول المجاورة من حيث أنواع الإختصاصيين ومستواهم.
v الخدمات الطبية، والتجهيزات والمعدات الطبية، إضافة الى ما تقدمه خبرة ومتابعة الاطباء للمرض، خلال العملية وبعدها.
v متابعة الطبيب نفسه للتطورات العلمية والتقنية العالمية من خلال حضوره للمؤتمرات والندوات الطبية المخصصة في العالم.
v الخبرة المتوفرة لدى الإختصاصيين والمجموعة المرافقة من مساعدين وممرضين إلخ.
لكن المستغرب بالأمر، أن ظاهرة الإقبال على التجميل لم تتراجع كما كان متوقعاً، بل ظلّ لبنان يحتل المركز الـ 24 في العالم نسبة الى عدد السكان، وهذا وفقا لإحصاءات «Isaps» التي تحتسب حجم العمليات الجراحية في السنة قياسا لحجم السكان، حيث فاق المعدل السنوي لعمليات التجميل في لبنان أخيرا 18500 عملية، وهذا الرقم لا يشمل عمليات التجميل البسيطة التي تتم في عيادات الاطباء والتي لا يتم عادة التصريح عنها بالكامل.
وأدخلت حرب تموز ظاهرة جديدة في جراحات التجميل، لم تكن شائعة في السنوات التي سبقت، وهي ظاهرة "التقسيط". إذ لم تعد تكاليف الجراحات الباهظة الثمن تمنع متوسطي الحال من الإقدام عليها، بل صار الجميع يرود عالم التجميل، ويعتبرها من أساسيات الحياة لدرجة المطالبة بتقسيط الدفعات اللازمة.
فهل دفعت حرب تموز باللبنانيين إلى اضطراب جديد، أم حثّتهم على التمسك أكثر بالحياة بسطحيتها وأبعادها، أم أنه ولدت فلسفة جديدة، أجمع عليها الكثير دون التشاور والتحاكي، فلسفة تضاد الموت مع الجمال؟ فهل مواجهة الموت بالجمال أكثر فاعلية،أوهوداع باعث للإطمئنان؟
هذه الأسئلة الطارئة على علم طب التجميل، والتي يستحيل أن تطرح خارج حدود وطننا، تتطلب دراسة شاملة وعلمية من أصحاب الإختصاص. لكن التطرؤ للجراحات التجميلية، بأي ظرف كان، له تكاليفه ليست المادية فقط، بل المعنوية والدينية أيضا.
أما من ناحية التكاليف، فقد جبنا المستشفيات والعيادات التجميلية، وعدنا بهذه المعدلات المتوسطية عن تكاليف أكثر عمليات التجميل رواجاً:
تكلفة عملية تصغير الانف في حالة التخدير الموضعي /1500 دولار/ اما اذا كان التخدير كاملاً فتكلف زهاء /3000 دولار/.
تكلفة عملية ملء الشفاه/300 دولار/.
تكلفة شد الوجه/7000 دولار /.
تكاليف عملية تكبير الثدي/3000 دولار /.
عملية شفط الدهون/500 دولار /.
والفرق بين الجراحات التجميلية والجراحات البلاستكية، أن الأخيرة تعنى بالتشوهات الخلقية وبدورها تقسم إلى قسمين، الجراحة الترميمية والجراحة التقويمية.
إن الجراحة الإصلاحية تعنى عموما تصليح وضبط الآثار المتخلفة عن الجراحات عموما مثل الجراحة التي تجرى لإزالة الأورام (مثلا إزالة الثدي) أو الجراحات التجميلية الفاشلة وغيرها. أما الجراحة الترميمية فهي التي تعنى بتقويم التشوهات الخلقية مثل شفة الأرنب أو نقص تجويف الأنف أو عدم اكتمال نمو الدماغ...
بينما الجراحة التجميلية تجرى لتحسين ما هو طبيعي أصلا، بقصد التجميل نذكر منها جراحة شد الوجه والجسد عموما والتكبير والتصغير وغيرها.
وضوابط هذه العمليات كثيرة، كما سبق وذكرنا، منها ضوابط طبية وأخرى أخلاقية ونفسية وشرعية.
الضوابط الشرعية:
من الناحية الشرعية، فقد جاء في القرأن الكريم (قُل من حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق)،وهذا التحريم،ثمّ يعود وينفي الله –سبحانه وتعالى- هذا التحريم، فيقول: (قل إنما حرَّم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن)، وهذا تحليل.
وقد شرحت الدكتورة سعاد صالح في مقابلة أجرتها على إحدى القنوات الفضائية التحليل والتحريم في هذه المسألة كالتالي: "... بالنسبة لمسألة الجراحة التجميلية هي حلال إن كان هناك ضرورة والضرورة هي ما يتوقف عليها قوام البدن، وهناك رفع للضرر، وهذا الضرر قد يكون ضرراً نفسيا أو ضررا بدنيا، فإنه في ذلك الوقت تكون هذه العملية أو إجراء هذه العملية حلالاً. هناك مفهوم خاطئ عند الكثير من الناس أن مجرد الإقدام على هذه العملية، أيَّاً كانت البواعث لها، يُعد تغييراً لخلق الله، وهم يستندون في ذلك إلى قول الله تعالى في سورة "النساء" حينما يقول بشأن الشيطان: (إن يدعون من دونه إلا إناثاً وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً. لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضا. ولأضلنّهم ولأمنينّهم ولآمرنهم فليبتِّكنّ آذان الأنعام ولآمرنهم فَلَيُغيرُنّ خلق الله ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً)."
إذا إن مسألة التحريم والتحليل في هذه المسألة تعود لضرورة إجراء الجراحة أو لا. فإذا كان الهدف منها زيادة الحسن أو التشبه بإحدى الفنانات فهذا يُعد من باب التغيير غير المستحب، بل التغيير المحرم شرعاً. إذن حينما توصِّف هذه العملية ويتم تقنينها شرعاً لابد من النظر إلى البواعث وإلى الدوافع التي تحتم أو التي تجعلنا نُقدم على هذه العملية.
كما أضافت أن الدوافع النفسية من العوامل المهمة دراستها قبل التحريم والتحليل. فالإضطهاد النفسي الذي قد تعانيه السيدة من جراء بروز عيب في مظهرها مثل الأسنان البارزة، أو تعرض زواجها للخطر من جراء عيب في مظهرها يحلل لها إجراء جراحة تجميلية.
كما وردت فتوى للشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ـ رحمه الله ـ عن حكم إجراء هذه العمليات وحكم تعليم علم وجراحة التجميل فقال: التجميل نوعان:
النوع الأول: تجميل لإزالة العيب الناتج عن حادث أو غيره وهذا لا بأس به ولا حرج فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لرجل قطعت أنفه في الحرب أن يتخذ أنفاً من ذهب.
النوع الثاني: هو التجميل الزائد وهو ليس من أجل إزالة العيب؛ بل لزيادة الحسن، وهو محرم ولا يجوز؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم "لعن النامصة والمتنمصة والواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة" لما في ذلك من إحداث التجميل الكمالي الذي ليس لإزالة العيب.. أما الطالب الذي يُقرر علم جراحة التجميل ضمن مناهج دراسته فلا حرج عليه أن يتعلمه، ولكن لا ينفذه في الحالات المحرمة؛ بل ينصح من يطلب ذلك بتجنبه لأنه حرام، وربما لو جاءت النصيحة على لسان الطبيب كانت أوقع في أنفس الناس.
وتوجد فتوى للشيخ "عبدالله بن جبرين" ـ حفظه الله ـ عندما سئل عن عملية التجميل كأن يكون في وجه الإنسان تشوه فيجرى له إزالة أو يكون في أنفه طول زائد أو اعوجاج فتجرى له عملية تعديل، وهل يدخل هذا في تغيير خلق الله؟ فأجاب فضيلته بالتالي:
لاشك أن الجمال مباح أو مستحب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله جميل يحب الجمال" فمتى كان ممكناً تجميل البدن بلباس أو اكتحال أو ادهان أو اغتسال وتنظيف فإن ذلك مندوب، كما جاء الشرع بسنية خصال الفطرة كقص الشارب، وتقليم الأظافر... إلخ.
ولعل ما ذكر من هذه العمليات داخل في المباح وإن لم يذكره الفقهاء؛ فقد تقدم الطب وعرف الأطباء ما لم يكن معروفاً في السابق؛ كإجراء عمليات في الجوف وشق البطن، وزرع بعض الأعضاء، كالكبد والكلية ونحوها..
وتركيب الأسنان وتحسين الوجه أو الأنف داخل في الجائز إذا لم يترتب عليه ضرر، فلا يدخل في وعيد النامصة والواشمة والواشرة والمتفلجات للحسن؛ لما في هذه الأشياء من الغش وإظهار خلاف الأصل بحيث يُظن بها الشباب والفتوة، ولأن هذه الأفعال غير ثابتة وتحتاج دائماً إلى تجديد بخلاف عملية التحسين للأنف ونحوه، والله أعلم.
إن موضوع الضوابط النفسية في الجراحات التجميلية هو بحد ذاته موضوع واسع ومستقل، وذلك لأهمية ما يطرح من مسائل هامة، نعدد منها الدوافع الكامنة في الإقبال على إجرائها ، سمات الشخص المرشح لإجرائها، سمات الشخص المستبعد عن إجرائها، سبل التمهيد للجراحة من مقابلات ودعم نفسي وغيره، الدعم خلال الجراحة وفترة النقاهة التي تلحق العملية من أهمية البيئة المحيطة والدعم النفسي خلال فترة التغير في الشكل وغيرها من نقاط في غاية الأهمية، والتي للأسف غائبة عن هذا الحقل في لبنان.
إن علاقة الجراحات البلاستكية على أنواعها بصورة الذات موضوع بديهي. هذه العلاقة التفاعلية عليها يقع عاتق تحديد إذا ما كان الشخص مناسبا لإجراء الجراحة أو عدم إجرائها
ماهي صورة الذات أو "the self image"؟ هي إدراكنا للصورة التي يراها الأخرون عنا. فالاشخاص الراضون عن صورة ذاتهم هم الاشخاص الواثقون من نفسهم، والمتمتعون بحياة إجتماعية وعملية ناجحة. أما الأشخاص غير الراضين عن صورتهم الذاتية فتكون ثقتهم بذاتهم متذبذبة، وتقل فاعليتهم على المستوى العلائقي والعملي.
الجراحة التجميلية تحسن هذه الصورة عن الذات، إذ أن التغيير الخارجي يحفز التغيير الداخلي، ويفسح المجال لنضوج وتقدم الثقة بالذات.
لكن ما علاقة صورة الذات بالتأهل للجراحة التجميلية أو العكس؟
قالت د.نصار، محللة نفسية وأستاذ في الجامعة اللبنانية ومحاضرة في جامعة سربون في فرنسا، أن هذا التصنيف الجدلي، أي القابلية أو عدمها لإجراء التجميل مبني على النقاط التالية:
إن المقدم على الجراحة التجميلية عليه أن يكون صريحا مع ذاته ويتامل في الأسباب الدافعة إليها، إذ من المهم تقدير حجم التوقعات المرجوة منها، لذلك فالأشخاص الذين يتمتعون بصورة ذاتية جيدة وبشوائب في المظهر تضايقهم بعض الشيء، تكون توقعاتهم واقعية مما يجعلهم مرشحين مناسبين للجراحة. والنوع الأخر المرشح لإجراء هذه الجراحة، هم الأشخاص الذين قلت ثقتهم بذاتهم على مرور الوقت نتيجة لعيب في المظهر والذي يكون قد أثر على تقديرهم لذاتهم. هذا النوع من الأشخاص تفيدهم الجراحة التجميلية، لأنها ترفع ثقتهم بذاتهم ولو على نحو بطيء، مما يؤدي طردا إلى تحسن صورة ذاتهم.
لا شك أن الجراح التجميلي يصنع تغيرا على المستوى الجسدي والمستوى النفسي، إذ يحسن أيضا أسلوب التقييم الذاتي عند الفرد. أما إذا كان القيام بها بهدف التأثير في العلاقة مع أحدهم، فإن احتمالات الفشل تكون كبيرة، لأنه من الممكن أن يقدر هذا الشخص التحسن الطارئ على المظهر، لكنه من المستبعد أن تحدث الجراحة التجميلية تغييرا جزريا في أي إنسان غير الذي خضع لها.
ليس بالضرورة وجود خلل بالمظهر، ومهما كان حجمه، أن يكون سببا لإجراء الجراحة التجميلية. عادة، إذا ما كان الجراح التجميلي ذا خبرة، يقيم الوضع النفسي من خلال المقابلات المبكرة، فإما يتنحى عن إجراء العملية، إما يحول المريض لجلسات الإرشاد النفسي التي من خلالها يتم التأكد من أن دوافع المريض خالية من العوائق الإنفعالية والإشكالات النفسية التي تستعصي على أي جراح تجميلي.
في لبنان، لا ننكر تطور الطب التجميلي واحتلاله أمكنة مرموقة، كما أننا لا ننكر إلتجاء الكثير من الأطباء إلى هذه الخطوات، لكنها تبقى نادرة نسبة إلى خطورتها وتأثيرها العميق على حياة الأشخاص.
أما بالنسبة للحالات التي ينصح بتوجهها لمعالج أو مرشد نفسي قبل القيام بالجراحة التجميلية،فهي:
· حالة الأشخاص الذين يمرون بأزمة، مثل الطلاق، الإنفصال، الحداد، أو الذين خسروا عملهم ...
· الأشخاص ذوي التوقعات غير الواقعية، نعدد منهم المتشبهين بالمشاهير، أو الرامين لاستعادة شكلهم على حاله بعد حوادث عديدة ومتكررة، أوالراغبين باستعادة شبابهم الذي مر وانزوى من عشرات السنين.
· الاشخاص المستحيل إرضاؤهم، فيذهبون من جراح لأخر باحثين عن أجوبة ترضيهم. هذا النوع يسعى لمعالجة مشكلة غير أساسية، أو على الأقل غير جسدية.
· الأشخاص المهووسون بالشوائب الصغيرة، والباحثون عن الكمال. هذا النوع من الأشخاص قد يكونون مرشحين مثاليين لهذا النوع من العمليات شرط أن تلازم توقعاتهم الواقع، وأن يدركوا أن الجراحة التجميلية قد لا توافق أهدافهم بدقة.
· الأشخاص المضطربون عقليا أو نفسيا، وذوو السلوك الهذياني التوهمي والإضطراب القهري هم أيضا لا ينصحون بإجراء جراحة تجميلية إلا بعد استشارة الطبيب النفسي والتعاون معه.
الضوابط الأخلاقية والطبية:
كي نناقس هذا الموضوع الدقيق، استعنا بالطبيب الجراح نجيب عيسى، إختصاصي جراحة عامة وجراحة داخلية، رئيس مستشفى الكورة في الشمال، وقد أجرينا معه الحوار التالي:
ما هي الضوابط الأخلاقية للجراحة التجميلية؟
إن الضوابط التي تحد الجراحة التجميلية، هي بادئ ذي بدء القوانين الأخلاقية العامة في ميدان الطب، ومن وجهة نظري أن أهمها أن يشرف على الميدان المعني صاحب الإختصاص المؤهل والكفوء أي أن يكون الطبيب يحمل شهادة طبية مصدق عليها، وأن يكون قد مر في جميع مراحل التمرين" الستاج" الضرورية قبل المباشرة بممارسة المهنة وأن لا يتعدى غلى ميادين بعيدة عن اختصاصه، وهذه قوانين دولية وقد شهدت أكثر البلدان تطورا تعديات على هذه القوانين التي تبدو بديهية لكنها أساسية جدا في أخلاقيات المهنة، أذكر الفضيحة التي ظلت تحتل لفترة من الزمن الصفحات الأولى في الولايات المتحدة، وهي فضيحة بيفرلي هيلز، حيث تم القبض على طبيب أسنان وكان يدعي أنه جراح تجميلي وقد قام بالفعل بعدة جراحات تجميلية.
وهل لدينا مثل هذه التجاوزات في لبنان؟
هذا موضوع دقيق جدا، لكن هذه التجاوزات كما سبق وذكرت تحصل في البلدان الأكثر تطورا لأنه في الكثير من الأحيان لا يكفي الإعتماد على أخلاقيات الشخص، وضبط هذه الأمور صعب، خاصة أن العيادات الفردية كثيرة ولا يتم مراقبتها بدقة.
هل يوجد محاذير سلبية للجراحات التجميلية؟
ليس فقط للجراحات التجميلية، إنما لجميع الجراحات عموما. فالجراحة بحد ذاتها موضوع لا يستهان به.إذ يتطلب تخدير وشق وتخييط وغيرها من الأمور الدقيقة التي يمكن أن تسبب مشاكل أثناء أو بعد الخضوع للجراحة.
هل جراحات تصغير المعدة أو ربطها تعد ضمن الجراحات التجميلية؟
كلا، هي ميدان مختلف تماما، وليس القصد منها تحسين المظهر فحسب، بل تخفيف المخاطر المميتة كالكوليستيرول المرتفع والسكري والشحوم ومخاطر الإصابة بالقلب وغيرها من المخاطر التي تسببها السمنة المفرطة.
أنت كطبيب جراح، هل تنصح باللجوء للجراحة التجميلية عموما؟
الجراحة التجميلية ميدان واسع وهو بعبد عن اختصاصي. لكن في حالات معينة، يبدو لي أنها أساسية مثل أي جراحة أخرى، خاصة في حالات التشوه الخلقي أو الطارئ، أو في حال وجود عيب في الشكل يعيق الشخص عن ممارسة حياته الطبيعية.
كيف تقيم الطب التجميلي في لبنان؟
ممتاز جدا، ونحن نحتل في هذا الميدان مراكز مرموقة عالميا.
واستكمالا لما بدأناه من حوار حول الطب التجميلي، أخلاقياته، أنواعه وغيرها من المواضيع المحورية، فقد أجرينا هذا الحوار مع الدكتور نمر ملعب، خريج الجامعة الأميركية، وصاحب سنوات خبرة عديدة وناجحة جداً على هذا المستوى.
ما هي أنواع الجراحات التجميلية؟
تنقسم الجراحات التجميلية إلى قسمين، البلاستيكية والتجميلية. الاولى تعنى بالتشوهات الخلقية والعيوب الولادية والتشوهات الناتجة عن حادث طارئ أو جراحة قد تركت أثارا بالغة أو جراحة تجميلية غير ناجحة، وغيرها من العيوب الجسيمة في المنظر العام، أما الجراحة التجميلية فهي تعنى بما هو طبيعي أو بالعيوب الصغيرة في الشكل وهدفها تحسين ما هو طبيعي أصلا والوصول إلى الكمال.
ما هي الجراحات التجميلية الأكثر شيوعا في لبنان؟
لا يوجد جراحة أكثر شيوعا، فهذا الأمر يختلف من منطقة لأخرى، ويتدخل بتحديده الأوضاع الإقتصادية والمستوى الثقافي الذي يحكم البيئة. لكن عموما، هناك تجميل الأنف، وشد الوجه والجسد.
ما هي كلفة جراحة الأنف مثلاً؟
هذا يعتمد على وضع المريض واحتياجاته، فإذا كان سيخضع لتذخدير عام، فهي تكلف إزاء ال3000دولار، أما إذا كان التخدير موضعيا فكلفتها حوالي ال1500 دولار.
هل يغطي الضمان الإجتماعي أو وزارة الصحة هذا النوع من العمليات؟
عموما، لا يغطي الضمان الإجتماعي الجراحات التجميلية، لكنه في حالات معينة، يغطي الجراحات التقويمية والترميمية، وهذا يعتمد على الحالة وارتباطها بالوضع الصحي.
من الأكثر تهافتا على الجراحات التجميلية، الرجال أم النساء؟
في الماضي كان الأمر محصورا على النساء فقط، أما اليوم، فالرجل أيضا يخضع لها، وتختلف النسب حسب نوع الجراحة، فهناك أنواع يفوق إقبال الرجال عليها عدد النساء والعكس صحيح. فجراحات شد الوجه لم تعد حكرا على النساء وكذلك الأمر بانسبة لشد البطن والصدر. كما أن الرجال ينافسون النساء في مضمار جراحة الأنف، وإبراز كرسي الخدود.
كيف يتم تحديد أخلاقيات الطب التجميلي؟
الطب التجميلي ميدان واسع، وقد يبدو أنه سهل أو ليس ذا اهمية، لكن العكس صحبح. فبالإضافة إلى الأخلاقيات العامة التي يجب أن يتصف بها الطبيب عموما، يقع عاتق تحديد الجراحة أو عدم تحديدها على الجراح التجميلي وهو أمر صعب. فبالإضافة إلى الاختصاص، والخبرة، والمصداقية والإنسانية، علينا أن نحتكم لمعطيات نفسية غير واضحة ومعقدة لاتخاذ قرارات صعبة جدا.
إذا لا يتم إجراء الجراحة بمجرد رغبة الشخص بالقيام بها؟
طبعا لا، علينا أولا تحديد الحالة الصحية العامة، والسن، وأخيرا، وخاصة في ميدان الطب التجميلي تحديد أهداف المريض.
وهل هناك خطوات متبعة أو سيرورات معينة لإجراء ذلك؟
نعم، فهناك المقابلة الأولية التي يتم من خلالها الكشف عن هدف الزيارة، ثم أخذ بطاقة استبيان عن المريض، أي السن، الجنس، الوضع الإجتماعي والمادي، المستوى التعليمي...وأخيرا، يتم تحديد جلسة أخرى لمناقشة توقعات المريض من الجراحة، أسباب قيامه بها، ويطلع المريض على كل ما يتعلق بالجراحة من خطوات طبية، ثمّ، إن تم الإتفاق على كل الخطوات الأولية، يخضع المريض لروتين الجراحات عامة.
هل هناك حالات معينة يمتنع الطبيب عن إجراء جراحة لها؟
طبعا، هناك عدة عوامل أساسية تحدد هذا الموضوع، أهمها العوامل الصحية أي ان يعاني المريض من علة معينة تمنعه من الخضوع للجراحة، مثل مرض القلب. وهناك العوامل النفسية التي تلعب دورا أساسيا في تحديد جدوى إجراء الجراحة، فإذا كانت الأهداف منبثقة عن آزمة نفسية، فيتوسل المريض الجراحة لتغيير واقعه، أو لتخطي مشاكل عاطفية، فالجراحة لا تلازم نوقعاته لأنها لا تصلح إلا في منظر الشخص وتعمل على تحسين ثقته بنفسه لا على حل مآزمه العلائقية، أو تخفف من أحزانه جراء فقدانه لعلاقة حميمة أو موت عزيز، أو لاتفتح إمكانية العمل أو إستعادة عمل معين...
كيف يتصرف الطبيب حيال وضع كهذا؟
يحاول أن يقنع المريض باتباع أساليب أخرى تعالج مشاكله بفعالية أكبر، كالتوجه إلى طبيب مختص لأن المآزم النفسية ليست من ضمن اختصاص الجراح التجميلي، وهنا أعني طبيب نفسي. لكن للأسف، قليلون هم الذين يستجيبون للواقع، فيتوجهون بحال الرفض إلى جراح أخر.
من المعلوم أن الصراحة والشفافية بين الجراح التجميلي والمريض أساسيان لتشخيص الحالة. فهل تظن أن الجراحين اللبنانيين يتقيدون بهذا الإجراء؟ وهل يعطون الوقت الكافي للإطلاع على الحالة وإدخال المريض بجو مريح؟ وماذا إن شعر الطبيب بأن المريض يخفي عنه بعض الحقائق، كيف يتصرف؟
عموماً، كل الجراحين المرموقين يتقيدون بهذه الإجراءات، وكل له طريقته بالتعرف على الحالة وبمواجهة مصاعبها، لكن المقابلات هي الأساس بالتعرف على شخصية المريض والتي من خلالها يتم الإطلاع على دوافع المريض وتحديد مدى شفافيته، وذلك بتحضير جو مريح يستطيع المريض التعبير عن ذاته دون محاذير.
ومن الصعب جداً أن يفصح الإنسان عموما عن مشاعره، لذا الكثير من المرضى يحاولون إخفاء مكنوناتهم في بادئ الأمر، ويقع على عاتق الطبيب أن يشعره بالثقة الكافية ليبوح حقيقة بكل ما لديه، أما إذا استمر الوضع دون تبادل هذه الثقة، يحول المريض إلى جراح أخر، لأن العلاقة مستحيلة وبالتالي نجاح الجراحة والوصول إلى مآربه.
وحين تقرّر الجراحة، كيف يتم إدخال المريض بجو نفسي مريح؟
طبعا، بالشرح المفصل عما ينتظره وإعطاء الوقت الكافي للمريض أن يطرح ما يشاء من أسئلة ويستفهم بأسلوبه عن الجراحة.
ما هي نوع الصعوبات التي يمكن أن يتعرض لها من يجري جراحة تجميلية؟
أولا بعض الجراحات مؤلمة لحد ما، وعادة ما تتطلب نقاهة وراحة مطلقة. ثم التأقلم مع المنظر الجديد أمر ليس بالسهل، فالمريض وفي الكثيرمن الأحوال يلزمه دعم نفسي قوي إما من طبيب نفسي ليساعده على التأقلم مع واقعه الجديد، إما ممن يحيطه، وعليه تجنب الأشخاص الذين رفضوا الفكرة أو الذين لا يقدمون الدعم الملائم بل يكتفون باللوم والتعليقات المؤذية التي تزيد الوضع سوءا.
كم هي المدة التي تتطلبها إجراء الجراحة، ثم مدة الإستشفاء والنقاهة؟
لا يمكن تحديد مدة الجراحة عموما، هذا يتعلق بنوع الجراحة ،كذلك مدة النقاهة. لكن تشكل الشكل المطلوب يعوزه الصبر والوقت، فالورم الناتج عن الجراحة لا يزول تماما إلا بعد عدة شهور.
كثيراً ما نسمع عن الجراحات التجميلية التي تجرى للأطفال، فما هي أسبابها؟
تلك ليست جراحات تجميلية بتاتا، إنما جراحات ترميمية. وهي للحالات المتطرفة، مثل شفة الأرنب، أو تشوه خلقي في معالم الوجه أو الجسد، أو الأثار الناجمة عن حادث سيارة أو عن الحروق.
هل مهم أن يبقى الجراح التجميلي على الاطلاع على المستجدات في حين الكشف عنها؟
كل يوم يتم الكشف عن جديد في عالم الجراحة التجميلية. لذلك من المهم جدا أن بنفتح الجراح على الميادين الجديدة، ويحدث معلوماته، ويحضر المؤتمرات العالمية كي يوسع أفاقه ويقدم كل ما هو جديد بمهارة وخبرة ومستوى عال.
الخاتمة:
مهما حاولنا الغوص في عالم الجمال، يبقى القاع بعيدا عن متناولنا، لأنه عالم واسع متفرع ودقيق. ومهما تبادر لنا أننا وفينا هذا الموضوع حقه، نكون قد نأينا عن صلب ماهيته، فهو يجمع علم الجمال والأخلاق والأدب، والطب وعلم النفس والدين، وينبثق عن مجموعة حضارات مبعثرة في زوايا الأرض كلها، فكيف السبيل للإلمام به أو معالجته دون أن نسقط ناحية سهوا، أو عن قلة إدراك ومعرفة.
لكننا حاولنا معالجة المواضيع الأكثر تداولا بين العامة كما قاربنا بين المفاهيم المعقدة واللغة المحكية حتى يطال الجميع هذه الحقائق العلمية، وأخيرا حاولنا إلقاء الضوء على نقاط ذان أهمية قسوة غيبتها أغلبية الوسائل الإعلامية التي لا تهدف إلى الحقائق بل إلى الترويج، فعرضنا رأي الدين وعلم النفس والطب في المواضيع الأكثر حضورا على الساحة الحياتية الحالية.

شكرا جزيلا على هذا طرحكم هذا الموضوع الذي أثار و مازال يثير الجدل حتى اليوم بعيدا عن التعصب و خالصة لطلاب الطب الراغبين في معرفة المزيد عن المعضلات الأخلاقية لهذا التخصص المهم.
صالح من السعودية
Posted by: صالح علي الغامدي | May 13, 2008 at 10:28 AM