« من غزة إلى بيروت.. الهدف واحد | Main | لبنان نار تحت الرماد »

May 14, 2008

شارع الحمرا بين الحربين

شيراز شحادة

خاص ثروة


5 مجرد أن يذكر
اسم لبنان للوهلة الأولى، يتردد إلى الذاكرة الجبل والأرز والبحر والشواطئ والمناطق السياحية والأثرية، وطبعاً شارع الحمرا.

لشارع الحمرا تاريخ طويل، حيث كان الباعة يرتادونه لبيع محاصيلهم ومنتوجاتهم الزراعية... ومنذ ذلك التاريخ وإلى يومنا هذا، أصبحت لـ الحمرا خصوصية جعلته أشهر الشوارع  في بيروت ولبنان.


يتمتع شارع الحمرا بمجموعة من الخصال التي تميّزه عن سواه، فهناك المقاهي والحانات التي يختلط فيها الحابل بالنابل، فترى الفنان والأديب والصحفي...!! وترى المكتبات مبعثرة هنا وهناك، وكل شيء يوحي إلى حبّ الحياة والعيش المشترك.


في اليوم الثاني من انقلاب "حزب الله" وحلفائه، تحول كلّ شيء في شارع الحمرا إلى خرابة ودمار. المحال تحولت إلى أماكن مهجورة ، الشارع الرئيسي والأزقة الفرعية تحولت إلى مسارح للانقلابيين والمسلحين. أعلام الحزب السوري القومي باتت السمة البارزة في الحمرا..!!! بعد الهجوم الذي شنّه مسلحو المعارضة على المنطقة، كانت الحمرا تتنظر يوماً دامياً، فأنصار تيار المستقبل، الذين يشكلون الأكثرية المطلقة في المنطقة قرروا الدفاع عن أماكنهم  رغماً عن إرادتهم، فحدثت الاشتباكات الدامية وقتل العديد من الأبرياء..!! قبل ساعات معدودات كان شارع الحمرا يعجّ بالناس والمتسوقين، ولكن بعد الانقلاب والاشتباكات التي جرت انقلب المشهد، وبات الملثمون وأسلحتهم الجهنمية أسياد الشارع الذي كان في يومٍ من الأيام رمزاً للتعايش الأخوي بين كافة الطوائف اللبنانية.


إطارات محروقة، وآثار لطلقات الرصاص، ومحال تجارية مقفلة، وزجاج متطاير في الشوارع الرئيسية والفرعية. كانت الحمرا من أكثر المناطق التي تعرضت للاشتباكات العنيفة بين مسلحي "
حزب الله" وحلفائهم وبين تيار المستقبل، لكن التعتيم الإعلامي الذي فُرض على هذه المنطقة لم يسمح بفضح ما جرى على حقيقته.


اليوم، وبعد مرور أسبوع على المعارك الدامية التي تنقلت في العديد من المناطق اللبنانية وعاد بعضها إلى الحياة شبه العادية، بقيت الحياة في شارع الحمرا شبه معدومة، فأغلبية المحلات مقفلة، وما زال الوصول إلى الحمرا صعبا وشاقا، بحيث لا يمكن الدخول إليها سوى من الطريق البحري.


هدوء حذر يسود معظم المناطق اللبنانية، لكن
لا تزال المناطق التي شهدت اشتباكات في صورة شبه متوتّرة، رغم غياب الظهور المسلّح الذي شهدته العاصمة بيروت في الأيام الماضية. وإذا اعتبرنا أن مظاهر الحياة الأقرب إلى الطبيعية بدأت تعود إلى العاصمة، فهذا لا يشمل المدينة بأكملها، إنما مناطق دون أخرى. وعلى الرغم من اختفاء معظم المظاهر المسلحة وانتشار الجيش اللبناني الكثيف على الأرض، فإن المواطنين ما زالوا يعيشون حالة من القلق والترقب، خاصة في شارع الحمرا.


وحين التقينا بعدد قليل من الذين كانوا يرتادون الحمرا للضرورة فقط، كان معظمهم يرفض الحديث أو ذكر أسمائهم، ويفضّلون تركَ أحـــوال الطرق والمحال المقفلة وشبه الدمار الحاصل ليتحدّث عنهم؛ هدوﺀ من الاشتباكات والظهور المسلح اشتاقت
 إليه الحمرا، لا بل زحمة تاقت إليها وتعدّ الوقت بالدقائق والساعات لتستعيدها، عندما كان سكّانها وزوارها وروادها يتنقّلون يومياً في أزقّتها.


الحمرا التي أصبحت المنفذ الوحيد للبنانيين، والسوق التجاري الناشط الوحيد الذي ازدهر مؤخراً، خاصة بعد احتلال المعارضة وسط العاصمة وإقفال معظم المحال التجارية والمطاعم والمقاهي فيها، والشلل الذي أصابها بفعل ذلك منذ أكثر من سنة ونصف، باتت أيضاً الحياة فيها شبه معدومة.


بالفعل، لقد غاب
الظهور المسلّح عن كافة الشوارع اللبنانية، إنما لم يغب الظهور الشبابي عنها كلياً، والـــذي ينتشر فــي الشوارع اللبنانية كصاعق حرب أهلية قد تندلع في أية لحظة. ففي كل زاوية وحيّ من المناطق لا يمكن إلا أن ترى مجموعات شبابية هنا وهناك، وجوه يسودها التوتّر والترقّب، تراها جاهزة ومستعّدة لخوض معركة جديدة؛ وجوه لا تنفي توقها وحنينها إلى السيطرة. ويبدو أنهم لم يستفيدوا من تجارب حرب أهلية دمّرت لبنان وأرجعتهم مئات الأعوام إلى الوراﺀ؛ وما زالوا مصرّين على عدم التعلّم من الأيام السود الماضية والضحايا والجرحى الذين سقطوا. فهذا الانقلاب الأخير، كان ليدفع لبنان إلى حرب أهلية جديدة؛ إنه الشباب اللبناني المتهور التابع بصورة عمياء إلى قادته وزعمائه، والمصرّ على الدخول في متاهات تحزبية أكبر منه.


قلق وخوف زرع فــي كل بيت، ودموع ملأت عيون العديد من الأمهات والآباء الذين لم يذوقوا طعم النّوم، ولم يغمض لهم جفن في أيام سوداء مظلمة مرت على اللبنانيين كالكابوس. أعادتهم الذاكرة إلى الوراء، إلى حرب
 لم يخرجوا من تداعياتها بعد. استفاق اللبنانيون في صباح يوم هادئ على الأقل في مدينة بيروت، مع غياب المسلحين واستمرار قطع الطرق وإعلان العصيان المسلح. 


والآن، ليس أمامنا سوى الانتظار والترقب لما ستحمل إلينا الأيام القريبة القادمة من نهاية لهذا الكابوس والمأزق الذي زجت المعارضة الدولة فيه، والذي لن يكون فيه رابح، بل هو خسارة حتمية للوطن وكل مَن فيه.


بيروت

Shiraz_writer_poms@hotmail.com

TrackBack

TrackBack URL for this entry:
http://www.typepad.com/services/trackback/6a00d8345160af69e200e5523d272f8834

Listed below are links to weblogs that reference شارع الحمرا بين الحربين:

Comments

Verify your Comment

Previewing your Comment

This is only a preview. Your comment has not yet been posted.

Working...
Your comment could not be posted. Error type:
Your comment has been posted. Post another comment

The letters and numbers you entered did not match the image. Please try again.

As a final step before posting your comment, enter the letters and numbers you see in the image below. This prevents automated programs from posting comments.

Having trouble reading this image? View an alternate.

Working...

Post a comment

Tharwalogs

Tharwa News & Analyses