« "حزب الله" ... ذابَ الثلجُ وبانَ المرج | Main | !الجيش اللبناني بين مطرقة الواجب وسندان دخول المتاهات »

May 15, 2008

قدر اللبنانيين: الحرب فالهروب، الترحال فاللجوء

ماري سعد

خاص ثروة


R2446850143 حرب، هجوم، اقتحام، قطع يد... كلها تعابير اعتادت عليها آذان اللبنانيين، لم تعد غريبة عنهم، تبنوها بطريقة أو بأخرى وأوجدوا لها الحلول. اعتادت أيديهم على حمل الفراش والأمتعة، طرقات تنفست وجعهم وهلعهم. لم تعد الحياة طبيعية، بل تحولت إلى فصول سود يخطها كل من هرب من رصاصة غدر وغصب ثائر.


لم تعد تصريحات المسؤولين تلقى صداها الإيجابي عند الشعب، بل باتت تنذر بالسوء والخطر، وربما بالموت غداً. تتالت الخطابات في الآونة الأخيرة واشتدت عواصف التهديدات من هنا وهناك، ما أجبر الناس إلى سلوك درب واحدة، درب الفرار والنزوح من منطقة النار إلى منطقة السلم... وهل بقيت في لبنان بقعة آمنة يأمن لها المواطن بعده؟ وأي غد في وطن سئم الحياة بكل وجوهها؟


رشاشات مصوبة في كل اتجاه، حاضرة وجاهزة للطلقات تنتظر الهجوم، عشرات وعشرات الوجوه تركض مع المجهول، تتسابق وإياه على اتخاذ مسكن آمن. وأي أمان في وطن التقلبات، ففي لبنان قد تتغير المشاهد والأرقام في كل لحظة، لكن القصة واحدة والمخرج واحد، فهو الآمر الناهي.


تركوا منازلهم ورحلوا... رحلوا إلى لامكان، فما من مكان آمن؛ إلا أن القناعة تبقى واحدة، الخروج من منطقة الخطر إلى الضفة الأخرى، "إلى منطقة الشرقية" لأنها الحل الأنسب، وربما الأوحد في الوقت الحالي. مشاهد كُتبت للمرة الأولى في حرب تموز وأعيدت كتابتها في حرب نهر البارد، فهل سنشهد على زيادة فصل جديد يضاف إلى الفصول السابقة في كتاب "المدارس المسكن الجديد للعائلات النازحة"؟ ففي الأزمات السابقة، بعض المدارس فتحت أبوابها للنازحين وتحولت بسرعة إلى أماكن استقبال للمهجرين والمتطوعين في أعمال الإغاثة، ومكان لتوزيع المساعدات الغذائية والطبية. تبدلت معالم الدراسة من مقعد للحرف والعلم إلى فراش للنوم والغذاء. وبعد أن استقبلت مدارس بيروت أهالي الجنوب والبقاع والشمال، هل ستنقلب الآية اليوم وتتكرر التجربة من جديد؟ من سيستقبل أهالي بيروت وينزع عنهم عباءة الخوف والقهر؟ مفارقات جمة يشهدها الوطن، والكل تذوق مرارة الكأس وجرعة التهجير.


غادرت العديد من العائلات وتركت كل شيء ورحلت، لم تأبه إلا لهم واحد... الصراع للعيش والبقاء على قيد الحياة. لم تسأل عن منازلها وممتلكاتها، دافعت فقط عن أنفسها، نعم عن أنفسها وعدنا بذلك إلى "قابيل وهابيل" وما يتبعهما من أنانية وشراسة وعنجهية. عدنا إلى ثقافة الحجر والنار والأهم إلى حضارة "العين بالعين والسن بالسن"؛ فبعد أن أكل الغلاء في عظامهم حتى الموت وانقض عليهم شبح الجوع حتى الهلاك، أتت رصاصة الموت من طرف آخر. لم يعد الجوع يخيفهم، ولا البطالة ترعبهم فاللعبة تشعبت واشتدت حماستها. فبين التسلية والجدية خيط رفيع، حبل قُطع وبدأت المواجهة والقتال. يصارعون من أجل الحياة، من أجل الرحيل من منطقة الخطر. أليس من حقهم العيش مطمئني البال؟ رحلوا لأنهم أرادوا السلام، رحلوا كاللصوص فقط لتجنب المشاكل، خاطروا بحياتهم واتكلوا على الله، فالرصاصة موجودة ومن يدري من تصيب؟


أهالي بيروت في المتن وكسروان، في الطرف الآخر من الوطن، في بقعة يعتقدون أنها آمنة حتى الآن، منهم من فضل الرحيل في أول يوم حرب، نعم حرب بكل ما تحمله الكلمة من معنى. أما البعض الآخر فكر بالرحيل أبعد من ذلك، السفر إلى بلد آخر، إلى وطن يحترم الحرية والإنسانية. فمن لم يُقتل بالرصاصة، قُتل برحيله عن الوطن والنتيجة واحدة، خسارة كبرى للوطن.


كلما تكلم زعيم واشتدت نبرة صوته، تبنى الشعب الرسالة بكل رموزها، وترجموها بكلمة واحدة "النزوح". باتت المشاحنات السياسية بالنسبة للجمهور مفهوماً موحداً "إخلاء المنزل والرحيل". أصبح الناس يعيشون على نمطية الصوت والصورة، على السرعة المتوجهة لحمل الأمتعة والهروب. بات المواطن اللبناني مبرمجاً، يربط الخطاب السياسي بالنزوح، مشهد تعود عليه كل من عاش ويلات الوطن وملّ من قصصها. أما الجديد في هذه الدوامة، تمثل بالتوافد على شراء الغذاء، لأن من نجا من الرصاصة قد لا ينجو من الجوع. أكياس مليئة بالمؤن توضع في صناديق السيارات لتسافر مع أصحابها نحو الجبل. كثيرون من غادروا إلى مناطقهم الجبلية لظروف قسرية ومفروضة، فالجوع لا يرحم والحرب لا تُطاق والخوف من الماضي أكبر من أي مهزلة، فهو بالنسبة إلى المعالجة النفسية "أمال بركات" يولد لدى الفرد مع كل أزمة، وتظهر معالمه لدى البعض خصوصاً لدى الأطفال بالتبول اللاإرادي، والذعر الليلي، كما الخوف من أقل صوت أو عند سماع هدير طيران. أما عند البعض الآخر تدفعه إلى ارتكاب أعمال العنف. وكل هذه العوارض تظهر لدى الأشخاص بعد ستة أشهر على الأقل. وتضيف أن اللبناني أصبحت لديه مناعة على الحرب فأصبحت جزءاً من تركيبته النفسية ولم يعد يشعر برهبتها ويتوجه دائماً إلى مرحلة الخطر.


الحرب الأهلية، حرب دامت ستة وعشرين عاماً، صراع طائفي لم نتعلم منه شيئاً ولا نذكر منه شيئاً سوى حكايا أهلنا الذين أصروا على عدم خوضنا تجاربهم السيئة مع الدم والدمار، إلى جانب الابتعاد عن ثقافة العنف. ومع الأسف، الشديد وجدنا كل القصص صوراً واقعية تتجسد أمامنا، وأبطالها لبنانيون فقط لا غير.


اللبناني يتعايش مع كل الظروف، وهو المحب للأرض والوطن والأهم "حبه لأخيه" رفع من جديد السلاح في وجه أخيه وافتخر بقتله.


فمن هو المستفيد، ولماذا أشعلنا نار الفتنة المتأججة بأيدينا وعدنا بعد كل التطور الذي شهده لبنان إلى حياة الحرب وعيشة الملاجىء؟

TrackBack

TrackBack URL for this entry:
http://www.typepad.com/services/trackback/6a00d8345160af69e200e5522b76838833

Listed below are links to weblogs that reference قدر اللبنانيين: الحرب فالهروب، الترحال فاللجوء:

Comments

Verify your Comment

Previewing your Comment

This is only a preview. Your comment has not yet been posted.

Working...
Your comment could not be posted. Error type:
Your comment has been posted. Post another comment

The letters and numbers you entered did not match the image. Please try again.

As a final step before posting your comment, enter the letters and numbers you see in the image below. This prevents automated programs from posting comments.

Having trouble reading this image? View an alternate.

Working...

Post a comment

Tharwalogs

Tharwa News & Analyses