!لبنان وأحجية "الوطنية"
منار الرشواني
إذا كانت حكومة فؤاد السنيورة هي حكومة السفير الأميركي في لبنان، كما قيل ويقال، الخاضعة لسلطانه والمؤتمرة بأمره، فليس بعد ذلك من ضرورة أو أهمية لأي حديث أو نقد أو تهجّم يتعلق بحكومة كهذه تحالفت مع «الشيطان الأكبر» أو «الاستكبار العالمي» بحسب تعبيرات إيران المتحكم الحقيقي بلبنان، والتي يراد لنا الإيمان -وليس أقل من الإيمان، بما يستتبعه من خضوع وتسليم- بأنها الشقيقة الإسلامية والحليف الأقرب والأهم، حتى وإن احتلت جزر دولة الإمارات العربية، وادّعت أن مملكة البحرين العربية جزء لا يتجزأ من أراضي إمبراطورية فارس، وساهمت وأشرفت على عمليات التطهير الطائفي في العراق العربي حتى الآن بفضل المقاومة العراقية للاحتلالين الإيراني والأميركي!
برغم ذلك، فإن في المشهد اللبناني ذاته ما يثير «شبهات»، ولا نقول أكثر من ذلك، لدى كل من يريد أن ينأى بنفسه عن تلك الحكومة «الفاقدة للشرعية»، وأن يكون بالتالي في صف خصومها، بحكم وازعه الوطني والقومي والإسلامي، وليس لأي مصالح شخصية أو طائفية أو حزبية، أو حتى «ارتزاقية» رخيصة. وهي شبهات تطرح أسئلة تستلزم إجابة مستعجلة من صانعيها أو على الأقل متبنّيها.
السؤال الأول والبسيط جداً، والذي كشفت عنه أحداث أمس الأول التي بدأت بدعوى «إضراب عمالي لتحسين الأجور»، هو: لماذا يحتاج الوطنيون المتمتعون بالأغلبية الحقيقية، كما يقولون، في مواجهة حكومة «أمر واقع» باتت تمثل الأقلية فعلياً، لماذا يحتاجون إلى قطع الشوارع وشل حياة الناس وتعطيلها قسراً لإنجاح إضرابهم؟ أليس غريباً أن ينجح مواطنون عاديون بغياب أكبر قوى المعارضة، وبوسائل جد بسيطة، في تنفيذ إضراب سلمي (كما تقتضي طبيعته) في مصر التي تعد بلداً أمنياً بامتياز، فيما يتم قسر الناس على إضراب يشارك فيه حزب يدّعي الأغلبية المطلقة، ويمتلك من السلاح، نوعاً وكمّاً، أكثر مما تمتلك الدولة، فلا يخشى بالتأكيد بطشها بل هي تخشاه؟!
وربطاً بالسؤال السابق، وإذا سلّمنا أن غاية الإضراب الحقيقية كانت مطالب عمالية وليست مآرب سياسية، أفليست أفعال "حزب الله" والمتحالفين معه هي ما أدى إلى ضرب «الإضراب العمالي» ذاته والإجهاز عليه، وبالتالي حرمان شريحة من المواطنين اللبنانيين من تحسين أوضاعهم المعيشية عبر وسيلة سلمية شرعية تماماً، إثر اضطرار منظمي الإضراب إلى إيقافه بعد أن صار ذريعة للتدمير، ولربما الاقتتال؟
والحقيقة أن السؤال عن الغاية من تعقيد حياة الناس والإجهاز على مورد رزقهم من قبل المعارضة «الوطنية» وليس الحكومة «فاقدة الشرعية» لا يتعلق بالأحداث التي ارتكبت باسم إضراب أمس الأول فحسب، بل هو يعود إلى الاعتصام الذي يشل وسط بيروت منذ قرابة السنة ونصف السنة، وحيث لم تكن هناك ذريعة شبكة الاتصالات التي يعد المساس بها اعتداء على المقاومة!
فإذا لم تكن الغاية هي تدمير مصادر رزق أهل بيروت، ربما بسبب مواقفهم السياسية «غير الوطنية» من وجهة نظر المعارضة «الوطنية»، فما هي الغاية الحقيقية إذن من الإصرار على إنشاء ما يمكن تسميته «مؤسسة معتصمون» في وسط بيروت بعد ثبوت فشل الاعتصام منذ أمد طويل؟ وأي قضية يحملها المعتصمون أولئك؟ أم تراها الوظيفة الوحيدة مدفوعة الأجر (طبعاً من الأموال الإيرانية الطاهرة) في تلك المنطقة التي تعاني البطالة والشلل؟
كثيرون يحتاجون إلى إجابة عن الأسئلة السابقة المشروعة بقدر شرعية الإضراب السلمي والمعارضة السلمية، كما شرعية احتكار الدولة لوسائل العنف، وإلا فإن هؤلاء -وأنا منهم حتماً- بحاجة إلى إعادة تحديد وضبط لتعريف مفهومي «وطني» و «عميل»، وأيهما تهمة وأيهما إطراء، وكذلك تعريف «العدو» في ظل الانقياد لإيران التي تمارس الاحتلال والقتل بحق العرب... فالأمور ليست بالبساطة التي يظنّها البعض، أو بعبارة أدق فإن الناس، لحسن الحظ، ليسوا بالسذاجة الذي يتمناها «الوطنيون»!
Comments