يصمد أمام الحروب، أمام الخلافات الهدّامة والضربات المتلاحقة لكنه لن يصمد أمام السياسة الوحيدة التي تمّسه في عمق وجوده، سياسة التجويع، لبناني ثار على من كمّم فمه ومن كبّل يديه، لكنه ذاب أمام أزمة ارتفاع أسعار المواد الغذائية الهوجاء التي تحمل مشاكل جديدة لم يعهدها لبنان وأهمها سوء التغذية.
اقتصاد مترهل لا ينعكس إلاّ سياسات خاطئة تجاه الشعب الذي يعاني الأمرّين في مواجهة الارتفاع العالمي للأسعار. وإذا كان اللبناني يتباهى يوماً أن بلاده وطن الخيرات، فخطر انقراض هذا الخير بات داهماً. أشهر قليلة من الغلاء كانت كفيلة لهدم الأمن الغذائي في لبنان الذي بات كغيره من البلاد معرضاً للجوع مع ارتفاع أسعار منتجات الطاقة والأسمدة، وزيادة حجم الطلب على الوقود، فأصبح رقم 3 بالمئة من اللبنانيين يعانون من سوء التغذية مرشحاً للزيادة. ميزانية الأسر لم تعد قادرة على الاستجابة لحاجياتها كلها، فشراء الكماليات ليس مطروحاً حتى. مواطنون يحاولون تأمين لقمة عيشهم رغم جنون الأسعار. وتخبر "سمر" عن المأساة التي تعيشها يومياً لتؤمن الحليب لولديها التوأم، وهي تخاف من أن يأتي يوم لا تسطيع فيه أن تلبي حاجات أطفالها الأساسية فيُصابون بشتى أنواع الأمراض. كما يرى "فؤاد" أن ازدياد حالات سوء التغذية ستصبح واقعاً قريباً، لأن قدرة اللبناني على تأمين مأكله تنخفض يوماً بعد يوم.
الأطعمة اللبنانية الشهيرة تحوّلت إلى أطعمة شعبية رخيصة لا تكلف كثيراً، ومحاولة الابتعاد عن المشكلة بحلول جزئية قد لا يكون سهلاً حين يصبح أطفال لبنان هم المستهدفين من سوء التغذية، فيكون الحليب وجبة نادرة يتنعم فيها من ولد لعائلة ميسورة. حتى المواد الرخيصة عادةً كالبرغل أو الأرز باتت حلم اللبنانيين دون التكلم عن الخضار والفاكهة واللحوم التي تحولت من وجبة يومية إلى مأكل شهري، وفي أحسن الأحوال أسبوعي. وحين يصف الأطباء الفيتامينات للأطفال غير مكتملي النمو، تسقط دمعة الأهل لأنهم غير قادرين على تأمين الطعام، فكيف بالأحرى الدواء؟ التنوع الغذائي الذي لطالما ميّز لبنان يضمحّل مع اتساع رقعة الفقر وتفاقم الغلاء.
ما هو السلوك الغذائي الصحيح الذي يجب أن تُوجه إليه الأسر تجنباً لحالات سوء التغذية، رغم عدم توفر القدرة المالية الكافية لـتأمين الاكتفاء اللازم؟
سؤال أجابت عليه اختصاصية التغذية م. ل مشيرة إلى أنه في حال زيادة الأسعار لبعض المنتوجات، من الممكن استبدالها بمصادر أخرى من الطعام، فيُستبدل بروتين اللحم ببروتين البيض أو الفول والفاصوليا، غير أن تناول ثلاث وجبات في النهار ضروري ويجب التنويع بقدر المستطاع والتركيز خصوصاً على الخضار والفواكه وشرب المياه بشكل مستمر. كما تؤكد أن هناك ندرة في حالات سوء التغذية في لبنان ولكن بداية سوء التغذية تؤثر على نمو الأولاد الذين ما دون الخمس سنوات من عمرهم، ومن أهم العوارض قصر القامة والنقص بالوزن بالنسبة للطول. وترى أن منقذ اللبناني وسط الغلاء هو أن أساس الغذاء في منطقة البحر الأبيض المتوسط صحي جداً، لأنه يرتكز على الأكل النباتي الموسمي المتوفر بكثرة، وتنصح العائلات التي لا يمكنها تأمين اللحمة مرتين التوجه إلى مصادر أخرى للحديد، كالسبانخ والبيض واللوبياء. أما السمك فيمكن استبداله بالجوز والخضار الورقية وفول الصويا وتنصح أن يبحث اللبناني عن التأقلم مع بيئته في عصر الغلاء الغذائي. يعتمد المزارع على ثمار الموسم والساكن في الشريط الساحلي على خيرات البحر بينما سكان المدن على المؤونة الموسمية وتعويض النقص بالأكل المعلب. ويمكن للبناني تطوير وجبته الاعتيادية إلى وجبة متكاملة من خلال خلق وجبة متوازنة، أي التي تحتوي على الخضار، البروتين (حبوب، لحم، وسمك)، النشويات وأحد منتوجات الحليب، وأخيراً التحلية التي تكون نوعاً من الفواكه.
في نهاية الأمر، ما هي إلا بعض النصائح لمن يحاول أن يقاوم الحرمان والجوع الذي بات يهدد أجيالا بأكملها، حين بات اللبناني أمام خيار الهجرة أو البقاء وتأمين لقمة العيش بصعوبة.

Comments