قبل أيام شهدت بيروت الحرية والكلمة الحرة (مؤتمر الحريات الثقافية والإعلامية في المشرق العربي) تحت رعاية مؤسسة سمير قصير الثقافية بمناسبة إطلاقها لـ"سكايز" المركز الإعلامي للدفاع عن الحريات الصحافية. وتم دعوة شخصيات ناشطة وصحافية وأدبية فاعلة.
المؤتمر دام يومين /16-17/ حزيران، وتميز حسب ما قيل عنه أنه كان ناجحا، وبرع السوريون في إدارة الندوات من خلال محاضراتهم التي اتسمت بالغنى والفكاهة وسعة المعلومات، والتي تمحورت حول فصول الاستبداد والقهر لحرية التعبير وكسر الأقلام. ونجحوا في إدخال ثقافة الجرأة والشجاعة في قلوب الحضور، وخاصة من المعروف أنه حين يكون الحديث أو الكلام حول الشأن السوري ونظام القمع، تقشعر الأبدان وترتفع نسبة الأدرينالين في الدم؟!
طبعا من المفيد أن يتم عقد مؤتمرات تتعلق بالحريات الثقافية والصحفية في ظل مجتمعات تؤمن بالفساد والقهر والكبت للأصوات والصحافة المقيدة، أكثر من أي شيء آخر، و"سكايز" التي انطلقت من بيروت كمشروع جديد من مشاريع مؤسسة سمير قصير، جائت لتنضم إلى صف الكثير من المنظمات الإقليمية والدولية المعنية بحقوق الإنسان والحريات، وخاصة الحق في حرية التعبير، لكن السيء في عمل تلك المنظمات أنها ما زالت في طور التنظير الورقي وأسلوب الخطابة والمحاضرة، دون أن تتجاوز في عملها إلى مرحلة العمل الميداني الفاعل، والقيام بأفعال ذات مدلولات ونتائج في صالح الحريات والإنسانية، فنجد أن الأنظمة تفعل ما تريد.. فتعتقل وتعّذب وتغتال وتنفي كل من يقف في وجهها من أصحاب الكلام والرأي، دون أن تستطيع هذه المنظمات فعل شيء؟
الأمر الآخر هو اللاعدالة واللامساواة في عملها تجاه قضايا الاضطهاد والانتهاكات التي تمارس بحق الصحفيين والنشطاء والكتّاب في بلدانهم، فنجدها تمارس نوع من القفز أو التجاهل أو الانتقائية في العمل، فتتحدث عن ضحية صحافية دون أخرى، وفق معايير غير مفهومة وغامضة، وتدخل في عملها المحسوبيات والعلاقات الشخصية، وأيضا الموقف السياسي والأخلاقي، وهذا ما نجده لدى العديد من المنظمات سواء العاملة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، أو تلك التي تدعي أنها لأجل الصحافة والصحفيين، وحين نواجهها بهذه المسألة يكتفون بالاعتذار، وقصورهم في تغطية وعدم إنصاف الجميع ضمن وتيرة واحدة.
في بيروت عاصمة الحريات الإعلامية والصحافة الشفافة أكثر من غيرها من المحيط المجاور، تتواجد الكثير من المنظمات المدنية التي تعمل لأجل الديمقراطية والإنسان وحرية التعبير، وانضمت إليهم "سكايز" من جديد، كعيون لسمير قصير التي لا تنام ولا تعرف النوم عن كل انتهاك أو قلم جريح من الممكن أن يسفك دمه بسبب كلمة أو رأي أو صرخة حرية....
لكن المؤسف أن منظمي المؤتمر الحر تناسوا دعوة الصحافيين السوريين من الداخل السوري (أصحاب الظلم الأكبر من النظام)، وفيما إذا كانت الحجة أنهم لن يستطيعوا الحضور، نقول نحن العالمين بمكّتنا المغتصبة، (عليكم الدعوة وهم أحرار فيما يفعلون). الأمر الثاني، تم دعوة "مراسلون بلا حدود" بشخص روبير مينار، وكان من اللائق دعوة الصحافي الكردي السوري مسعود حامد الحائز على جائزة "مراسلون بلا حدود" 2005، على إثر تصويره لمظاهرة الأطفال الكرد بدمشق 2003 في يوم الطفولة العالمي ونشرها على الإنترنت وتعرضه للتعذيب والسجن لثلاث سنوات، وليخرج منه إلى المنفى في باريس (هو الصحفي السوري الوحيد الحائز على هذه الجائزة)؟؟؟
لكن على ما يبدو أن أصدقاءنا في "ديمقراطية سوريا واستقلال لبنان"، الذين عشنا معهم في السلم والحرب، داهمتهم فصول النسيان، واختاروا القفز من فوقنا نحن الصحافيين السوريين المنفيين إلى لبنان قسرا بسبب آرائنا وأقلامنا وكتاباتنا الحرة في الشأنين السوري واللبناني؛ وهذا لا يمكننا تفسيره إلا من باب، أنهم يتجنبون مجاراتنا عن فلسفة تمنعهم من السير مع اصحاب الأقلام الجريئة والشجاعة التي تشكل خطرا على أمن الدولة السورية، وعلى أمنهم.
غبار بعثي ملوث ما زال عالقا في أعماق ثقافة بعض اخوتنا اللبنانيين، الذين لم يكسروا حواجز الخوف في ذاتهم، ويجاروك دون أن يصادقوك، يبصرونك ولا يبصرونك، مع علمهم المطلق أننا كصحافة تعرضنا للظلم والاستبداد، وكان من أدبيات هكذا مؤتمرات إتاحة الفرصة لنا لأجل التعبير عن همومنا وآلامنا كصحافة سورية اغتيلت منذ عقود، وأقصد لنتحدث عن ثقافة المنفى بالنسبة للقلم السوري في بيروت؟!
وحين اتحدث هكذا دون ضوابط، فهذا يأتي من منطلق الشفافية في حرية التعبير وقول الحقيقة المؤلمة، إننا قبل كل شيء حاملو فكر سمير قصير شهيد الديمقراطية والكلمة في سوريا ولبنان معا، وعلينا أن نكون صحافيين فاعلين في كل زمن ومكان، ولا نقبل أبدا اسلوب الاصطفاف والمزاجية المتبع مع فكرنا وثقافتنا بأي شكل كان.
طبعا هذا ليس بشيء جديد، بل هي ثقافة متممة ومكمّلة لبنانية تجاه العنصر السوري الذي يعاقب فكريا وحتى اجتماعيا كبديل للجلاد، وليكون الجلاد والضحية عند اللبناني هو واحد؟!
على كل حال، أصدقائنا في لبنان وعن محبة أقولها، بحاجة إلى انتفاضة في الذات وتطهير العقول والثقافة من كل آثار الاستبداد البعثي، وحتى نستطيع الدفاع عن الحريات الثقافية والإعلامية علينا أن نكون أحرارا مع أنفسنا وديمقراطيين مع الجميع، وأفضّل وأمنّي النفس أن تكون عيون، هي عيون واسعة تلمح وتبصر الجميع دون رقابات أو عمى آلوان أو عشى ليلي، وأن تنصف الصحافة والكلمة بالعمل الجاد والفعلي ودون تنظيرات، وعلى مبادىء وحلم سمير قصير في كلمة حرة ومستقلة.
ننتظر نحن صحافيو سوريا المضطهدون المنفيون إلى بيروت إنصافنا، في سبيل الكلمة الحرة والجريئة. وكذلك جميع الصحافيين السوريين والصحافة الأخرى. مع العلم أنني كصحافي سوري قاطعت المؤتمر، لا ضدا، بل لأجل مؤتمرات أكثر شفافية واتساعا، وبعيدا عن الإملاءات والمحسوبيات والعلاقات الشخصية، حينها نبارك كل عمل فيه إنصاف وعدل للكلمة وللحريات التعبيرية في مجتمعاتنا المقيدة بالأغلال والأصفاد والثقافات الدخانية الكريهة.
بيروت

Comments