انتعشت آمال اللبنانيين بالخروج من دوامة التجاذبات السياسية وأصبحوا متفائلين بصيف سياحي يعود عليهم بالخير في العهد الجديد تحت حكم الرئيس ميشال سليمان، لكن يبدو أن هذا الصيف يحمل في جعبته نيرانا وحمما وصراعات أكثر خطورة، إنه الصراع الديني والمذهبي حيث بدأ يلقي بظلاله على الحياة اللبنانية ويوحي بقلق عارم أن يستغل من قبل تنظيم القاعدة أو السلفية الأصولية، ويتحول لبنان إلى ساحة للإسلام السياسي.
الأيام الأخيرة التي شهدها الشمال اللبناني كانت رسالة واضحة تحمل في طياتها عودة النار الطائفية التي لم تنطفئ، بل على العكس تزداد شراسة يوما بعد يوم، فالبارحة كان في البقاع، واليوم في طرابلس بين السنة والعلويين في جبل محسن وباب التبانة، حيث الصوت الإسلامي المذهبي هو الغالب، وما يزيد الوضع خطورة أن هناك خلفيات تاريخية لهذا الصراع عادت لتطفو على السطح من جديد.
حصدت الاشتباكات العنيفة التي جرت فجر أمس في منطقتي باب التبانة وجبل محسن تسعة قتلى و29 جريحاً حتى اللحظة. هذه الاشتباكات لم تكن مفاجئة للسكان الذين عاشوا في اليومين الماضيين في حمى شائعات تتحدث عن تحضيرات عسكرية تمهد لحصول هذه المعركة.
بحسب المتداول في الأوساط الإعلامية أن المشكلة ابتدأت من "شارع سورية" الذي يفصل بين باب التبانة وجبل محسن، حيث قام مجهول باطلاق ثلاث قنابل يدوية على دفعات متقطعة ابتداﺀ من الثالثة إلا ربعاً (فجر أمس). وتقول إحدى الروايات إنها رد على مشاجرات فردية جرت بين شبان من الطرفين ليل أمس الأول، حيث جرى إشكال بين شابين علوي وسني في محلة "حارة الجديدة" الفاصلة بين جبل محسن وباب التبانة، تطور إلى إشكال عائلي، حيث عملت القوى الأمنية على إخماده، وجرى توقيف بعض الأشخاص. كما رصد تكسير واجهة أحد المحلات عند نقطة تعاونية (ريفا). وتصاعدت حدة الاشتباكات منذ الخامسة فجرا، إذ استخدمت أسلحة متوسطة وخفيفة، ما أدى إلى مقتل 4 مواطنين وسقوط 29 جريحاً، إضافة إلى تسجيل أضرار كبيرة في البيوت والممتلكات لدى الطرفين. ونعت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي المجند سامر رشيد الذي استشهد فــي محلة القبة، وعرف من القتلى برهان الخطيب وأحمد السيد ومواطن من آل عبد الله.
لم تنته الأمور هكذا، بل وصلت رشقات القنص إلى ساحة الله في طرابلس، دفعت بالقوميين إلى الاستنفار في شارع الجميزات. كما أقدم ملثمون على إقامة حواجز في منطقة المنية، وشهدت تحركات لمسلحين ينتقلون بسيارات بالقرب من جسر أبو علي.
ويعمل بعض الوسطاء والوجهاء من الطرفين لأجل السيطرة على الوضع وإعادة الأمور إلى طبيعتها درءاً للفتنة وتعاظمها أكثر وأكثر.
وفي هذا السياق، دعا الرئيس نجيب ميقاتي الجيش اللبناني إلى القيام بدوره كاملا في حفظ الأمن في مدينة طرابلس، حاثّا الجهات المعنية قيادات وأفرادا إلى رفع الغطاﺀ عن المتسببين بالاحداث وتوقيفهم وإحالتهم إلى القضاﺀ المختص.
كما دعا عضو كتلة "المستقبل" النائب بدر ونوس الأهالي في منطقة الاشتباكات إلى عدم الانجرار لمحاولات إشعال الفتنة وتوتير الأجواﺀ، وإلى ترك المعالجات للجيش اللبناني والأجهزة الأمنية المخولة الحفاظ على الأمن.
قد يكون اتفاق الدوحة نجح في إطفاء نار الحرب الأهلية في هدنة مؤقتة، وخلق نوعا من التوازن السياسي بين الأطراف المتصارعة، لكن ما لم يكن في الحسبان أن يصبح صوت الطائفية أكثر قوة، وليتحول إلى مناوشات عسكرية خلّفت وراءها قتل وجرحى، إبتداء من البقاع، لتمتد إلى جبل محسن وباب التبانة، حيث اشتعلت بضراوة بين السنة والعلويين، ولم يستطع الجيش السيطرة على الوضع حتى اللحظة.
فهل سيصبح لبنان عراقا آخر أو أفغانستان أخرى؟
شيراز شحادة / بيروت

Comments