لبنان بلد الفسيفساء الرائع والحب والجمال، بلد الأقدار المجتمعة والعيش المشترك، بلدٌ توحدت فيه الأعراق والمذاهب لتنتج مجتمعاً مبنياً على التواصل والعطاء الإنساني، بلدٌ خرج منه عظماء الأدب والفن والإبداع، بلدٌ يدق فيه ناقوس الكنيسة وصوت آذان الجامع معاً ليشكلا سيمفونية الإخاء وحب الآخر. إنه لبنان بلد الحضارة في شرقنا!
هكذا عرفتُ لبنان عندما سمعت عنه للمرة الأولى، لكن وبعد قدومي إليه اكتشفت أشياء أخرى لم تكن معلومة لدي، حتى لدى الآخرين الذين طالموا استشهدوا بلبنان في أحاديثهم عن الحرية والمساواة..!
أشياء كانت مخبأة تحت الطاولات وخلف الكواليس تنتظر الوقت المناسب لتنفجر وتُخرج حقد السنين الماضية.
الأحداث التي جرت في أيار المنصرم وما أعقبها من تطورات، ما كانت إلا تأكيد قاطع على أنّ لبنان بلد منقسم حتى العظم والنخاع، وأن المذهبية معشعشة في رؤوس غالبية أبنائه...، لكن ثمة مجموعة من الإشارات التي تتكوم أمام ما يحصل من خراب وهلاك، تظهر بين الفينة والأخرى لتكون شاهداً عما نتحدث عنه الآن: لماذا هذا البلد الصغير يتعرض لكل هذه الضغوط والتشنجات؟ لماذا لبنان بالذات يكون عرضة للمصالح الإقليمية والدولية؟ لماذا؟ لماذا؟ وقائمة الأسئلة تطول....
جاء اتفاق الدوحة وذهب وكأن شيئاً لم يكن؛ فمسألة انتخاب رئيس الجمهورية لم تكن نهاية المطاف، بل كانت بداية لفتح الملفات ومحاضر تصفية الحسابات! وما نشاهده اليوم من لغط حول تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، ليس سوى ترجمة فعلية لما يحصل على أرض الواقع والتنتاحر الحاصل.
"حزب الله"، وللأسف، جرّ الطائفة الشيعية الكريمة إلى هذه المعمعة المذهبية الفظة، واستطاع أن يخلق التفرقة الإسلامية بين السنة والشيعة..!!
على الطرف الآخر، نجد البيت المسيحي هو الآخر يتجه نحو التشتت والتفكك، فميشال عون خرق القاعدة وضرب كل نصائح وتوصيات القيادات والرموز الدينية عرض الحائط، وأوجد شيئاً من الشرخ المسيحي- المسيحي الفاضح.
لم تنجح كل تلك الوساطات والاستشارات العربية والدولية التي جرت في الفترة الأخيرة بحلحلة الأمور نحو الأفضل. فالمعارضة، متمثلة بشقيها الإسلامي والمسيحي، ترفض أي نوع من المساومة والنتازل عن مطالبها، لا بل تزيد الوتيرة بين الحين والآخر، وتحاول بشتى الطرق إبقاء الوضع الأمني على حاله لأسباب وغايات نجهلها؟
لبنان، ولنقولها بكل صراحة، ينزلق شيئاً فشيئاً نحو الهاوية والمجهول. لا بل يصبح أكثر فأكثر قابلاً لأي نوع من الحرب الأهلية والصراع الطائفي والمذهبي. كل يوم هناك اشتباكات وأحداث بين طائفة وأخرى في الكثير من المناطق البعيدة عن بيروت "مركز الاختلاف"!
لبنان يتحول إلى معقل لتكريس الفكر المذهبي الضيق، فهل من مغيث؟
سيروان قجو - بيروت

Comments