(إن الصورة الجديدة المشرقة للبنان واللبنانيين التي أبرزتها التظاهرات والاعتصامات الكبيرة في وسط بيروت قد تهتز إن لم يكملها أداء سياسي مغاير للمعهود)، هذه كانت كلمات سمير قصير يوما، حين كانت لبنان 14آذار غارقة في نشوة الانتصار الاستقلالي، والابتسامة لوطن ديمقراطي وعهد جديد سيمسح عن وجه لبنان كل غبار الاستبداد البعثي ورموزه التي طفحت بالحياة اللبنانية وسخرتها لمصالحها الذاتية.
اليوم، شهدنا كيف استباح "حزب الله" بيروت الحرية، وغرز خنجره الفارسي في قلبها ليرفع راية الوصاية الشمولية البوليسية فوق الروابي، وكأن لبنان عائد للوراء، إلى ما قبل الانتفاضة والاستقلال. كنا هنا نلمح كيف يتهاوى بسرعة ما صنعه سمير قصير ورفاقه من أحرار انتفاضة الاستقلال وربيع بيروت أمام عجز قوى الأكثرية، التي انصاعت بخجل تحت عباءة أمير قطر لرغبات وتسويات سياسية "بنسلينية"، هي هدنة ظالمة لدولة لبنان المدنية والقانون الانتخابي المتمدن وتحطيم للديمقراطية وحكم المؤسسات، وبروز عنصر الطائفية وشبحها بقوة أكبر.
هكذا اليوم لبنان بلد الطائفية والمذهبية، كل رئيس قبيلة أو طائفة يحدد حصته داخل الدولة المزعومة تحت ستار حكومة الوحدة الوطنية. وتحت على الأرض تداس الحقوق والمواطنة والإرادة الشعبية، وعلى دعاة المجتمع المدني الصمت بحجة الحفاظ على أمن الوطن والمواطن؟!
لو كان سمير قصير حيّا لوقف بسخط في وجه كل هذا، لكتب مقالا طويلا عن رفضه لحكم العسكر، وللقانون الانتخابي المفصل كالكعكة التي تكفي حاجة وجوع الطائفة والزعامات الإقطاعية، ولخرج مع أصدقائه إلى ساحة الشهداء مناديا إلى الحرية، والانتفاضة داخل الانتفاضة، لأجل إنقاذ البلاد من وصاية الحكم المذهبي والعبثية العربية المشتتة لكل ما هو في مصلحة الشعوب التواقة للحرية والحكم الرشيد ودولة المؤسسات.
هذا التصور هو حقيقة لم يستطع صانعو الانتفاضة كتمانها، وخرجت من أعماق النائب إلياس عطا الله الذي قالها بوجع: "نحن بحاجة لانتفاضة أخرى تنقذ البلاد من هذه الحالة الغريبة والمخيفة، والتي قد تعيدنا إلى زمن الوصاية السورية".
نعم، لبنان أسعف بسرعة، وكان الدواء هو الطائفية وترقيع الدولة بخرقها للحفاظ على أمن المنطقة ومصالح الآخرين، وليشهد من كانوا روّاد ساحة الشهداء يوما، حلمهم الجميل في الوطن المدني والديمقراطي (ينهار) كقلعة الرمال في لحظات مع عجزهم المشلول عن فعل أي شيء.
حقا إنها تراجيديا حياتية مؤلمة، لا تقتصر نتائجها السلبية على بيروت فقط، بل تزحف كما الريح إلى دمشق ونشطائها المعارضين لثقافات الاستبداد التي عاشت إلى اليوم على أحلام وردية، وهو أن ربيع بيروت سيكون ربيعا لها. فهل كانت نهاية أحلامنا على هذه الفاجعة أن نموت حزنا مع الأمل بالمستقبل الأبيض، كما يموت حلم الحرية والاستقلال؟ لا يمكن أن نستسلم جميعا، سوريون ولبنانيون، لأن المعركة بدأت من جديد، والانتفاضة الجديدة ستكتب حتما نهايات الخريف العاصف، ليكون الفصل الأخير ربيع الإنسان الحر والمستقل.
بيروت

Comments