والفتنة السنية الشيعية ما زالت تشتعل
شيراز شحادة
خاص ثروة
الالتفاف حول الموضوع لم يعد مجدياً، ونكران الأمر لن ينفيه، وإن تكتمت بعض وسائل الإعلام عن الأمر أو نشرته. اليوم لم يعد خافياً على أحد أن ثمة فتنة مذهبية بين السنة والشيعة في لبنان، وهي في أوج اشتعالها منذ الأشهر التي مضت وحتى هذه الأيام، وهي لا تقتصر على الحوادث المتفرقة والاعتداءات بالضرب والخطف المعلنة وغير المعلنة التي تشهدها خطوط التماس الجديدة بين أتباع المذهبين في العاصمة بيروت ومختلف المناطق اللبنانية المختلطة. هذه الفتنة، لا تنتظر تحديد المسؤولين عن إشعالها والبادئ فيها، ولا الاتفاقات التي تؤدي الى إطفائها.
نسبة للوضع الراهن في البلاد، من بطالة عند الشباب إلى غلاء معيشي لا يطاق، إضافة إلى الأجواء السياسية المشحونة، ناهيك عمّا مرّ به لبنان منذ استشهاد رفيق الحريري من مسلسل اغتيالات متكرر إلى حوادث أمنية وتظاهرات واعتصامات وإقفال وسط بيروت، وصولاً إلى ما حدث مؤخراً في 6 أيار، والعصيان المدني وانقسام لبنان إلى جمهورين، موالي ومعارض، حيث كل هذه الظروف أدت إلى احتقان عند الشعب اللبناني وولدت هذه الفتنة وأشعلتها.
المشكلة أن الفتنة عند اللبنانيين أصبحت هواية يمارسونها ويتخفوا من خلالها تحت ستار الدين والوطنية؛ وها هم اليوم يمارسونها كلما انسدت أبواب النظام السياسي في وجههم، وتباعدت الحلول عن ناظرهم، أو تزعزع محيطهم العربي والدولي، أكثر منها استجابة لطقوس دينية ومعتقدات إسلامية؛ إنها ومِن دون مواربة استجابة لنداء زعمائهم وقاداتهم السياسية المبطنة، ولتصفية حساباتهم وأحقادهم ومصالحهم الفردية!
الفتنة في لبنان هي تطور طبيعي وأمر لا مفر منه لما يحصل على الأرض من صراع بين طرفين سياسيين خرجا عن النطاق السياسي المألوف، ولم يبق منهما سوى فريقين سياسيين متنازعين ومتناحرين يقودان لبنان في اتجاهين مختلفين، في حين ضاع الخيط الثالث للحل أو تلاشى نتيجة الوضع القائم، ونتيجة الحرب الأهلية التي حاصرته وفرقته لسنوات طويلة، وتناسوا أن الدين لله والوطن للجميع، وأن لبنان لمختلف طوائفه ومذاهبه، وأن تميزه بألوانه المذهبية هو سر وجوده.
إن الحوادث والاشتباكات الأمنية اليومية المعلنة وغير معلنة التي نسمعها ونشهدها نحن في الأحياء والعاصمة غير التي تكتب في الجرائد وتبث على شاشات التلفزة. وما نراه ونسمعه هو الفتنة بأم عينها، على الرغم من عدم الإعلان عنها بشكل مباشر، إنها فتنة مذهبية طائفية بحت، وإن زعمت وسائل الإعلام أنها حوادث سياسية أو فردية، وأن المتورطين فيها ينتمون إلى أحزاب وتنظيمات وتيارات سياسية لم يعد خافياً على أحد هويتهم الأصلية، وكذلك يعلم متتبعو الإنترنت ما يجري تداوله على شبكات النت من قبل مستخدمي الشبكة من اللبنانيين السنة والشيعة أن ما يحدث أمر مخيف وخطير ويزيد الأمر اشتعالاً واحتقاناً، فالوضع السياسي القائم يزيد الفتنة اشتعالاً، وقد يؤدي إلى حرب أهلية قاتلة مقارنة بسابقتها، حيث أصبح الآن هناك تفنن في القتل والخطف والذبح على الهوية.
من قال إن اللبنانيين تعلموا دروساً من الحرب الأهلية الماضية؟ مجرد الحديث عن هذا الموضوع هو مضيعة للوقت وهراء، وخير دليل على ذلك ما شهدته الأيام الأخيرة. خلال ساعات قليلة قطعت الطرقات وأشعلت النيران وأطلق الرصاص والقذائق واستعملت جميع أنواع الأسلحة من العيار الخفيف والثقيل، وهرع المسلحون إلى الشوارع، ونسوا أو تناسوا كل ما قرأوه وسمعوه عن الفتنة المذهبية والحرب الأهلية وعن الضحايا التي سقطت، والدمار الذي خلفته تلك الحرب المآساوية والأضرار التي نجمت عنها، وما زلنا نعاني منها حتى الآن، وما زالت أصدؤها تتردد في ذاكرتنا.
وإلى أولئك الذين يقولون إن الجميع في الخارج والداخل لا يريدون فتنة مذهبية في لبنان، فهم مخطئون وواهمون، ويكفي التعامل مع الشعب اللبناني على أنه غبي وساذج، وإلا فلماذا يرسلون المال والسلاح والكتب والنصوص المذهبية، التي يتلقاها السنة والشيعة، ويتغذون عليها يومياً وعلى ومدار الساعة.
كل الذي يجري على الساحة اللبنانية والمعطيات تشير بأن عامل الثقة بين طرفي المعارضة والموالاة لا يزال مفقوداً، رغم جلوس الأقطاب على طاولة الحوار في قطر وتوقيعهم على اتفاق الدوحة، وبالتالي فإن أي إشكال بسيط سيكون موضع نقاش حول أبعاده وخلفياته، وسيطرح تساؤلات عن مدى وجود مخطط مستتر للإطاحة ببنود الاتفاق، إن كان من جانب المعارضة للتهرب من تطبيق البند المتعلق بالسلاح وعلاقته بالدولة وعدم استخدامه في الداخل. أو من جهة الأكثرية للتهرب من الثلث المعطل في الحكومة وقانون انتخاب العام 1960، مع فارق أن الطرف الأول يمتلك ترسانة هائلة من الأسلحة يستخدمها في معارضته وفرض شروطه وإملاءاته على الآخر!
ولكن هل يعقل أن تعيد الأطراف اللبنانية الداخلية الوضع اللبناني إلى ما كان عليه لبنان قبل اتفاق الدوحة، وإعادة التوتر الذي كان سائداً في الشارع؟
العديد من الأصوات والأوساط النيابية تعتبر أن ثمة احتمال عودة التوتر في أي لحظة كما حصل قبل أيام، وتؤكد أن الإشكالات الأمنية التي حصلت مؤخراً، ونذكر منها إطلاق النار على أحد أنصار "تيار المستقبل" عماد زغلول، ثم الاعتداﺀ على المواطن علي صبرا، أو توقيف فريق المؤسسة اللبنانية للإرسال في بشامون، أو إحراق إطارات قرب الطريق الجديدة، أو قطع طريق قصقص، وكذلك ما حدث ليلة أمس حيث قتلت سميرة شكر مظلوم وحسين علي الطقش برصاص مسلحين بعيد منتصف الليل في منطقة الطريق الدولية في بر إلياس عند مفرق المرج. وبالتزامن مع الاشتباكات العنيفة التي اندلعت في منطقة سعدنايل تعلبايا، أقدم مسلحون على إطلاق النار عشوائياً، في منطقة بر إلياس ـ المرج، كما أصيب الطقش أثناء مروره بسيارته على الطريق الدولية في بر إلياس. وشهدت منطقة سعدنايل وتعلبايا اشتباكات عنيفة لم يعرف حتى الآن أسبابها وظروفها وسبب اندلاعها، وتخللها استخدام لمختلف أنواع القذائف الصاروخية والأسلحة الرشاشة، وذكرت معلومات أمنية أن قصفاً مدفعياً طاول أحياء تعلبايا وسعدنايل والطريق الرئيسية، ما فرض على الجيش اللبناني الانسحاب من داخل أحياء البلدتين وإقفال الطريق الرئيسية الممتدة من كسارة مروراً بسعدنايل وتعلبايا وصولاً إلى شتورا. وقرابة الساعة الواحدة فجراً خفت حدة الاشتباكات، مما سمح للجيش اللبناني بالتحرك لكن ضمن الحذر الشديد، وغيرها من الأحداث جميعها تشير إلى أن النار لم تهدأ بعد، والنفوس لم تطمئن، والجرح لم يلتئم حتى اللحظة.
ولكن في المقابل، ما حدث في الشارع قبل اتفاق الدوحة مختلف عن بعده، لأن هناك مستجدات حصلت بعد اتفاق الدوحة أهمها انتخاب رئيس للجمهورية مدعوم سياسياً وشعبياً وعربياً ودولياً، فالجيش اللبناني الذي كان يفتقد إلى قرار سياسي موحد مبني على التوافق أصبح وضعه اليوم مختلف، وأن موقف الحياد لم يعد مقبولاً، حيث من المفروض أن الجيش سيكون صارماً وحاسماً في حال حدث أي خلل أمني مجدداً.
يبدو أن كل الاتفاقات التي عقدت لحل الأزمة اللبنانية لم تحقق الحل النهائي للمشكلات التي كانت قائمة في لبنان. والوضع ما زال متوتراً، ولكن لماذا في لبنان تتحول المشكلات دائماً إلى حروب دموية؟
بيروت
Comments