خطيبٌ في زمن الطوارئ
خطيبٌ في زمن الطوارئ
أمجد إبراهيم
.
.لما كان السجود هو خطوةُ البدءِ في طريق التعبد والعروج نحو الله، فقد أطلق على بيت العبادة عند المسلمين لفظ المسجد، ولما تحول المسجد فيما بعد إلى مكان يتجمع فيه المسلمون لتأدية صلاتهم فيتجادلون ويناقشون في أمور دينهم و دنياهم، فقد سمي حينها جامعاً، ومع ازدياد الحياة تعقيداً وتقدماً صار يفترض بهذا الجامع التقليدي أن يتبدل إلى مؤسسة مستقلة تعنى بالشأن الديني، وباعتبار أن الفكرة الإسلامية قائمة على أن الإسلام دين ودنيا، فحينها يضاف إلى اهتمامات هذه المؤسسة كلٌ من المناحي التربوية والاقتصادية والاجتماعية وبالتالي السياسية.
الجامع أو المسجد أو المؤسسة الدينية -إن جاز لي وصفها بالمؤسسة- هو جزء من منظومتنا الاجتماعية والحياتية و لربما هو إحدى أهم المؤسسات الكثيرة المعطلة في بلادنا وإن كنا لا نشعر بكون الجامع هو مؤسسة وأن هذه المؤسسة معطلة فلأننا دون أدنى شك لم نجتز بعد في لا وعينا مرحلة السجود، ولازلنا نقرأ وجود تلك الجوامع التي بلغ عددها في سوريا ثمانية آلاف على أنها مساجد فقط.
فالجامع (مع حفظ مكانته) مؤسسةٌ معطلة كسواها من المؤسسات في بلدنا، وبالمعنى الأدق والأكثر قرباً لإدراكنا أنه مؤسسة لم تشفع قداستها في تأمين الحماية الكافية لها ضد الفساد المستشري عموماً في مختلف القطاعات، فإملاءات الأجهزة الأمنية تنطلي حتى على دور العبادة، ومنابرُ المساجد كما ما يبدو لم تعد مكاناً مناسباً لإمامٍ ينشد العدل وإنما مكانٌ يناسب فقط من يجيد الدعاء للسلطان.
"عبد الصمد محمد علي عمر" إمامٌ وخطيبٌ لأحد المساجد في سوريا، أتهمته الأجهزة الأمنية بتحريض المواطنين ضد الدولة، ولمن لا يعلم، فإن هذه التهمةُ غالباً ما تطالُ من لا تهمةَ له. سأل المحقق عبد الصمد خلال التحقيق: لصالح من هذا التحريض؟ سؤالٌ بدا غريباً تماماً لإمامٍ يسعى ليكون ممن اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، ولكن لا بد لهذا الخطيب أن يدرك بعد هذا السؤال أن التحريض لصالح الله! أو سواه، أمرٌ لا بد سيحمله في النهاية لكتابة تصريحٍ لدى إحدى الجهات الأمنية يتعهد من خلاله بعدم الصعود إلى المنبر مرةً أخرى.
هذا ما حصل مع "عبد الصمد عمر" إمامُ وخطيبُ مسجدِ "البر" في مدينة القامشلي بعد أن استدعته الأجهزة الأمنية، فتعهد لها بعدم الصعود لمنبر الجامع وألا يخطب في الناس بعد اليوم، لكنهم سمحوا له بالسجود متى شاء في أي مسجد كان، فلا ضير من السجود والصلاة.
تخرج "عبد الصمد عمر" من كلية الشريعة بجامعة دمشق وهو الآن في الخامسة والأربعين من عمره، حاصل إلى جانب إجازة الشريعة على شهادةٍ من معهدٍ متوسطٍ للصناعات الهندسية (كهرباء إلكترون)، زرتهُ في محله الصغير وسط المدينة الذي يعمل فيه على إصلاح وتصميم بعض الإلكترونيات واللوحات الإلكترونية، وعمله هذا مصدرٌ لمعيشته، وبالإضافة لعمله هذا فهو يؤدي مهمته كخطيب وإمام دون مقابل مادي، فهو يرجوا ثوابه من الله فحسب، وبينما كنت أحاول البحث بين تلك القطع واللوحات الالكترونية الكثيرة والمبعثرة من حولي عن سؤالٍ ما أتوجه به لهذا الخطيب، فاجأتني صورةٌ صغيرة للسيد المسيح ملتصقةٌ بلوح البللور لواجهة المحل الجانبية من جهة الداخل، وقبل أن أسأله بشأنها أجابني: "أنا مؤمنٌ بالمسيح كما أؤمن برسول الله محمد،" ثم تناول بيده لوحة من بين تلك اللوحات الإلكترونية وبدأ بفحصها و ردف يحدثني وهو منكب يحاول إصلاح الخلل في تلك الدارة: أنظر لهذه، مشيراً بيده نحو صورةٌ أخرى تحمل رسماً لزعيم حزب الله اللبناني (حسن نصرالله)، فهمت ما يقصده خطيبنا، فهو يريد القول بأن خطه الديني بعيدٌ عن الطائفية والمذهبية في الوقت الذي أصبح من أهم سمات عصرنا تلك النهضات الطائفية المريبة، لكن فضولي دفعني لأسأله عن موقفه من أطراف الصراع الداخلي في لبنان فأجابني: "أنا اعتبر السيد حسن رمزاً لمقاومة الصهيونية وأرى فيه موحداً لشمل الأمة الإسلامية،" ثم تابع يتحدث عن مدينته وتعايش المسلم بجانب المسيحي والكردي بجانبِ كلٍ من العربي والسرياني، وأخذ يتحدث عن تاريخ المدينة، ثم حدثني عن قصة المسجد الذي كان يخطب من منبره وكيف تم استدعاؤه قبل أربعة أيام ، فقاطعته متسائلاً: أنت رجل دين ما حاجتك لتحريض الناس ضد الدولة؟ رفع عينيه عن تلك اللوحة فوضعها جانباً وألتفت إلي قائلاً بتبسم: "نعم لقد كررت الدعوة للتآخي والوحدة والاتحاد والعيش المشترك بين المسلمين بمذاهبهم المختلفة سنةً وشيعة وبقومياتهم المختلفة كرداً وعرباً من على المنبر عشرات المرات، ثم هل تصدق أني أحرض الناس، أنا لا أحرض الناس أنا أقول الحقيقة، أنا أُعَرِفُ الناس بحقوقهم المكتسبة شرعاً وقانوناً وعرفاً وولادة طبيعية مع الإنسان، فهل التعريف بحقوق الناس صار تحريضاً."
تساؤلٌ مشروع طرحه هذا الخطيب لكن هذا السؤال محالٌ للفروع الأمنية التي اعتادت أن تسأل دون أن تُسأل، لكني عدت لأسأله قبل أن يعود لإكمال العمل على تلك اللوحة المستسلمة بين يديه، ترى لماذا منعوك إذاً من الخطبة في الناس من فوق المنبر ؟ فأجابني: "التيار الإسلامي له امتداد تاريخي ولا يمكن أن يوقفه شيء وهذا الامتداد يخافه الظالمون على مدى التاريخ."
إجابته كانت مقتضبة جداً على غير عادة الخطباء، لكن ليس في الأمر من غرابة، فنحن الآن نتحدث في شأن سياسي والإجابات القصيرة في السياسةِ ميزةٌ وليست عجز، عدت لأقول له بأن نظامنا نظامٌ علماني وربما هو السبب في تدخل الأجهزة الأمنية في شؤون الدين ومنعك من إلقاء الخطبة فكان رده بالنفي: "السبب هو أن الفساد منتشر في جلِ دوائر الدولة، يقول الله تعالى "إن الأرض لله يرثها عباديَ الصالحون" أي الذين يصلحون الأرض بإعمارها، فالرشوة وتعيين غير الأكفاء وأكل المال العام أصبح سمة لهذا المجتمع وهذا كله منافي للإسلام ومبادئه العادلة والحديث عن بعضٍ من هذا كافٍ ليدفع الأجهزة الأمنية للتدخل وليس لأن النظام علماني."
إجابته هذه كانت كافية لتجعلني أعود فاستوضح منه إن كان مؤمناً بالمنهج العلماني في الحكم ورأيه فيه، فكان جوابه: "دولة الرسول محمد هي دولة علمانية، فتعيين الأكفاء من البشر بدون النظر لمعتقداتهم أحد أهم أركان الحكم العلماني والإسلامي ولعل وقوف الفقه الإسلامي عند هذه النقطة كان جلياً من خلال إجازة دخول طبيب نصراني إلى الحرم المكي الشريف لمعالجة المسلمين وهو خير مثالٍ على أن الإسلام يرجح الكفاءة على الانتماء."
ثمانية آلاف مسجدٍ في سوريا حسب بعض المصادر تملأ جميع الأحياء وتختلف في مظهرها الخارجي من منطقة لأخرى ويصل بعضها حداً من البذخ والترف العمراني ما يشد الناظر للتدقيق في أدق تفاصيلها أياًٌ كان انتماءه الديني، ويجعل المسلم قبل غيره يتساءل عما يجري بداخل بيوت اللهِ هذه المرخمة بأنفس أنواع الرخام والمزينة بكل ما من شأنه أن يزيد من جمالية مظهرها الخارجي، فقببٌ ضخمة ومنارات شاهقة ومنابر وردهات مزودة بأنظمةِ تدفئة وتبريد، وهذه المظاهر بالطبع لا تنطبق على كل المساجد، إذ واقع الحال يدفعنا مجازاً لتصنيف بعض تلك المساجد على أنها من فئة (الخمس نجوم) وهكذا فستجد وفقاً لتقديرك مسجداً بأربع نجمات ثم ثلاثة، إلى أن تصل إلى مسجدٍ بأحد الأحياء الفقيرة بالكاد ترى فيه مكاناً مناسباً للوضوء، أو قد لا تجد، ولكن هل ما يبث في الناس من فوق تلك المنابر جمعاء يتماشى مع ما تصف به تلك المساجد من أنها بيوت الله؟ وعدا عن أن الصلاة تثاب في هذا المسجد أو ذاك بذات القدر من الثواب فأن المشترك الذي تتقاسمه بيوت الله تلك، هو الخطوط الحمراء التي ينبغي كبح الضمائر والذمم عند حدودها.
عاد عبد الصمد لتفحص تلك الدارة الإلكترونية وهو يقول: "حالة الطوارئ لا تستثني أحداً،" فسألته: أنت تشعر بأن لديك مهمة عليك القيام بها كرجل دين فكيف بإمكانك التواصل مع الناس بعيداً عن المنبر؟ فكان جوابه: "في الأوقات المتاحة والظروف المتاحة والأماكن والظروف المناسبة وليس من الممكن أن ابتعد عن الناس ومشاكلهم وهمومهم واحتياجاتهم ولكن ضمن طاقاتي وإمكاناتي" قاطعته هنا: ألا تخشى أن يزعجوك أكثر ؟ فقال: "إن من أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، ولقد بعت نفسي ومالي وروحي لله ولن أخشى في ذلك لومة لائم."
Comments