الخوف من الاختلاف
كيف يمكن للفرد أن ينتج ذاته الحرة وشخصيته المستقلة في مجتمع يسعى جاهدا ليصبح فيه كل شيء متشابها
إنانا حسن
إن الاختلاف و التنوع بين البشر أمر طبيعي و واقع موضوعي لا يمكن إلغاؤه أو تجاهله، بل إن إلغاء الاختلاف هو إلغاء لقانون الطبيعة، و حين لا يملك الناس القدرة على الاختلاف فإنهم يتصرفون ضد الطبيعة.
كل إنسان هو شخص فريد، له مميزاته الخاصة، غرائزه، ميوله، انفعالاته و أفكاره.. يحق له أن يختار سلوكه الشخصي، أن يقرر مصيره، و أن يحدد حياته بما يتفق مع رغباته و ميوله و يلبي حاجاته المادية و المعنوية، كما يحق له أن يعبر عن آرائه و أفكاره الخاصة، و ليس لأي سلطة أن تفرض عليه أسلوباً معيناً في الحياة أو نمطاً في السلوك أو التفكير.
في حياة أي فرد منطقة لا يحق لأحد التدخل فيها، و هي دائرة حياته الشخصية و حريته الذاتية، أي مجال اختلافه عن الآخرين، و الحرية هنا ليست حالة بل إمكانية، أي أن يقدر الإنسان على ما يريد.
مجال الاختلاف هو مجال التفرد و الفرادة و الإبداع و الابتكار ، و مع ذلك فهو المجال الذي يخضع للقيود والقوانين و الأعراف...
لماذا كل هذا الخوف من الاختلاف؟ و هل استبدل الإنسان انفعالاته كلها بالخوف؟ ... التنوع هو جوهر الحياة، و ليس غريباً اختلاف الناس في الأفكار والتصورات والمعتقدات والعادات والتقاليد، ولكن الغريب حقاً محاولة جعل الناس كلهم يؤمنون بفكر واحد، وثقافة واحدة، ومعتقدات واحدة، الغريب هو الاستبداد بالرأي والانفراد بالحقيقة و قهر الآخرين على الرأي الواحد، والموقف الواحد.
تحاول السلطة أن تفرض طريقة جماعية في التصرف، و في صراع الإنسان مع القوى الاجتماعية والثقافية و السياسية، إما أن يتماهى مع الثقافة السائدة و يتخلى عن أحلامه في التغيير ، أو أن يعيش منفصلاً عن الواقع ، مغترباً عنه، و كلما ازداد وعيه بذاته تزداد عزلته ثقافياً و حياتياً، و يزداد اغترابه عن القيم التي تحكمه. يشعر باختلاف ذاته عن الآخرين و فقدان الصلة معهم، و من ثم ينعدم إحساسه بالقدرة على تغيير هذا الواقع الذي يسحق شخصيته و يشوهها، هذا الواقع الأكثر تلاؤماً مع الرغبة الجماعية، و ليس الأفضل أو الأكثر منطقية.
لا شك في أن الحق والقوة متلازمان، و أن من يمتلك السلطة يمتلك الحقيقة المطلقة، و السلطة بكافة أشكالها، سواء كانت سلطة الأسرة أو المجتمع أو الدين أو الدولة شكل من أشكال الاستلاب والاغتراب، فكيف إذا كانت هذه السلطة مستبدة؟!!
لقد أعاد الاستبداد السياسي إنتاج نوعاً من الاستبداد الاجتماعي و الديني أعنف و أكثر صرامة، أساسه قوة العرف و العادة و سطوة القيم السائدة و استهجان كل جديد و رفض كل انحراف أو خروج على الجماعة، فأصبحت ثقافة التحصن و الانعزال داخل المفاهيم الانغلاقية و الاستحكامات الفكرية الدفاعية هي المزاج السائد في مجتمعاتنا، و أنتجت مفاهيم الكراهية و عدم التعايش مع الآخر و رفض المختلف.
الفرد كائن محروم من الاختيار وكل ما يفعله هو تكرار لما يأمره به الآخرون. يتصرف كما يقبلونه ويعتقد ما يعتقدونه. منذ الطفولة يربى على التلقي النظري للأفكار والعلوم، ما يؤدي إلى إغفال دور العقل، وانعدام القدرة على مناقشة الرأي الآخر و المحاكمة المنطقية. يتأسس في وعيه الداخلي الخوف من التصدي للشعور السائد والرأي العام. هذا الوعي يفرض نفسه على الفرد بسطوة المجتمع القاهر لكل تملص أو انزياح والحريص على تربية العقول على الطاعة والإذعان، فيصبح كل موقف نقدي هو اعتداء على المقدسات والمحرمات، وتكتسب العقائد والأفكار والأعراف صفة القداسة وتتحول إلى مسلمات لا يمكن الخروج عنها أو تداولها على أنها وجهات نظر قابلة للخطأ والصواب، وكل من يحاول نقدها هو خارج عن الجماعة ويستحق العقاب بدءاً من النفي الاجتماعي والإقصاء إلى التكفير والتخوين أو حتى التصفية الجسدية. كل من يحلم بالتغيير جزاؤه التضييق حتى على لقمة العيش حفاظا على وحدة المجتمع، والنتيجة الطبيعية لذلك غياب الإنتاج الفكري مما يجعلنا أمة مستهلكة بدل أن تكون منتجة و تقف مسيرة الحركة الفكرية عند حدود الموروث الثقافي.
هذا الموروث الإلغائي التكفيري تكرسه الأنظمة المستبدة بتحالفها مع رموز القوى الدينية للحفاظ على استمراريتها بحيث بات الفرد محاصرا بين الاستبداد السياسي والاستبداد الاجتماعي الديني الصارم.
يحاول المجتمع فرض عاداته و أفكاره و وضعها في مقام القواعد العامة للسلوك، فيعوق نمو الشخصية الفردية التي لا تتفق مع أساليبه في الحياة، بل و يمنع تكوينها، و يجبر الجميع على أن يشكلوا أنفسهم وفقاً لمبادئه و مثله.
ولا يتوانى الاستبداد السياسي والاجتماعي عن انتهاك الحياة الخاصة للفرد فيقوض استقلاله، ويقمع ذاتيته، ويذيب فرديته في سديم اجتماعي مقفر وغير قادر على الإبداع.
كيف يمكن للفرد أن ينتج ذاته الحرة وشخصيته المستقلة في مجتمع يسعى جاهدا ليصبح فيه كل شيء متشابها رغم كل ما بين الأفراد من اختلافات ذهنية ونفسية ومادية، وهل ثمة ذات حرة مستقلة بدون عواطف ورغبات تعارض محرمات المجتمع التقليدي.! الحماسة الفردية تتطلب الاعتراف بفردانية الفرد وبشرعية الاختلاف وتنوع المواقف وهذا ما يتطلبه بناء الشخصية المستقلة الحرة التي تتجلى في التحرر من التقليد والتكرار والنمطية وهنا يكمن سر الإبداع والابتكار.
إن المجتمع الذي لا يعترف بذاتية الفرد واستقلاله هو مجتمع عبودية، قيمه وأخلاقه هي قيم العبودية وأخلاقها، والمجتمعات التي لا تنمو فيها هذه الاختلافات الفردية هي مجتمعات سقيمة و غير قابلة للتطور،كما أن العلاقات الاجتماعية السليمة يجب أن تقوم على الاعتراف بالآخر وحريته لا أن تتحول إلى علاقات عبودية وتملك تصبح فيها المشاعر الجميلة التي تربط الناس ببعضهم قيوداً ثقيلة، فالحب فعل حرية وليس فعل عبودية.
إن الشعور السائد و الرأي العام- ما هو مشترك ومتفق عليه- يغدو قانوناً عاماً لأن القبول والمشاركة من الآخرين يكفي لتسويغ مسائل الأخلاق، فالمبادئ والمعايير الأخلاقية المعترف بها هي مبادئ ومعايير الطبقة السائدة المنبثقة عن مصالحها الخاصة. مع هذا القبول والمشاركة، يصبح الفساد والرشوة مثلاً قيمة مقبولة في مجتمعنا وجزءاً من ثقافته والمرتشي شخصاً طبيعياً تبرر أفعاله تلقائيا، بينما الشريف هو الشاذ، الغبي، أو حتى المجنون.
لن نستطيع استيعاب الحضارة الإنسانية والتفاعل معها و مشاركة المجتمعات المتقدمة في إنتاجها طالما بقينا نتناول عقائدنا على أنها حقائق مطلقة... إذا لم ننزع صفة القداسة عن الأشخاص أو الأفكار أو المبادئ أو العقائد ونعترف بشرعية الاختلاف ونسبية الحقيقة و المبادئ، و أن أحدنا لا يملك الحق المطلق، ولا هو على الصواب دائماً.
إن جميع الأفكار متساوية في القيمة والشرعية واختلاف الآراء وتنوعها هو السبيل الوحيد للوصول إلى الحقيقة والتمييز بين ما هو جدير بالبقاء وما يجب حذفه وإلغائه، فالكثير من الأفكار التي كانت خاصة وفردية وخارجة عن المألوف أصبحت جزءا من الرأي العام السائد والكثير من الأفكار المقبولة اليوم ستنبذ غداً، والتاريخ البشري حافل بصور اضطهاد المفكرين الذين لا يعترف بفضلهم إلا بعد أن يكونوا قد دفعوا غالياً ثمن أفكارهم الجديدة التي تخالف العرف السائد. ربما كان طرد آدم من الجنة أول ثمن يدفعه الإنسان لخياره في أن يكون مختلفاً عن باقي الكائنات..
لأن الإرادة والاختيار الحر وحب المعرفة هي أكبر خطايا ابن آدم.
الخوف عدو تاريخي للإبداع والحرية والحلم..
لنتحرر من خوفنا قليلا...
ولنخاطر بأن نكون مختلفين...
Comments