Tharwalogs

News & Analyses (Arabic)

« تقرير عن الانتخابات التشريعية في سورية | Main | الفقر والبطالة مشكلة عالمية »

April 08, 2007

تقطيع أوتار أورفيوس التاريخي

برهان شكري


Orpheusmorecr80 ربما هي الأسطورة، أو ربما هي واقعة تاريخية، تلك التي حوَّلت، شخصاً، كائناً، اسمه أورفيوس، إلى أن يكون عاشق الموسيقى، أو معبودها، وشهيدها: أورفيوس اليوناني الذي عاش قبل أكثر من ألفي عام، والذي قاده حبه للصوت، وللمرأة التي كان يحبها، وهو يجسّد فيها صوته، وربما ليتجسد بها، مظهراً توقه إلى المتولّد في الصوت الكامن داخله، ربما ثانية، ليعبّر عن حضور المطلق فيه، وهو يستشرف فذاذة الأنثى هنا، رغبة في إحيائها، فيختفي في الصوت، ليبقى صوته، صوت موسيقاه: جامع النقيضين: الأليفين أصلاً، تحدياً للمتداول خارجاً، أو في محيطه، ليبقى الاسم، كما لو أنه ولادة الموسيقى التي تتجاوز الحدود واللغات، كما يعلم أولو أمر التاريخ، الولادة المتجددة، ما بقي دهر، أو إنسان، أو كائن، أو حتى جماد.


أورفيوس الذي  استحالت أعضاء جسمه أوتاراً في المحيط، وتناثرت إيقاعات، دفاعاً عن الهوى، هو النقائض، ذاك الذي حمله في داخله.


وربما أراد أورفيوس أن يقول : لا، للجسد الذي يحمله، في محدوديته، رغبة في مكاشفة روحه، بأبعادها الكونية، أن يذوب في روح أنثاه، لتشكل الروحان معاهدة صوت مركَّب، لا يمكن للزمن فصلهما، وليغيب الانتماء الجنسي في كليهما، وينعدم الفصل بينهما، فحيثما تلفَّت تسمع صوتاً، وحيثما أصغيت ، تستشعر روحاً تعبّر عن كينونتها دون وسيط ترجماني، وأنى اتجهت يكون الصوت، ولكن دون أي إمكانية لمعرفة نسبة حضور كل منهما للآخر.

الموسيقى، باعتبارها صوتاً يتشعب إيقاعات شتى، ظل الملهم لكل عابر حدودي، للغات، للإبداع، للقيمة المثلى لما هو منشود، وليكون المبدعون في الأدب والفن، وحتى في العلم، متخذين من أورفيوس الصوت، ما هو كوني.


وحديثاً، يبرز المصري ، والأمريكي الجنسية، الناقد الحصيف : إيهاب حسن، ليقدم وجهاً متقدماً من وجوه الروح الأورفيوسية في الابداع، موقظاً أورفيوس الذي كان، والكائن في لاشعوره التاريخي التليد، مدشناً أفق الصوت المفتوح فيه، أبعد من حدود المسيَّج اللغوي أو خلافه، أي كيف يمكن للموسيقى أن تكون دون وسيط مادي، أن يكون صوت منغَّم، ويكون الفضاء هو الكفيل ببثه، ويكون التعارف بالصوت، وكأن التحدي الأكبر للانسان، هو أن يقاوم جدار الفاصل القائم بين ما هو منصوب داخله، وما هو مغروس فيه من الخارج، وينطلق بروحه، ليلتقي أرواحاً.


أورفيوس الرواية:

ليس من لغة، إلا وتكون صوتاً في البداية، ليس من صوت، إلا ويكون دالاً على كائن، هيئة، حالة، علامة ما. كلٌّ بما يكون رهين. في الصوت وإلى الصوت، يكون الكائن تشابهاً واختلافاً، لهذا كان الحديث، ويبقى الحديث عن الصوت المميّز لكل منتم ٍ إلى الكوني، والكوني مميّز أصواته بأصواته، إذ ليس من صوت إلا ويعرف بمختلَفه، ليس من صوت ما إلا ويبرز تمايزه، لهذا جرى التركيز على الموسوم بـ( الفونيتيك)، حيث ما من إنسي هنا، إلا ويكون له صوته، مهمازه الصوتي، تميزه الأذن الناطقة بحصافة إصغائها. وفي الصوت تتوحد الأرواح، وفيه كذلك، يكون حنين الروح، في منحاها الكوني. فأن ننجذب إلى صوت ما، أن نتجاذب صوتياً، هو أن نحسن اعتماد أبجدية الصوت في كليته، أن نعبر برزخ الجسد المادي، ونلتقي في كلية الصوت، حيث لا يكون انجذاب إلا إلى الأصل الموحّد فينا، الأصل الذي نُخطئه معنىً.


لهذا، ومن هنا، كان تجاوبنا المتعدد المستويات، قوة أو ضعفاً، لجلاء الصوت، فنسميه تسمية معينة، ونحن في الحقيقة، لا نسمي إلا ما هو كائن فينا، أي نسمي حدودنا الروحية، مدى تجلي الروح ، توليه فينا وبنا. إننا إذ نعلو أو نسمو بقيمة صوتية ما، أو نشيح بوجهنا عن صوت ما، فإنما نحدد موقعاً لنا في الصوت، إما لأن الذي فينا يبعدنا عن الصوت في انفتاحه، أو لأننا نعبّر عن أننا غير قادرين، على تلبية نداء الصوت فينا، لأسباب تاريخية وتربوية، فالصوت مسلك حضاري، وهو في الوقت ذاته مقّوم أخلاق ٍ .


ولعل رهان أحدهم على الصوت، ينبع من دافع اعتباري للصوت، من كونه يضفي على الصوت ذلك الكمال الذي يعمُّ وهو يضمه، إذ يهمه، لأن ليس في مستطاع أي كان، أي كائن، أن يتجاهل تردد الصوت، في منبعه ومصبه.


وليس الأدب بغافل عن الصوت، حين يشدد على البعد الصوتي، وفق مسافة حسابية معينة، أو هندسية تري القيمة المعلنة لصاحبه.


الصوت مباشر ووجهيٌّ، الصوت مرئي، أن تصوّت هو أن تشهد وتشاهد.


بوسع المكان أن يكون الدليل التاريخي على تنوع الأصوات، أي على زخم الصوت الواحد، وهو يحمل (نهر) أصواته، في جغرافيا التاريخ.


ومحمد أوزون
Mehmed Uzun  الكاتب والروائي الكردي، كاتب الكردية، في أكثر من عتبة استشرافية فيها ، وعبرها، والمنتمي إليها، والساعي إلى التعريف بها، لا ينافس الآخرين بصوته، كما لو أنه مشارك في مسابقة اختيار أفضل صوت، لا يواجه حكام صوت، أو محكّمي صوت، بقدر ما يواجه ذاته، على أن في صوته أصوات الآخرين، على أن الأصوات في متَّحدها التاريخي، وفي بقعة جغرافية معينة، هي ميزوبوتاميا، تشكل الصوت الأكثر( غزارة) وجدارة بالإصغاء إليها، وهي الأصوات ذاتها، تلك التي عرفها التاريخ، ودوَّنت تاريخاً لا يمحى قيمةً ومكانة أثريتين.


Untitled_2 إن روايته ( صرخة دجلة
Hawara Dîcleyê)، ذات الجزئين، وفي سبعمائة صفحة ونيّف، والصادرة في ستانبول تباعاً ، ومن منشورات آفستا avesta( الجزء الأول، صدر في طبعته الأولى، سنة2001، والطبعة الثانية، 2002، والجزء الثاني، سنة 2003، وهو الأضخم)، تتقدم بمشروعها الأدبي، وكذلك، بيقينها التاريخي والميثولوجي مسبقاً، قبل أن تكون الكتابة، وقبل أن تكون اللغات، وقد انحسرت داخل أقفاص حدودية، وشرائع آبائية، وتقويمات معتقدية، وفق اعتبارات، يكون الصوت هو الخاسر الوحيد، ولا بد من الإصغاء إلى الصوت الذي تَنوُسي طويلاً.


إنما ليس لتأكيد فضلة صوت، أو تزكية أفضلية صوت على سواه، طالما ثمة مجموعة أصوات، هي في مجموعها منسية، ولو بدرجات متفاوتة، وأن في وسعها أن تكوّن حلفاً صوتياً، كما يقول تاريخها، في معتركها الجغرافي.


والنهر الذي يُجرَّد من خاصيته المعتقدية، ومن ثم يعزز فيها سؤددها، وهي في فيزيائيتها الجسدية، في اختلافها، وقد تبدت امبراطورية الصوت الأكثر مضاء في التاريخ، كما يقول نهرها العابر لحدودٍ، النهر الراوية، والنهر المرآة الجغرافية التي لا تعرف غبشاً، إنما تعلن عن الصورة الصوتية في وحدتها، هي وحدة الذين شكلوا أعراقاً ولغات، أي مجرة أصوات أرضية.


كرد، سريان، أرمن، عرب، ترك، يهود، إزيديون، كما تقول الرواية، أعني كما تصوّت الرواية، من خلال قرطاسها المائي، من خلال غلافيها الأرضيين، حيث تكون مجسمات التاريخ: أوابده، وتكون الأصداء عبر الأوابد، وحيثما تلفَّت الانسان، مشرقاً ومغرباً، فيكون المنسي بصوته، طي صراعات من لا يريد إلا لصوته الأحادي القيمة والنفوذ، الانتشار، ويبقى على الآخرين الإصغاء والإبقاء رهن تردداته.


صوت الرواية، هو صراخها، بمعنى ما، انعطاف بالتاريخ نحو وساعته الفعلية، وفي الآن عينه، إنماء للصوت، حفاظاً على التاريخ الأكثر انسانية !


في المعاودة بين الصوت والكلمة، تفعيل لحيوية كل منهما، دون السؤال عن القيمة المحسوبة، كون الكتابة، تنبيه إلى تاريخ كان، وتاريخ يسعى إلى طيّه، وأن محاولة الكتابة روائياً تستعطف الآخرين، ممن لا يدركون ما يعنيه الصوت في تعدديته، ما لا يحتاج وسيطاً، رغبة للخروج إلى  تاريخ كان، وهو في الانتظار، ومن خلال التقابل بين أعطاف تاريخ مأسوي، بسبب المناوشات والصراعات المتتابعة بين الصوت المجيّر لسواه، والكلمة التي أبعدت الصوت، أكثر من صوت حقيقةً، وجوَّفت التاريخ الذي يعنيها.


فالرواية محاكاة للصوت، أي ليس من إدعاء على أن المسطور في الرواية هو الصوت في تمام تردداته، إنما ما يعتبره الصوت، على الأقل من خلال مدوناته الجغرافية، وما لا يمكن للتاريخ التعامي عنه، ولأن ثمة من يشهد حتى الآن على حضوره، رغم كل الملحَق به من تبئيس وتعتيم عليه:


أنا دجلة، عويل آلاف السنين.

النواح الجديد للراهن.

أنا شاهد الأزمنة، الحقب، الدهور.

الحلم، الخيال، الأمل.

صدى العويل، أنين النواح

الليل، النهار، الوقت، الشهر، العام.

الشمس، القمر، النجم، جميعها معي.

كلها عبرت بوابتي.

أنا اليد، على أبواب الحقب والدهور.

تُفتَح الأبواب الواحد تلو الآخر.

تصدر الأصوات متتابعة.

طريقي، من الأعلى صوب الأسفل.

عبر ملذات الدنيا كافة.

خلل الأرض السوداء، الأرض الحمراء، الأرض الكلسية.

الأرض، أنا، الأرض بأسي. ج1، ص 271.

في ذات الكلمة ( Ax)، تتعدد المعاني، إنها تعني من جهة: الأرض، وهي الأقرب إلى المفردة في السياق، وكذلك التربة ، أو التراب، ولكن ما لا يجب تفويته تذكيراً، هو أنها تكون لصيقة الكلمة الشفاهية الموجعة، أو تكون علامة جسدية دالة على الألم، أو على الوجع والحرقة من الداخل، وتكون صوتاً، وربما تلتقي فيها الصورتان الحيتان : الكلمة والصوت: Ax.


في الحالة هذه، تعيدنا الكلمة إلى روح معذَّبة، روح تخص الأرض، وهذه الأرض ، الأرض الحاملة لدجلة، ودجلة المرفّل للأرض والمغذي لها بالتناوب، وكل منهما يسامر الآخر ويشهد لـه، مثلما يكون المأخوذ بمأساته، ليكون كل الذين كانوا داخلين في حِمى الثنائي الموحَّد، كما الصوت والكلمة:


دجلة، أنا.

صوت دجلة

الصوت الذي يشجي بحديث الآباء والأجداد.

الكلمة، أنا، نحن، متداعية، منكسرة.

الكلمة التي وجدت قبل أي كان.

الكلمة التي خلِقت مع الجنة.

مثل مرجان علقت على رقبة ملّك طاووس.

خرجت من فم آدم وحواء.

سطرت في كتاب النبي أنوش.

في طوفان النبي نوح، خفقت في منقار حمامة.

في روح ابراهيم الوفي تصادت... الخ. ج2، ص 409.


أيٌّ كان الموقف، تشكلُّ الرواية موقفاً من التاريخ، من المكان، من الذين كانوا ولا زالوا، مما قيل في التاريخ، ورُسَم في المكان، فالجغرافيا قرطاسه، والتاريخ نبراسه المتشكل وفق سياسة متخيَّل معينة، هي متخيل أوزون.


ولعل المتابع لما سطّر في الرواية، كما هو نهر دجلة الذي يجرد الجميع ماضياً وحاضراً من كينوناتهم المادية، وهي مجتزأة، ثم يواجههم بوحدته الجغرافية، منبعاً ومصباً، نزولاً وجرياناً، وانعطافات، انبساطاً وانطواء، تعميق مجرى وتضحيله... الخ، يلاحظ مدى توخي الروائي، في مسباره المولَّف، عبر برو التاريخي، والملفوظ في إيقاعه الإزيدي، ربما تعبيراً عن الأكثر تعرضاً للشتات المكاني، وليس تفضيل ذات، أو هوية مختزلة، لأن الرواية، وإن كانت تُنسَب إليه، لكنها محاولة لجعل برو أكثر من برو، حيث كل الذين شهدتهم مرابع دجلة، وحيثما مر دجلة، وأقام أماسيه ، وسمى أضاحيه، يظل الصوت جماع الأصوات كافة، حربهم، سلامهم، وجعهم، طربهم، تضافرهم، تنافرهم، جملة التعالقات التي تشكل تاريخاً قائماً.


لهذا، يمكن متابعة الصرخة، نداء المكان لبنيه، دون شعاراتية محسوسة، وإنما، تجاوزاً لها، طالما كل هذا الكم يتكيف في معراج الرواية، لكن دون نسيان تاريخ الروائي المركَّب، تاريخ المحاكي بصوته المختلف، وإلا لجرى تزييف لمفهوم الصوت تماماً، وهذا ما يجب مراعاته، فـ( أي نقد للرواية يهمل روابطها بالواقع التاريخي هو نقد يزيف القيم الحقيقية للرواية، وهو نقد يفرغ ما يجب أن يكون ملآن)، كما يقول " غراهام هو"، في كتابه ( مقالة في النقد)- الترجمة العربية، دمشق، ص 143.


وهنا يمكن الدخول في مغامرة الصوت، وكيف تتم محاكاته، أي ما يكون تاريخاً، وما ليس بتاريخ، لتكون الرواية في مستوى اسمها، وليس أن تكون التاريخ، في  السرد المتشعب للوقائع، والمرجع هو ذات الروائي، متخيَّله !


لا يندم من يقرأ الرواية، وهي في كرديتها الداخلة في صراع مع التاريخ، وتنافس مع الصوت اللذين يهمشانها كثيراً، بقدر ما يتلمس كيفية جريان اللغة في المكان، في كتاب مفتوح برؤيته، ولمن يستطيع ذلك.


لقد قرأت الرواية، وما أكتبه في ظلها، محاولة للتعريف بها، لما يمكن اعتباره إشكالاً روائياً، إنما في الآن عينه اختلافاً للرواية عن سواها، وأهمية صرخة، مهما تحفظنا عليها أحياناً، نكون بحاجة إليها، ونحن في معمعان  لغاتنا نتشابك، دون أي فك ارتباط، لنحسن التعايش، بما لدى كل منا من جمالية المشهد الصوتي، وبهاء الكلمة المغايرة، حيث دجلة يكون راعي تلاقينا.

ما أكتبه هو ظلي المتشكل، إثر قراءة لرواية ، لا يمكن تجاهل خطورتها فيما تطرحه أدبياً، أعني قدرتها على أن تطرح ذاتها في منبسط من التاريخ، موغل في القدم، يغري، ومن باب حب الاستطلاع، على الأقل، بمقاربتها، والتعرف إلى هذا النهر العريق، وصرخته، وما وراء صرخته التي تعني كلاً منا، بصورة ما من الصور!.

بقي أن أقول أخيراً، أن  هذا الكتاب، كان في الأصل بحثاً منشوراً، في الموقع الالكتروني (عفرين. نت)، في الشهر الثاني عشر، من عام 2006، وعلى حلقتين، إنما باختصار، طبعاً، وأنني في مؤلَّفي هذا، حاولت التوسع في الفقرات التي تضمنتهما الحلقتان المنشورتان، عدا التصرف في بعض منها، ومن ثم الترجمة كذلك، إنما من باب الإضافة، وساعياً إلى المزيد من الدقة، إذ ليس ما يعلم الانسان، أكثر من الزمن، في عمومه وخصوصه، وتجربته الحياتية في الزمن هذا: قراءة وكتابة!

TrackBack

TrackBack URL for this entry:
http://www.typepad.com/services/trackback/6a00d8345160af69e200d83578c49f69e2

Listed below are links to weblogs that reference تقطيع أوتار أورفيوس التاريخي:

Comments

Verify your Comment

Previewing your Comment

This is only a preview. Your comment has not yet been posted.

Working...
Your comment could not be posted. Error type:
Your comment has been posted. Post another comment

The letters and numbers you entered did not match the image. Please try again.

As a final step before posting your comment, enter the letters and numbers you see in the image below. This prevents automated programs from posting comments.

Having trouble reading this image? View an alternate.

Working...

Post a comment