Tharwalogs

News & Analyses (Arabic)

« من قتل الشيخ الخزنوي | Main | "رفقاً بميشيل ورفاقه يا "رفاق »

May 30, 2007

المثقف والسياسي في الوسط الكوردي

محي الدين عيسو


Politician63المثقفون في جميع أنحاء العالم يمارسون  الدور الأهم  في رسم ملامح السياسة العامة والأفق والاستراتيجيات ،  ويضعون الرؤى التي يمكن للسياسي أن يعتمد عليها ،  من خلال الأفكار والآراء والأطروحات المستقاة من الواقع وقراءته له  ، واضعين  أقلامهم وأفكارهم في خدمة القضية التي يجتمع مع السياسي في الدفاع عنها وحمايتها  ، بإمكانهم  تغيير  الرؤى السائدة في المجتمع  وخاصة تلك المنافية للعقل والتي تعرقل صيرورة الفكر والممارسة ، وذلك عبر رؤية جديدة تحمل بصمة وعيها  الثقافي ،  بعيداً عن العقد والعصبية  نتيجة الانفتاح على جميع الألوان والأفكار ومكونات المجتمع ،  ومتابعتهم لما يصدر من  أدبيات ونتاجات  الغير ، والاستفادة المثلى منها ، للمساهمة في تطوير المحيطين به ،  وبالتالي تحديث وتطوير برامج الأحزاب السياسية التي تناضل في نفس المنحى ، حيث يستطيع المثقف أن يرسم لوحة جميلة من المعاناة الشعبية بأسلوب مختلف عن الأسلوب الذي يتبعه السياسي في هذا الاتجاه ، وكلاهما يسيران في المنحى ذاته والقضية واحدة كذلك .


فوجود المثقفين بين صفوف الحركة السياسية يزيدها تماسكا ودينامية ، حيث يتأثر السياسي بالأفكار الثقافية المطروحة من قبل المثقف ويطبقها على أرض الواقع بما يتماشى مع سياسته ويخدم القضية التي يناضلان من أجلها ، حيث يقول في هذا المنحى  المفكر  سيد القمني في كتابه" أهل الدين والعقل" : (( حتى يمكن أن نكون حاضرين وفاعلين على الأجندة الثقافية والسياسية في عالمنا المعاصر يجب أن نهيئ الأرضية الصالحة لشرائح المجتمع وعقله المفكر المتمثل بشريحة المثقفين كي يمكن أن تزودنا برؤية وعدة فكرية يمكن أن تكون برنامج عمل يجمع قوى المجتمع ويعيد تشكيلها على أسس سليمة من غير ادلجة جامدة  بل تتفاعل مع متغيرات العصر لتهيئة مناخ سليم يساعد ويرعى الإبداع أياً كان نوعه وجنسه )) .


فالثقافة السائدة هي نتاج المجتمع بلا شك والمثقف الحقيقي هو من يأخذ العبرة من  المجتمع ويستفيد منها في تطوير إمكاناته وإعادة إنتاجه معرفيا  ، ولا يناضل في سبيل نخبة سياسية معينة ، ولا من أجل إيديولوجية محددة ، ولا طائفة واحدة ولا ديناً أو قومية بعينها وإنما يناضل في سبيل أن يعم الوعي الثقافي على المجتمع بأسره  ، ويجب على السياسي والمثقف أن يقر بالاختلاف والتنوع ويعي لمخاطر ازدياد الهوة والمسافة  بينهما ، حتى يستطيعوا مقاربة الوعي والاقتراب من الناس ونقل هواجسهم وآمالهم إلى العمل الجاد بغية تحقيقها والعكس ينتج تأثيرات عكسية وسلبية على كلا الطرفين ويزيد من عنف السياسي  وعدوانيته وعنف المثقف ولا مسؤوليته  التي يتفق الجميع على رفضها وعدم الاحتكام إليها لأن الخاسر الوحيد في هذه المعركة هي الثقافة ، وفي ضعنا الحالي يجد المثقف أن حلمه لا قيمة له أمام أحلام السياسيين وطموحاتهم على الرغم من بساطتها لكنها أكثر عمقا وأكثر تأثيرا ودلالة على الشارع ، من خلال المحاولة على  إشاعة الحوار المدني وتكريس ثقافة التسامح والمحبة والإخاء ، فلم يعد هناك أي دور للمثقف لأنه ببساطة أصبح كيانا مهمشا ومُحاربا ، فعلى المثقف أن يجاهد بفكره و كلمته وقلمه الصادق التي هي سلاحه الوحيد في توعية الأمة ، والتأثير على الرأي المحلي والعام وتحديد مكامن الخطأ فيه ،   حيث أنه لا ينبغي إحداث صراع وتناحر غير مجدي بين المثقف والسياسي. فكلاهما يعتبر للآخر مكملاً له .


السياسي يرسم الخطوط العريضة لسياسة البلد وتوجهاته، مستمداً أفكاره من نبض الشارع ورغباته ، الذي يعتبر فيه المثقف بمثابة العمود الفقري.  والعلاقة بين الطرفين يجب أن تكون مبنية على المصارحة والصدق في القول والعمل .


من الملاحظ إن الحركة السياسية الكوردية التي تأسست عام 1957 تكاد تخلو من المثقفين أصحاب النتاجات الأدبية والفكرية و السياسية إلا باستثناء عدد محدود كالدكتور نور الدين زازا وطلبة الجامعات حينذاك ، وهذا الواقع أدى إلى رفض السياسي للأفكار المطروحة من قبل المثقف خوفا على مكانته السياسية والاجتماعية أو على عرشه الذي ربما يهتز بوجود الآخر المثقف حوله حتى ولو كان الاثنين يناضلون من أجل قضية واحدة وبأسلوب واحد ، وبالتالي فأن الوعي الذي يمكن أن ينشره المثقف في الوسط السياسي يتم إقصائه بحجج وأوهام مريضة ناتجة عن حوامل تراكمية لللإرث القيمي المجتمعي " المعرفي السائد " ، وكما  أن السياسي دائما يشعر بأنه من يمثل الشارع وخسر الكثير من المكاسب التي ربما كان سيحصل عليها لولا وجوده في العمل السياسي وهو المعرض دائما للمضايقات الأمنية والاعتقال والتعذيب النفسي والجسدي ، وينظر إلى المثقف على أنه لا يملك المقومات السياسية لقيادة الجماهير نحو تحقيق أهدافها مما يؤدي إلى ابتعاد المثقف عن الوسط الشعبي نتيجة ابتعاده أو إبعاده عن الوسط السياسي وعزوفه عن المشاركة في أي نشاط سياسي أو ثقافي تقوم به الحركة السياسية ،ويعتقد السياسي بأن المثقف دائما يكون حبيس فكره الضيق وينظر إلى العامة برؤية فوقية منبرية  ، ويكون بعيدا عن شؤونهم وشجونهم ولا يتقبل النقد من السياسي أو من أي مواطن عادي حتى لو كانت الفكرة المراد نقدها بحاجة إلى النقد  أصلا ،ويرفض المثقف الانخراط في صفوف حزب معين حتى لا يوصف بالتبعية الحزبية ويحصل على العداء من الأحزاب الأخرى ، بالمقابل يشعر المثقف بالغبن وبأنه يملك كل هذه الإمكانات الفكرية والثقافية ويتم تهميشه من قبل الشارع السياسي ولا يعطى الدور المطلوب للقيام بالواجب الفعلي الذي يتوجب عليه فعله ، وكذلك فأن الكثير من المثقفين لا يدخلون الحقل السياسي ولا يجازفون بذلك لما يسببه هذا الحقل من مشاكل ربما تؤدي إلى الاعتقال وحتى التصفية الجسدية لما يشكلوه من خطورة حقيقية عندما يتم التزاوج بين السياسة والثقافة في خدمة أي قضية عادلة ولا سيما  القضية الكوردية الشرعية والعادلة  في سوريا ، كما أنه هناك حالة من اليأس والإحباط من الواقع السياسي العام  والكردي بشكل خاص حسب ما تتداوله بعض النقاشات والاجتماعات الخاصة بالمثقفين ، وكل ذلك لا يمنع المثقف الكوردي من المشاركة السياسية والوقوف في وجه الظلم والفساد بشكل عام والعمل على نشر الوعي الثقافي  ولو بحجم محدود ووفق إمكاناته وما يتاح له بين عامة الناس بالأسلوب  السياسي .


على المثقف الكوردي أن يخرج من قوقعته ويستفيد من الأجواء والمناخات التي عمل عليها المثقفون في سوريا عبر المشاركة الفعالة في الحياة السياسية ، حيث مارس  ( المثقف السوري ) دورا بارزا في الحياة السياسية فكان هناك بيان حول اقتحام مخيم تل الزعتر 1976 وبيان ضد قصف العراق ، وكان لهم دورا مهما  في الألفية الجديدة عبر وثيقة الـ 99 التي طالبت بالإصلاح السياسي  والاجتماعية إبان تسلم الرئيس بشار الأسد مقاليد الحكم في سورية ، وبيان للسينمائيين دفاعاً عن حصة السينما الوطنية من الدخل القومي عام2000 كما تم تشكيل وثيقة الـ 1000 من قبل المثقفين السوريين ، ومن ثم إنشاء العديد من المنتديات التي تهتم بالأمور السياسية والثقافية والفكرية في عدة محافظات سورية ، كما تم تشكيل لجان إحياء المجتمع المدني التي هي أساسا نخبة من المثقفين السوريين جاؤوا من منابت ومشارب فكرية وسياسية متنوعة لخلق مساحات من الفعل الإنساني المبادر والحواري الخلاق والمستقل عن هيمنة السلطة ، يتميز عملها بطابعه العلني والمباشر والذي يهدف إلى بناء أشكال جديدة من العلاقات بين السلطة والمجتمع تنهض على أسس من الحرية والتعددية واحترام الآخر ، فكان أبرز الذين عملوا في هذه اللجان ميشيل كيلو ـ د. عبد الرزاق عيد ـ جاد الكريم الجباعي ـ نجاتي طيارة – فايز سارة – البروفيسور عارف دليلة ، وبعض المثقفين الكرد في منتدى جلادت بدرخان بالقامشلي ومنهم مروان عثمان – مشعل التمو وآخرون  مع كل ذلك  كان الحضور الكوردي في لجان إحياء المجتمع المدني وغيرها  ضئيلاً لما هو مطلوب ،  ولم يستفد المثقف الكوردي من هذه التجربة الرائدة في النشاط العلني إلا بتجربة المنتدى السابق ذكره  ، ولم يسعوا إلى إدخال نمط جديد في آلية التفكير السياسي الكوردي السائدة ، حتى إن مشاركتهم في التوقيع على وثيقة إعلان بيروت دمشق كانت معدودة على الأصابع .


نحن بدورنا نتوجه بالنداء

إلى جميع السياسيين والمثقفين الكورد للعمل على وضع آلية جديدة ومناسبة لهم والخروج من العزلة التي يعيشونها ، عبر التواصل والاختلاط مع النخب السياسية والثقافية السورية الأخرى  ، لربما حققنا جزءا صغيرا من العمل المطلوب ، فالمشروع الذي أعده نخبة من المثقفين الكورد المستقلين في سوريا حول إعلان حقوق الشعب الكوردي بتاريخ 18 / 4 / 2007 والذين وجدوا فيه : أن حل القضية الكوردية يتم وفق الثوابت التي تقر بالحقوق القومية للشعب الكردي في سوريا كثاني قومية في البلاد ، واعتماد مبدأ اللا مركزية السياسية دستورياً ، وبشكل ديمقراطي وبما يتوافق مع مبادئ القانون الدولي وشرعة الأمم المتحدة ، وصياغة دستور جديد لسورية يضمن حقوق كافة القوميات والأقليات الدينية والاثنية ، واحترام حقوق الإنسان وتجسيد ذلك بالقوانين ، وإقرار مبدأ تداول السلطة سلمياً وترسيخ مبدأ التعددية على المستوى القومي والديني والثقافي وبناء الدولة الدستورية والمؤسساتية ، وإعادة النظر بالمنظومة الثقافية ككل التي تتجاهل التاريخ الحضاري لبقية  مكونات الشعب السوري ، واعتبار اللغة الكردية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية ، وتأكيد مبدأ التوزيع العادل للسلطة والثروة بما يؤدي إلى تحقيق التنمية المتوازنة ، وإطلاق الحريات العامة السياسية والدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية وإلغاء كافة القوانين والمراسيم التي تحد من هذه الحريات وإزالة آثارها ، لكن هذا المشروع لم يلاق التأييد والدعم الكامل ، ولم ينل حقه في النقاش من قبل الأحزاب السياسية الكوردية ، وحتى إن المثقف العربي تجاهل هذا المشروع ولم يعلق عليه بالتأييد أو الرفض .

TrackBack

TrackBack URL for this entry:
http://www.typepad.com/t/trackback/667491/18900116

Listed below are links to weblogs that reference المثقف والسياسي في الوسط الكوردي :

Comments

Post a comment

If you have a TypeKey or TypePad account, please Sign In

Recent Posts