لقاء مع الأستاذ عمار عبد الحميد مدير مشروع ثروة
لست رجل سياسة، ولا أريد لمشروعي الأساسي، مشروع ثروة، أن يتخذ صبغة سياسية خالصة، فالهدف من مشروعنا هو بث ثقافة ديموقراطية، لا السعي إلى تأسيس حزب سياسي، أو الترويج لائتلافات سياسية معينة.
}- بداية، هل لك أن تقدم لنا نبذة عن حياتك وعن بدايات مشروع ثروة؟
ولدت في دمشق في عام 1966 لعائلة فنية معروفة، وعشت في سورية إلى أن تخرّجت من الثانوية العامة في عام 1983، ومن ثم بدأت أسفاري المتعلّقة بالدراسة فأخذتني من بريطانيا إلى الإتحاد السوفييتي ومن ثم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تخرّجت من جامعة ويسكنسن في عام 1992 بشهادة في التاريخ، لكني لم أتابع دراساتي التخرجية مفضلاً التفرّغ لمحاولاتي المتناثرة في الأدب.
عدت إلى سورية في عام 1994، حيث عملت لفترة كمدرس في المدرسة الباكستانية، ومن ثم تفرّغت للكتابة مرة أخرى، ونشر لي ديوان شعر ومن ثم رواية بالإنكليزية، نشرتها دار الساقي في لندن، وترجمت مباشرة إلى ستة لغات. وظننت بعدها أني سأتفرّغ للأدب، لكن وفاة رئيس النظام السوري السابق، حرّضتني على محاولة تحقيق حلم قديم لي وهو العمل على نشر ثقافة مدنية ديموقراطية في مجتمعاتنا. وكانت لي في هذا المجال مقاربات عدة، تكلّلت بتأسيس مشروع ثروة الذي تم الإعلان عنه رسمياً في عام 2003 في دمشق، وإن كان العمل عليه قد بدأ منذ عام 2001.
وقد بدأ المشروع كبرنامج مموّل من قبل منظمة عالمية للسلام من خلال فرعها الهولندي، ألا وهي منظمة باكس كريستي، وانضم إلينا عدد آخر من المموّلين الأوروبيين مع مضي الوقت.
ومشروع ثروة مشروع إقليمي يهدف إلى العمل على نشر ثقافة مدنية وديموقراطية من خلال العمل على ردم فجوة الثقة والتفاهم والقبول المشترك ما بين الفئات الإثنية المختلفة المكونة للمنطقة، لأن هذه الفجوة في تقديري تعد أحد أهم العوامل المعيقة لنشوء ثقافة ديموقراطية مدنية في المنطقة.
}- لكن، ألم تخش من إطلاق مشروع من هذ النوع في بلد "غني" بالمحظورات مثل سورية؟
بالفعل، يعد إطلاق مشروع من هذا النوع في سورية بالذات خرقاً للكثير من المحظورات المعتادة. ولقد تفاجأ الكثيرون، ومنهم المسؤولون ورجال الأمن السوريون أنفسهم لجرأتنا في محاولة تأسيس مشروع من هذا النوع بتمويل أجنبي معلن، وبالتعاون مع عدد من المنظمات والخبراء الدوليين، ودون أية محاولة للتستر على الأمر. وبالفعل افتتحنا مكتب لنا في مرحلة ما في منطقة المزة فيلات شرقية.
وربما كانت هذه المقاربة الواضحة والمباشرة هي ما أعطانا حيزاً ما للعمل، بالرغم من حساسية الأمور التي تطرّقنا إليها منذ تأسيسنا، علاوة على رفضنا الصريح للنظام القائم ذاته.
وفي مرحلة ما في عام 2005، اتضح أن محاولة إدارة المشروع من سورية باتت مستحيلة، لأننا كنا بحاجة إلى تأسيس المنظمة بشكل رسمي في مكان ما من العالم الحر لكي نضمن استمرار التمويل ولكي تكون لدينا قدرة أكبر على التوسع والعمل الفعّال على المستوى الإقليمي، ولقد كان لآرائي السياسية وانتقاداتي الصريحة للنظام في الصحف العالمية دور أيضاً في تزايد الضغوط الأمنية والتي أدت إلى إقناعي بضرورة مغادرة البلد.
وفي الواقع لقد تم الخلط ما بين انتقاداتي المتزايدة للنظام وبين أهداف مشروع ثروة ذاته، ففي ثقافتنا غالباً ما نخلط بين النقد والطموح، بمعنى أن من ينتقد الأوضاع في البلد أو المنطقة لابد أن يكون له طموحات في الزعامة. ومن تكون له علاقات مع منظمات ومؤسسات بحثية كبيرة لابد وأنه يسعى إلى التسيّد.
لكن الواقع أني أنتقد لأني تعوّدت على أن أقول ما عندي بصراحة وبلا مواربة، لا أكثر ولا أقل، ودون أن يكون عندي "أهداف غير معلنة،" أو "نوايا مبيّتة." وبوسع المرء أن يكون معارضاً دون أن تكون عنده رغبة في التفرّغ للعمل السياسي البحت أو تكون لديه رغبة في تأسيس أو تزعّم حزب ما. وأن لا أؤمن بالفكرة القائلة أن من يسعى إلى تأسيس منظمة مدنية لا ينبغي أن تكون له آراء سياسية، فهذا مستحيل. ولكن، هناك فرق بالفعل في طبيعة النشاطين، وفي مرحلة ما من المراحل على المرء أن يعيد حساباته بناءاً على الأولويات التي يراها مناسبة لمشروعه أو توجهه العام.
}- ولكنك انضممت إلى صفوف المعارضة عند عودتك لأمريكا...
بالفعل، وربما كردة فعل على اضطراري لترك البلد في لحظة معينة من ناحية، ورغبة مني في المساهمة في تجاوز حالة التشرذم الشديدة لفرق المعارضة الخارجية من ناحية أخرى، وجدت نفسي، بعد عودتي مع عائلتي إلى الولايات المتحدة في أيلول 2005، أنقاد بصورة أو أخرى إلى الانخراط في صفوف المعارضة السورية.
وابتدأت تجربتي مع الشخصيات المشاركة في المجلس الوطني السوري، حيث قمت بعدة نشاطات تهدف إلى خلق قناة للحوار ما بين المجلس والإدارة الأمريكية، ثم، وعندما قرّر أعضاء المجلس الانضمام إلى جبهة الخلاص الوطني، وجدت نفسي مرتبطاً بالجبهة أيضاً بصورة استشارية. وكان هدفي من وراء هذه النشاطات هو المساهمة في تأسيس ائتلاف معارض قادر على الجمع بين عدة توجهات سياسية وبالتالي على لفت انتباه المجتمع الدولي وإثارة قلق النظام السوري.
لكني ومنذ البداية كنت أعرف أني لن أستمر طويلاً في هذه النشاطات، فأنا كما ذكرت آنفاً، لست رجل سياسة وأدرك أن هناك ضرورة للفصل، في مرحلة ما، ما بين النشاطين السياسي والمدني، كما أن العمل في مؤسسة ثروة، خاصة بعد إطلاق مشروع معهد ثروة للقيادة الديموقراطية، بات يأخذ كل وقتي، لذا، ومع افتتاح مكتب جبهة الخلاص في واشنطن منذ شهرين، بإدارة السيدة إليزابيث مكيون، السفيرة الأمريكية السابقة في قطر، أعلمت زملائي في المجلس الوطني السوري وفي الجبهة برغبتي في لاعودة للتفرغ لعمل ثروة، وهذا ما كان منذ ذلك الوقت.
}- هل انسحبت رسمياً من الجبهة إذن؟
الموضوع ليس موضوع انسحاب أو انشقاق، لكني في نهاية المطاف وكما ذكرت لست رجل سياسة، ولا أريد لمشروعي الأساسي، مشروع ثروة، أن يتخذ صبغة سياسية خالصة، فالهدف من مشروعنا هو بث ثقافة ديموقراطية، لا السعي إلى تأسيس حزب سياسي، أو الترويج لائتلافات سياسية معينة، خاصة وأن أعضاء فريق ثروة السوريين عندهم آراء وتوجهات مختلفة في هذا الصدد، وأغلبهم لم يرتاحوا إلى فكرة الجبهة أصلاً، وقد عبروا لي عن عدم ارتياحهم هذا بكل صراحة كما هي العادة بيننا.
من ناحية أخرى، ولأني أجد نفسي في الواجهة الإعلامية بين الحين والآخر، ربما كان من الأفضل لمصلحة المشروع ذاته أن لا يرتبط إسمي بأكثر من جهة، فتختلط الأمور والمفاهيم عند الناس، وهو ما حدث فعلاً على أية حال، ونبّهني إليه أعضاء الفريق في سورية، فأنا لا أتكلم هنا من منطلقات نظرية بحتة، لكن بات من الواضح، بناءاً على تجربة الشهور الماضية، أن الناس لن يتمكّنوا من التمييز بين نشاطاتي في مشروع ثروة ونشاطاتي الأخرى، وعلى الرغم من أن أعضاء فريق ثروة يعملون باستقلالية كبيرة عني، وهذا جزء أساسي من آلية العمل في ثروة في مسعاه لدعم وتمكين جيل جديد من الشخصيات القيادية المدنية على الساحة، إلا أنه لا يمكن إنكار استمرار ارتباط المشروع باسمي في هذه المرحلة بشكل أو آخر، وعلي أن أتنبه أكثر إلى هذا الأمر ومعطياته.
}- ربما كان هذا هو الوقت المناسب إذاً لنسألك عن الأسباب التي دفعت شخص له اهتماماتك إلى التعامل مع حركات معارضة معينة ما زالت تثير حفيظة الكثير من النشطاء السياسيين في البلد والمنطقة من خلال احتوائها على شخصيات ومجموعات إشكالية، والحديث بالذات هنا عن خدام وجماعة الإخوان المسلمين في سورية؟
سؤال وجيه، والجواب يتلخّص في أن السياسة هي في أحد وجوهها فن التعامل مع الواقع، حتى في حال كان المرء يرفض هذا الواقع. الرفض يعطي المرء دافعاً وتوجهاً، لكن نقطة الانطلاق تبقى دائماً هي الواقع الراهن.
الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي نعيشه ينبؤنا بأن علينا أن نتعامل مع تيارات إسلامية مختلفة، ومع شخصيات وحركات سياسية إشكالية، إما بسبب مواقفها الخاصة أو تاريخها أو كلا الأمرين، ولا يمكننا أن نصرّ على التعامل فقط مع من هم مثلنا، خاصة عندما يتعلّق الأمر بمحاولة خلق ائتلاف معارض لنظام ما أو سياسة ما، أو حتى مؤيد لها.
والدخول في ائتلافات مع شخصيات يختلف الإنسان معها في الكثير من أشياء لا يمثل بحد ذاته تنازلاً عن المبادئ، بل هو طريقة لطرح هذه المبادئ على بساط البحث بغية إيجاد طريقة للتعايش السلمي وحلول توافقية بين أشخاص يختلفون كثيراً في أفكارهم وتوجهاتهم وخلفياتهم السياسية والإثنية والطائفية لكنهم يجتمعون في الإنسانية والمواطنة.
(وعلينا أن لا ننسى هنا أنني أنا أيضاً أعتبر شخصية إشكالية بالنسبة للإخوان وللكثيرين غيرهم في الجبهة والمعارضة بشكل عام لعلمانيتي ولعلاقاتي القوية والصريحة بالمؤسسات الأمريكية، وفي الحقيقة كلنا إشكاليون بشكل أو آخر).
ومن هذا المنطلق، كان أحد أول الأشياء التي قمت بها عند مشاركتي في نشاطات الجبهة، هو وضع ميثاق خاص بحقوق الإنسان في سورية، تم تبنيه بالإجماع، وإن كان العمل على تنقيحه بالتواصل مع شخصيات حقوقية مختلفة مستمر إلى هذه اللحظة. وكان الهدف من وراء هذه الخطوة هو أن نحاول ومنذ البداية أن لا نتهرّب من طرح بعض القضايا الإشكالية، وأن نعمل على إيجاد صيغ توافقية مناسبة تكون هي أساس الرؤية التي نريد طرحها أمام الشعب السوري فيما يتعلّق بمستقبل سورية.
إذاً يمكن للمرء، حتى من خلال هذه الائتلافات أن يطرح الأفكار التي يريد، وأن يعمل ليجد لها الدعم الكافي. لكني أرغب الآن بطرح هذه الأفكار والقضايا على جمهور أوسع، ألا وهو الجمهور المؤلّف من مجمل المواطنين والناخبين ليس فقط في سورية ولكن في المنطقة عامة، وذلك عن طريق مواقع ثروة على الإنترنيت ونشاطات أخرى أكثر قرباً لروح العمل المدني منها إلى السياسية من أجل التواصل مع أوسع شريحة ممكنة من الناس.
}- ولكن، ألم تجد صعوبة في تقبل التعامل مع شخصيات لابد وأنك تختلف معها كثيراً، مثل خدام والبيانوني؟
أكيد، خاصة وأني لم أكن أبداً جزءاً من الدوائر المحيطة بالمسؤولين وأولادهم في سورية، على الرغم من وجود تقاطعات ما بين هذه الدوائر والوسط الفني في البلد، كما أني، وبعد تجربة طويلة مع الفكر الإسلامي، توصّلت إلى قناعات علمانية تامة. ولكن فكرة الدخول في ائتلاف يحتوي على شخصيات إشكالية من هذ النوع كانت تجربة ضرورية ولها منطقها. فالهدف الأساسي من التغيير المنشود في سورية، هو تغيير السياسات بالدرجة الأولى وليس بالضرورة الشخصيات، على الأقل، ليس كل الشخصيات، ولا المحاسبة على أخطاء الماضي، حتى القريب منه، تجنباً لإثارة أي ردود أفعال عنفية أو نعرات طائفية، لأننا مغموسين من رأسنا لأخمص قدمينا في هذه النعرات والحسابات. وها نحن بعد سبعة أعوام من مسيرة بشار الأسد، نجد أن الكثير من الشخصيات قد تغيّر بالفعل، لكن السياسات بحد ذاتها لم تتغير، إلا نحو الأسوأ، بل ها نحن نعيش حقبة الثمانينات مرة أخرى، وهذا واقع مؤسف فعلاً.
علينا إذن أن نطرح معادلة تغييرية جديدة تتناول السياسات والممارسات، ولنترك للشخصيات المختلفة في النظام والمعارضة أينما وجدوا موضوع تحديد موقعهم من الإعراب في هذا الصدد، لكي نترك مجالاً للـ "توبة" إن جاز التعبير، أو لنقل، لكي نتجنّب التعامل بفوقية، لمراجعة النفس.
أما فيما يتعلّق بتصديق المواقف الجديدة التي قد يتبنّاها البعض، مثل عبدالحليم خدام نفسه، ففي السياسة في رأيي لا يوجد مجال للتصديق أو التكذيب بشكل مطلق، بل هناك ضرورة لإعطاء فرصة للقيام بتجربة جديدة ومن ثم علينا أن نتابع هذه التجربة وبشكل مستمر ليتسنّى لنا التحقق من نجاحها أو فشلها.
والفرصة التي أتكلّم عنها هنا لم تُعط لخدام بالذات بل لفكرة جبهة الخلاص كعمل ائتلافي بين فئات مختلفة للمعارضة. صحيح أن الناس اختزلت فكرة الجبهة في شخصيتي خدام والبيانوني، لكن الجبهة في الواقع تتألف من ممثلين عن تيارات متنوعّة، ولو أتيح لهؤلاء لأشخاص أن يجدوا الصيغ المناسبة لعمل مشترك، فسيشكّل هذا إنجازاً هاماً بحد ذاته.
ولا ننسى أن عمر خدام والبيانوني يعني أنهما أن لن يستمرا على الساحة لفترة طويلة، وعلى المرء أن ينظر إلى الشخصيات الأخرى الموجودة في الجبهة إذا أراد أن يتعرّف على القادة المستقبليين لها. إن عمل الجبهة يعتمد الآن على هذه الشخصيات إلى حد كبير، ومستقبل الجبهة، إن كان لها مستقبل، يعتمد عليها أيضاً.
أما فيما يتعلّق بالإخوان المسلمين، فالوقع الذي علينا أن نتعامل معه، خاصة في المهجر، هو استحالة تجاهلهم كحركة سياسية، فأعدادهم كبيرة وهم منظمون تنظيماً جيداً ومنتشرون في كل مكان، كما أن أحداث السبعينات والثمانينات في سورية، وبغض النظر عن حصة الإخوان أو النظام من اللوم في هذا الأمر، تجعل من المستحيل علينا تجاهل هذه الحركة في إطار المصالحة الوطنية المرجوة.
أما الفكرة القائلة بأنه ينبغي منع الأحزاب الدينية من المشاركة في العمل السياسي، فللأسف، القضية محسومة مسبقاً بوجود أحزاب وحركات دينية على الساحة السياسية، لها ناخبوها، وهي مصرّة على المشاركة، شئنا أم أبينا، والسؤال الحقيقي المطروح أمامنا هو الإطار الذي يمكن تصوره لعملها، ومن الواضح أن مناقشة هذا الأمر لا يمكن أن تتم بشكل منطقي وفعّال إلا من خلال إشراك هذه الحركات في الحوار. لا ينبغي لقناعاتنا العلمانية، إن كانت مترافقة مع قناعات ديموقراطية حقيقية، أن تعمينا عن الواقع وضرورة إيجاد وسائل للتعامل معه بشكل فعّال.
والشيء المهم الذي علينا أن لا ننساه هنا هو أن واقع التنوّع الإثني والسياسي في سورية هو أحد العوامل التي ينبغي عليها أن تحد من تطلّعات كل فئة على حدة، إذا ما أردنا جميعاً الحفاظ على السلم الإجتماعي، وأعتقد أن أغلبية السوريين على اختلاف مشاربهم يريدون هذا، وهذه الإرادة بحد ذاتها تشكّل قاعدة مناسبة للعمل المشترك.
باختصار إذن، أعتقد أن العمل الائتلافي هو الطريقة الوحيدة للمشاركة في العمل السياسي الديموقراطي في سورية المستقبل، والجبهة تشكّل تجربة في هذا المجال، وعلينا أن نراقب تطورها، وما إذا كانت قادرة على مسايرة تحديات هذه المرحلة الحرجة.
وفي هذه الأثناء، وبما أني لم أعد جزءاً من هذه التجربة، واجبي من خلال ثروة هو العمل على دعم بناء جيل جديد من القادة المدنيين قادر على إفراز تجاربه الخاصة به وخيارات أخرى أقرب إلى فكره وطموحاته، لأننا لا يمكن ولا ينبغي لنا أن نحصر خياراتنا في محاولات الأجيال والفئات الأخرى لإثبات أو إعادة إثبات وجودها على الساحة.
ينبغي على المشهد الداخلي في سورية أن يشهد تنوّعاً في المقاربات التغييرية، الإجتماعية والاقتصادية والسياسية والمدنية، لأننا لا يمكن أن نعرف مسبقاً ما هي المقاربات التي ستنجح في دفع عجلة التغيير إلى الأمام، أو من أين سيبدأ هذا التغيير أساساً. سورية والمنطقة والمستقبل أهم من أن نحصر خياراتنا في تجربة بذاتها، تنوّع المقاربات هو الطريقة الوحيدة للمضي إلى الأمام.
}- وما الهدف من كل هذه التجارب، على وجه التحديد؟
بناء حياة أفضل لنا وللأجيال القادمة، من خلال السعي لبناء دولة مدنية ديموقراطية تحترم الحقوق الأساسية لجميع مواطنيها بلا استثناء، وتسمح مؤسساتها للمواطنين بأن يساهموا بشكل فعّال وحقيقي في عملية صنع القرارات التي تؤثر على النواحي المختلفة لحياتهم ومعيشتهم.
}- ولكن إذا كانت المعارضة غير ديموقراطية أو كانت مفاهيم العمل فيها متكلّسة، والكلام هنا عن معظم الحركات الموجودة على الساحة ربما، في الداخل والخارج، هل يمكن لتجاربها المختلفة أن تفرز واقعاً ديموقراطياً؟
ومن قال أن المعارضة هي التي تنتج الديموقراطية؟ الديموقراطية هي نتاج حِراك شعبي، وليست حصيلة لعمل نخبوي. فإذا لم تتمكن المعارضة السورية القائمة حالياً من أن تبني نفسها على أسس ديموقراطية ومن أن تتواصل مع الناس بنجاح، فهذه مشكلتها، ولا يجب أن ينظر إلى هذا الأمر على أنه تحجيم للخيارات المتاحة أمام الناس. عندما تحسم الشرائح الاجتماعية المختلفة في سورية رأيها بصدد التغيير وموضوع الرهان القائم على قدرة ورغبة النظام على الإصلاح والتغيير، وتعترف بأنه رهان خاسر، وتقرّر أن تتحرّك، المخاض الحقيقي للديموقراطية سيبدأ في تلك اللحظة.
إن استمرار حالة الانتظار، واستمرار حالة ربط موضوع تحسين الظروف المعيشية بإرادة النظام أو المعارضة، أو القوى الخارجية حتى، هو مؤشر واضح على عدم جهوزية الشارع للتغيير الديموقراطي، فالشعوب التي أصبحت في قرارة نفسها مقتنعة بفكرة الديموقراطية ومتفهمة لها لن تنتظر لا المعارضة ولا النظام وستتحرّك من أجل قضاياها وهمومها الخاصة بالذات، وليس بالضرورة من أجل إسقاط نظام أم المطالبة بمثاليات معينة. المطالبة ستكون أكثر تحديداً من هذا. مطالب الشعوب غالباً ما تكون تفصيلية الطابع، ويكمن دور النخبة الديموقراطية هنا في وضع الإطار العام المناسب لتلبية هذه المطالب التفصيلية بشكل مستمر، وفي مراجعة هذا الإطار بشكل منتظم ودوري ومن خلال التواصل المستمر مع الشعب.
هذه هي في رأيي المعادلة التي يمكن أن تفسح المجال لبزوغ حركات وتيارت ديموقراطية ومدنية حقيقية.
}- ما هو دور الناشطين المدنيين في هذه المرحلة؟
إن أهم دور للناشطين المدنيين في هذه المرحلة هو محاولة التعرّف على القضايا الخاصة التي يمكن من خلالها التواصل مع الشارع وتنشيطه من خلال تحريك فئاته وشرائحه المكوّنة الواحدة تلو الأخرى، والكلام هنا بالطبع عن الفئات والشرائح بمفهومها الإجتماعي والاقتصادي وليس الإثني أو الطائفي. علينا أن نستمع إلى الناس، ونحاول أن نستوعب جيداً ما يقولوه لنا حتى نتمكّن من التواصل معهم ودعمهم بالشكل المناسب، لأن الحِراك الحقيقي سيأتي منهم لا منا، أو لنقل سيأتي منا معاً، من تفاعلنا وتواصلنا المستمرّين.
}- هل تعتقد أن تنشيط الشارع السوري ممكن في الأجواء المحمومة التي نشهدها حالياً، وفي الأجواء التي تعيشها المنطقة بشكل عام؟
هذه الأجواء بالذات هي الأجواء التي تجعل من عملية التنشيط ليست فقط عملية ضرورية بل عملية ممكنة، لأن أجواء الاستقطاب التي تخلقها، والتي يبدو للوهلة الأولى أنها لا يمكن أن تترك لنا مجالاً كبيراً للعمل، تثير نفور الكثيرين بسبب طبيعتها المحمومة والمصطنعة والتي تحاول الأنظمة استغلالها لمآربها الخاصة في وقت أصبح الناس فيه أكثر وعياً وأكثر إطلاعاً على حقيقة ما يجري وأكثر قدرة على التواصل فيما بينهم. هذا هو الوقت المناسب للعمل إذن. ولقد أثبتنا مثلاً، عن طريق موقع "الناخب السوري" أننا قادرون على التواصل مع الشارع السوري ومع المجتمع الدولي في آن، وعلينا أن نستمر في عملنا هذا ونطوره.
}- لقد كنت أحد الأشخاص الذين وصفتهم مجلة نيوزويك في نسختها العربية بأنهم الأكثر تأثيرا في المنطقة عام 2005، هل تعتقد أنك مازلت تحتل هذا الموقع؟
لست أدري أي موقع أحتل هذه الأيام ولايهمني الأمر كثيراً، لقد كان لي ظهور جديد في نيوزويك في نسختها الأمريكية هذه المرة منذ أيام قليلة، ولا شك في أني سأستمر في لفت أنظار وسائل الإعلام هنا بين الحين والآخر، لأن من يعمل هنا لابد وأن يلفت انتباه وسائل الإعلام، لأنهم في بحث دائم عن القصة والخبر ولأنهم يريدون أن يفهموا ما يجري في هذا العالم من حولهم.
لكن، علينا أن لا نتوقف كثيراً عند هذه الأمور. ما يهم هنا هو وجود مشروع إقليمي لبناء ثقافة ديموقراطية قائمة على احترام التنوّع الجميل في منطقتنا، ألا وهو مشروع ثروة، وهذا المشروع لا يمكن أن يستمر وأن يؤدي إلى أي من النتائج المرجوة إلاّ من خلال عمل مجموعة كبيرة من الأشخاص المخلصين لفكرة هذا المشروع ونهجه، وقد أكون أنا مؤسس ومنسق مشروع ثروة، لكن هذا لا يعني على الإطلاق أن يتمحور المشروع حولي، وأن أكون الشخص الوحيد الذي يتمثّل فكر مشروع ثروة. وأعتقد أن آلية العمل المتبعة حتى الآن قد أعطت مجالاً واسعاً لأعضاء الفريق المنتشرين في أنحاء المنطقة أن يحتفروا لأنفسهم مواقعهم المميزة في إدارة هذا المشروع وتحديد توجهه. ونحن سنستمر في الآلية.
}- يوجد لمشروع ثروة، كما تفضلت، أعضاء يعملون في دول عديدة مثل سوريا ولبنان والعراق وغيره، هل لديكم آلية من أجل حماية هؤلاء الأعضاء في حال تعرضهم للمضايقة أو الإعتقال؟
آليات الدفاع عن الناشطين الحقوقيين والمدنيين عند تعرّضهم للمضايقات الأمنية معروفة ولا تختلف كثيراً من منظمة لأخرى، لكن ما قد يميزنا هنا هو أننا عائلة صغيرة وهناك بعد إنساني وشخصي لعلاقتنا تم تطويره من خلال وسائل عدة عبر الفترة الماضية من نقاشات مستمرة على الانترنيت ولقاءات مباشرة، لذا، أعتقد أن العناد والإصرار في متابعة قضايانا هما الصفتان الأساسيتان اللتان ستميزانا في دفاعنا عن بعضنا البعض، وفي كل ما نقوم به في حاضرنا والمستقبل.
التغيير في مجتماعاتنا لا يحتاج إلى العبقرية بقدر ما يحتاج إلى الإصرار والعناد، ولكن وبالتأكيد، فإن وجود الكثير من الأشخاص الأذكياء والخلاّقين في صفوفنا أمر له فوائده أيضاً J.
}- الأستاذ عمار عبد الحميد، المنسق العام لمشروع ثروة ومدير مؤسسة ثروة في أمريكا، شكراً لكم على هذا اللقاء، ونرجو أن تسمح لنا بتحويله إلى حدث دوري، لأن هناك دائماً أسئلة تثار حول مشروع ثروة، ورسالته، والتي يمكن لك أن تجيب عليها بشكل أوضح، وبصراحتك المعهودة فيساعدنا هذا في محاولاتنا للتواصل مع عدد أكبر من الناشطين.
شكراً لكم جميعاً.
Comments