حول نقل خطبة الجمعة على شاشة التلفاز السوري
(ليس دفاعاً عن محسن بلال)
أُبيّ حسن- دمشق
لا أدري حقاً مدى حاجة "الدكتور" الشيخ صلاح كفتارو إلى شاشة التلفزيون الوطني كي يبث إلينا خطبة الجمعة وهو المنتمي إلى تيار في حوزته أكثر من ثمانية آلاف مسجد, وأكثر من عشرين معهد لتحفيظ القرآن (انتبه للتسمية: تحفيظ وليس فهم أو إعادة تفسير وتأويل!), وأكثر من جناح ديني -طبعاً يُسمى "المعتدل"- يأتي في طليعة هذه الأجنحة جناح "الرفيقة" منيرة القبيسي (قُدّس سرها) التي تهيمن على معظم المدارس الخاصة و(ربما) قسم من المدارس الرسمية حتى تاريخه, ما يعني أن أجيالاً كاملة من أطفال السوريين ستنمو –بجهود و"جهاد" هذا التيار- معاقة التفكير مستلبة الوعي نتيجة قتل روح المبادرة في نفوسها منذ نعومة الأظافر, وكذلك جرّاء تحويلها إلى مجرد نعجة "دوللي", بذريعة نشر الشريعة الغرّاء والحث على الأخلاق "الحميدة". وطبعاً يزعم أهل هذا التيار عدم التدخل في السياسة مع الدعاء الصالح والدائم لرئيس البلاد, كما قال المرشد الروحي للرفيقات القبيسيات, (راجع صحيفة الحياة تاريخ 3/5/2006).
وبالعودة إلى خطبة الجمعة ستجد أنه من الغرابة بمكان أنك لا تعرف ما الجديد الذي تقدمه هذه الخطبة سوى استحلابها للماضي واستعادته(ذاك الماضي الذي لا يمضي من عقولهم) وتضخيمه, فضلاً عن تحويلها الصحابة وعصر النبوة إلى أساطير ومثيولوجيا, وذلك كله من خلال الاستعانة بنبرة صوتية خطابية تنطوي على الكثير من الشحن والشحذ العاطفي للجمهور "المؤمن" من قبل هذا الخطيب أو ذاك الذي لا يجيد مهنة في الحياة سوى هذه. ومن بعد أن ينتهي الخطيب المفوّه من الحديث عن صحراء شبه الجزيرة العربية وأدبياتها البدوية في القرن السابع الميلادي يشغل ما تبقى له من وقت في الحديث عن فلسطين ولعن اليهود (ربما في بلد كالسعودية يلعنون النصارى أيضاً وذلك تقرباً إلى الله!) وحض المسلمين على "الجهاد" طمعاً في حور العين (والولدان المخلدين) في الجنة!.
ويحق لأحدنا أن يسأل السيد صلاح كفتارو, عن ماهية العلوم والإنجازات المبتكرة التي ستوافي خطبة الجمعة فيها الجمهور المنكوب أساساً بشاشة تلفاز كالتلفاز السوري؟ بالتأكيد لن تضعه في صورة آخر الاكتشافات العلمية المتعلقة بالجينات, كالجين الذي قد يساعد في علاج أمراض خطيرة (الجمل 7/6/2007). ولن تحدثه عن آخر ابتكارات "العقل" الإسلامي في علوم الانترنت وعلوم الفضاء والفيزياء والكيمياء وما شابه ذلك (هل قلتُ ابتكارات؟ أستغفرُ الله), هذا إن لم نقل أن بعضاً من خطب الجمعة يقتصر على الحديث عن النفاس عند المرأة ورأي الإسلام بصوم المرأة الحائض وصلاتها, وهذا ما سبق أن شهدته وسمعته شخصياً في خطبة للجمعة منذ سنوات في أحد مساجد الأحياء الشعبية في دمشق!.
لن نُحرج فضيلة الشيخ كفتارو فنطلب منه مثلاً الحديث في خطبة الجمعة عن مثالب بعض رجال الدين, وهي مثالب لا تبدأ بابتزاز أموال الناس وتحويلها إلى ثراء فاحش يديره لهم رجال أعمال "يخشون" الله ويخافونه "جداً", ولا تنتهي بالتلاعب بعقول النساء أثناء إعطائهن دروساً دينية فقهية وجرهن إلى أحضان الخطيئة كما سبق أن فعل رجل دين كان "يغتصب ويبتز نساء باسم الدين" في مدينة حمص, ومن المعروف أنه كان يعاشرهن "بأمر الأولياء" (راجع موقع النداء 22/كانون الاول2006), واللافت للانتباه في هذه الحادثة أن أياً من رجال الدين الإسلامي لم يقم بإدانة تصرفه, والذي تولى رفع دعوى قضائية على من اتفقوا على تسميته بـ"الدجّال" كي لا يُحرج رجال الكهنوت الإسلامي هو وزير الأوقاف السوري!. وفي حال اتفق رجال الدين راهناً على كون الشيخ الذي تطرقنا إلى حادثته مجرد دجّال, هل سيقنعوننا أيضاً أن رجل الدين الإسلامي السوري الذي قُتل منذ أكثر من عام في ظل ظروف غامضة في شبه الجزيرة العربية دجّال هو الآخر؟ والمعروف عنه مراودته امرأة متزوجة عن نفسها!, وهل مفتي إحدى المحافظات السورية والذي يجمع سبع نساء على ذمته (دفعة واحدة) هو الآخر مجرد دجّال!؟ (اسألوا الأمن السياسي عن الحادثتين الأخيرتين).
لم أذكر ما ذكرته بغية التشهير لاسمح الله, وإن كنت أستطيع إيراد مئات الأمثلة عن فضائح المؤسسة الدينية, لكن المسألة ببساطة هي أنهم يقودون المجتمع ويكادون يحتكرون المؤسسات التعليمية والتربوية بذريعة الأخلاق (؟!) وباسم الإسلام!, أقول هذا وان كنت على الصعيد الشخصي لا أؤمن بوجود اعتدال ضمن المنظومة الإسلامية بشكلها الحالي, بل ثمة صنف منهم منسجم مع نصوص التراث وفتاوى التكفير (مثال ابن لادن وأتباعه) التي لا تبدأ بفتاوى ابن تيمية ولا تنتهي باستباحة "المفكر" المصري المعاصر محمد عمارة لأموال ودماء المسيحيين (الأخبار 15/3/2007). واللافت للانتباه أيضاً أن أياً من رجال الكهنوت الإسلامي لم يُدن ما أقدم عليه محمد عمارة!, وصنف آخر منهم انتقائي أثناء تعاطيه مع التراث غير أن بإمكانه الانتقال إلى ضفة ابن لادن والزرقاوي خلال فترة وجيزة, وليس السبب في ذلك كونه يحبذ ذلك أو يرفضه, بل السبب كائن في كون المنظومة "المعرفية" الفقهية الإسلامية التي ينتمي إليها الصنفان واحدة, وهي منظومة استعصت على التجديد والإصلاح, وباستثناء ما أقدم عليه الدكتور محمد شحرور(راهناً) من قراءة معاصرة, نزعم أن كل ما يدّعونه من تجديد وإصلاح عبارة عن زيف فاضح وظاهر للعيان وإلا ما معنى أن يقبلوا بقيادة أبي حامد الغزالي وابن تيمية وابن قيّم الجوزية وسواهم لهم ولعقولهم وهم يعيشون في رحاب القرن الحادي والعشرين؟ وما معنى أن لايُسمح لعقل أحدنا التشكيك بأحاديث نقرأها في صحيح بخاري ومسلم؟ بالمناسبة قضية رضاعة الكبير التي دارت رحاها في مصر منذ فترة قصيرة ليست مروية ضعيفة إسلامياً وليس هدفها تشويه الإسلام كما زعم البعض, إذ ثمة باب خاص في كل من صحيحي مسلم وبخاري عن رضاعة الكبير والحديث ترويه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها, والأحاديث التي تستخف بالعقل البشري وتُسيء إلى الإسلام (قبل أن يسيء إليه أي طرف آخر) والموجودة في أمهات الكتب الإسلامية أكثر من أن تُحصى!.
وللتدليل على صحة قولي عن قابلية ما يُسمى إسلام "الاعتدال" للجنوح إلى خانة التطرف أستشهد بحادثة جرت مع شيخ يقيم في النمسا ويشغل منصب مستشار الحكومة النمساوية للدراسات الإسلامية, فمن المعروف أن الشيخ الذي نعني, على الرغم من كونه مازال شاباً في الأربعينات من عمره ويعيش في بلد متحضّر وفرّ له الحياة الحرة الكريمة التي لن يجدها في بلاد تدين بدينه وإلا لما اضطر للهجرة إلى النمسا, أفتى بأن "الكتابيات" في مرتبة الزانيات, ناصحاً (أبناء وأحفاد "خير أمة") بعدم الزواج منهن!, (راجع العربية نت 4/1/2007). وليس الحال في سورية لدى أهل "الاعتدال" أقل سوءاً مما في النمسا, فهل سبق لأحدنا أن سمع بقبول شيخ مسلم "معتدل" زواج ابنته إلى من يخالفها في الطائفة كي لا أقول تزويجها إلى "كتابي" (هل قلتً كتابياً؟ يا للمصطلح ومدى المساواة والمواطنة فيه!).
ندرك جيداً أسباب تمادي التيار الإسلامي "المعتدل" في سورية, وليس من الصعب علينا معرفة سرّ ابتزازه للنظام والتلطي خلفه وخلف رئيس البلاد أثناء تمريره لمشاريعه الظلامية كان آخر نتائج ظلاميته اضطرار الكاتب نبيل صالح سحب زاويته التي تنتقد تصرف الشيخ صلاح كفتارو من موقعه "الجمل" بعد ساعة من نشرها وذلك تحت ضغط المؤسسة الأمنية.
مهما يكن الأمر يبقى أن نقول إن بقيت الحال تجري على هذا المنوال في سورية لن نستغرب أن يأتي يوم على سورية نشهد فيه معاقبة المجاهرين بإفطارهم في رمضان وذلك تيمناً بما فعلته المحاكم الإسلامية في الصومال (العربية 4/1/2006), وكذلك تهديد أي سوري بالقتل جرياً على ما سنته تلك المحاكم التي أمرت بقتل أي شخص لا يؤدي الصلاة ( 7/7/2006 القدس العربي), أو أن تشهد سورية في السنوات القليلة القادمة استنفاراً ضد أنبل وأصدق الأعياد التي أنجبتها البشرية وأعني عيد الفالنتين "الوثني" تيمناً بمملكة الجهل العالمي (السعودية أعني) التي استنفرت ضد ذاك العيد, (القدس العربي 14/2/2007). ويبقى أن نذكّر السلطات في سورية أن المحدث الأكبر الشيخ بدر الدين الحسني هو من أفتى لجمال باشا السفاح بإعدام شهداء السادس من أيار.
مأساة الإسلام "المعتدل" في سورية هو توهمه بكون الشعب السوري كله على شاكلة شعب شبه الجزيرة العربية وإن لم يكن هكذا يريد أن يجعله هكذا, و ما زاد من نسبة وهمه هذا هو تحالفه مع السلطة من جهة ونتيجة تحالفه الأخوي والمصلحي مع "علماء" وفقهاء شبه جزيرة العرب من جهة أخرى, وهو بهذا المعنى يريد استيراد كافة مخلّفات ثقافة بادية العرب بغية تصديرها إلى السوريين أبناء فينيقيا الذين أنجبوا أبجد وهوز والحرف الأول!.. لكن هيهات.
يبقى أن أقول أني لست من المعجبين بالسيد محسن بلال بصفته الرسمية, لكن والحق أن أفضل قرار تأخذه وزارة الإعلام السورية منذ إنشائها حتى تاريخه هو القرار الذي أخذه السيد بلال بمنع نقل خطبة الجمعة على شاشة التلفاز ومنعه لبرنامج ديني آخر, والسبب ببساطة كون تلك الخطبة وبوضعها الراهن ليست أكثر من نكبة.
ملاحظة : لو كان الشيخ صلاح كفتارو قد طالب, بصفته الدينية, بنقل عظة يوم الأحد للمسيحيين, على شاشة التلفاز, لكان من السهل علينا تصديق مزاعم هذا التيار ولكنتُ رفعت له القبعة.

Comments