السوريون واللغة الانكليزية
بقلم الروائية فاديا سعد
خاص ثروة - قبل عقدين أو ثلاثة، كانت اللغة الانجليزية بالنسبة لنا نحن السوريين، أشبه بطفح جلدي، يصيبنا على حين غرّة، أو هجوم مضاد لعقلنا الذي اعتاد المناهج الدراسية، باللغة العربية، كونها متعلقة بهاجس الدفاع عن العروبة، والقومية العربية، إضافة لأسلوب السياسة الرسمية المنغلقة، على العالم، وهو الأسلوب، الذي اعتمد في سوريا كأحد بلدان جبهة الصمود والتصدي.
هذه الحساسية من تعلم اللغات، والتفاعل مع العالم، رافقتنا إلى وقت قريب، حيث فرض الانفتاح العالمي نفسه على الكرة الأرضية.
رغم هذه الحساسية، نستطيع كشعب أن نفهم الجمل والكلمات بسبب تكرارها، ونطقها و سماعها. على سبيل المثال، من يسمعنا ننطق كلمة مثل (فوبيا) يعتقد أننا إنجليزيو الأصل.
وحين نلفظّها بسلامة نطق شخص إنجليزي، ويرى أصولنا العربية، يرتاب، بمكان إقامتنا، ويفترض أننا ممن قضينا حياتنا في إنكلترا، وهذا غير صحيح.
الأمر ببساطة أننا نحن السوريين نحب إجادة الأمور، فإما أن نقوم بها كما يجب، وإما لا.
صحة هذه الفرضية يثبتها سلوك السوريين عموماً، فنقول:
إن الحكومة السورية، لديها (فوبيا) المسؤولية تجاه الشعب السوري، مع التشديد، أو التراخي في اللفظ، حسب ما تفرضه الأوضاع الأمنية.
قد أجادت الحكومة، فنون رفع الشعارات في محاربة الفساد، منذ سنوات، ومازالت أوضاع القضاء، والإعلام، والموقف السلبي من الأحزاب، وأنشطة الهيئات الأهلية، على ما هي عليه، وما دخلت الحكومة، في أزمة عامة أو خاصة إلا وخرجت، كأنها تولد من جديد.
في الطرف الآخر من الخط الرسمي، تستخدم كلمة (فوبيا) بطريقة مختلفة نوعاً ما كأن نقول:
عارف دليلة. ميشيل كيلو. أنور البني. كمال اللبواني. فائق المير. محمود عيسى. من سجناء الرأي، تخلصوا من (فوبيا) الزّج في السجن، لأنهم في ضيافته إلى ما شاء الله.
بعض المطلوبين من أصحاب الرأي، وموجودين خارج البلاد، يتداولون كلمة مثل (الفوبيا) مع غصة في الحلق، محملين في تلفّظها، حلم واسع، سعة رغبتهم في العودة إلى ديارهم.
نحن الذين نعيش في سوريا، نستخدم لفظ ال(فوبيا) مع بداية كل شهر، حين يتم استلام الراتب، ترتفع وتيرة التلفظ بها وقت مجيء المدراس، تقال ملفلفة بغضب دفين -لا تصل حد التظاهر- حين يطالب الأهل، بدفع لوازم ومتطلبات المدارس، ويختنقون بالكلمة، حين يروا كثافة عدد الطلاب، نسبة إلى عدد الأبنية المتوفرة، يزدادون اختناقاً بالكلمة، مع ارتفاع أقساط المدارس الخاصة، لو فكروا ببديل.
تعلو نبرة الحديث بال( الفوبيا) حين نريد الحصول على احتياجاتنا الأساسية، بأسعار معقولة ثابتة، فيما وصلت الأسعار إلى 200%.
نحمل (الفوبيا) شعارا، مع كل إجراء حكومي جديد. أعصابنا والفوبيا خط بياني بالغ الدقة. يمكنكم رؤية مؤشراتها على وجوهنا المتجهمة، في الشارع ووسائل النقل، والحدائق العامة والأسواق، في البيوت التي ما عادت أسرار. في ارتفاع نسبة الطلاق.
يحلم السوريون أنهم استيقظوا، صباحاً وخلعوا كلمة فوبيا من القاموس، وصارت ترفاً من نوع ما، كأن تكون فوبيا نفسية ناتجة عن المرتفعات، أثناء رحلات استجمام، لكن اتساع رقعة الرزيلة وبيوت الدعارة، وتدني مستوى التواصل الإنساني، إلى تواصل ذئبي، التفسخ الاجتماعي والأخلاقي، يذكرنا يومياً باستخدام الكلمة وإتقان لفظها.
أجاد بعض السوريين فنون النصب، كما أجاد آخرون الاستقامة، وأجاد آخرون فنون الرشوة كما يجيد نقيضهم نبذها، رغم أنهم يعانون من (فوبيا) نظرة المجتمع إليهم. فالأشخاص الذين حافظوا على استقامتهم الأخلاقية، وأن يكونوا من ذوي الضمير، والشرفاء هم بلهاء باختصار شديد.
قد يخطر لمذيعة تخلصت من (فوبيا) المخرج والكاميرا أن تسأل المواطنين السوريين:
لديك (فوبيا) الحرب؟
يجيبها واثقاً مثل الجميع:
شو (فوبيا)؟! أتعتقد سوريا يهزّها فوبيا؟!
قد تحصل المذيعة على إجابة من نوع آخر، بخصوص فوبيا الحرب، ضد اسرائيل:
أنا من أنصار فيروز في أغنيتها:
أنت بتجرح.... نا ومن حبك يا جار يا جار.
قد تشكر المذيعة في نهاية اللقاء، كل من ساهم في تعريف المواطنين على أنواع مختلفة من الفوبيا.
بدورنا يجب أن نشكر اللغة الانجليزية التي دخلت، المجتمع السوري من أوسع
الأبواب: باب الفوبيا.

Comments