حقوق الإنسان السوري بين الثقافي والتاريخي - الزاوية 21
غسان مفلح - خاص ثروة
إن المتتبع لتقارير حقوق الإنسان في سورية، ومتابعات المنظمات الحقوقية السورية، لقضايا المعتقلين ومحاكماتهم، يجد أنه أمام أعداد كبيرة من المعتقلين على خلفيات إسلامية، وخاصة التهمة بالانتساب لجماعة الإخوان المسلمين، المحظورة بموجب لقانون 49 والقاضي بإعدام أي منتسب لهذه الجماعة، هذا القرار- القانون الذي سن أثناء المصادمات المسلحة بين السلطة والجماعة في نهاية السبعينيات، وبداية الثمانينيات، وهذه الأعداد تعتقل وتحاكم، ولا يثار حولها أية قضايا أو حملات للإفراج عنهم. وهذه الأعداد من المتهمين والمحاكمين، في الحقيقة، تعامل بقلّة اهتمام، من النشاط السياسي والحقوقي والمدني في سورية. لا بل حتى في المنظمات الدولية. باختصار نحن جميعا مقصرون في هذا الجانب. وهذه حقيقة، تنبع من عاملين:
الأول- الموجة التي تكتسح العالم ضد الإسلاميين عموما. والثاني هو الوضع الخاص لهم في سورية. وهذا في الحقيقة، يجب معالجته بطريقة مختلفة عما تتم بها الآن. فالسلطة، رغم أنها تحاول التعامل مع التيار الإسلامي بطريقة تبادل الكراهية والمنافع، إلا أنها لازالت تحسب حسابا لهذا التيار الذي ينمو بفعل عدة عوامل أيضا، ولكن أهمها هو ما تتيحه السلطة من بناء القاعدة التحتية لنشاط هذا التيار، من معاهد ومدارس، وجوامع. وهذا ما يتيح مزيدا من الحراك في هذا التيار، مع الشارع من جهة، وداخل جماعاته ذات المرجعيات السياسية المختلفة. وذات القراءات المختلفة لما يدور من أحداث في المنطقة.
إن البدء بالتعاطي مع هذا الأمر، تفرضه مقاربتنا كنشطاء مدنيين، لكيفيات نشر ثقافة حقوق الإنسان في المجتمع السوري. هذه الثقافة، التي يجب بالضرورة ألا تميز بين معتقل رأي وآخر. رغم أنه من الطبيعي على حد قول المثل الشعبي- الذي ليس له هوى ليس له دين- من الطبيعي أن يتعاطف المرء أكثر مع من يتفق معه في التوجهات السياسية والأيديولوجية. ولكن ليس من الطبيعي أن يكون الفارق نوعيا جدا في التعاطف هذا- رغم أن التعاطف أمر يجب ن يكون بعيدا عن الاحترافية في عمل النشطاء الحقوقيين. كيف يمكننا فك الارتباط بين شعبويات إسلاموية يربيها النظام على مقاسه ووفقا لحركيته، وبين نمو ظاهرة العنف الكامن والإقصاء المتعمد، لقضايا الإسلاميين المعارضين سلميا للنظام؟
على الأقل، بحسبة بسيطة وصل أعداد من أحصيتهم في الرسائل التي تصلني إلى مئات تم اعتقالهم وتحويلهم إلى محاكمات هذا العام. ومن جهة أخرى، نجد أن التقارير التي ترد لا تميز بين تهم المعتقلين، هل هم معتقلون على خلفية تيارات جهادية يريد النظام توظيفها أو الضغط عليها، أم على خلفية تيارات معارضة للنظام؟ لأنه عموما، التيارات الجهادية هي في علاقة تحالف مع النظام. سواء علني أو تحت الطاولة. أصبح لدينا أعداد كبيرة في السجون، ولكن الصورة عنهم ضبابية، وغير واضحة في الحقيقة. وهذا يتطلب منا تدارك هذا الأمر. لأن الوضع السوري، بما يحمله من خصوصيات تاريخية يجب ألا تجعلنا نغفل هذا الجانب في نشاطنا الدعاوي والإعلامي والثقافي.
يجب أن يشعر كافة معتقلي الرأي، مهما كانت آراؤهم السلمية، أنهم في نفس الاهتمام من قبل الحركة الحقوقية والسياسية والمدنية. تماما، كما نطالب بإلغاء عقوبة الإعدام، بغض النظر عن الشخص وقضيته، التي يمكن أن يعدم لأجلها. لأن عقوبة الإعدام في سورية، تطال المنتسب لجماعة الإخوان المسلمين، كما طالت منذ عدة أسابيع مجرمين عاديين وقتلة من أجل السلب والنهب. كما أنه في هذا المجال، نجد أن جماعة الأخوان المسلمين في الخارج هي أيضا مقصرة في هذا المجال. وهذا يتطلب أيضا أن تحسم الجماعة موقفها من القضايا الحقوق إنسانية، ومن الشرعة الدولية لحقوق الإنسان. وهذه قضية ليست غير ذات معنى؛ فحسم هذا الموقف نظريا ودعاويا وسياسيا، يترتب عليه حقيقة رؤية مهمة لسورية المستقبل. أليس مهما أن يتبنى التيار الإسلامي في سورية الشرعة الدولية لحقوق الإنسان! وبعدها ليكون نموذجا يحتذى للتيارات الإسلامية الأخرى؟
Comments