Tharwalogs

News & Analyses (Arabic)

« السلوك السياسي عند الإنسان | Main | حق الأمم في تقرير المصير... ماذا يعني ..!؟ »

December 15, 2007

التنمية البشرية في العالم العربي إلى أين؟

بقلم سنديا يوسف، باحثة اجتماعية من دمشق

خاص ثروة

E06iiib2تعتبر الدول العربية من أكثر الدول في العالم، بعد قارة أفريقيا، التي تقدم معلومات دقيقة حول واقع التنمية في بلادها، إلى صندوق الأمم المتحدة الإنمائي، ويرجع ذلك إلى العديد من الأسباب السياسية والاقتصادية، ومن بين الدول العربية المتقدمة بإعطاء أرقام وتقارير دقيقة حول واقع التنمية البشرية في بلادها، دولة الإمارات العربية المتحدة، وبعدها الكويت، ومن ثم البحرين وقطر.

ومن أهم التحديات التي تواجه التنمية البشرية في العالم العربي، الحرمان من الحريات العامة، حيث دلت المؤشرات التي تعمل على قياس مظاهر متنوعة للحريات المدنية والحقوق السياسية واستقلال الإعلام، وكشفت هذه الإحصائيات أن الناس في المنطقة العربية كانو الأقل استماعا إلى الإعلام وقضايا الحرية مقارنة مع الإحصائيات على الصعيد العالمي في تسعينيات الألفية الأخيرة، وفي المرتبة الأخيرة لجميع مناطق العالم على أساس حرية التمثيل والمساءلة.

وما زالت الدول العربية تعاني من الافتقار إلى المشاركة السياسية، وهي بشكل عام دون المستوى المطلوب، وكما نشاهد اليوم أن اغلب مناطق العالم تحظى بالحريات العامة والمشاركة السياسية وحرية تأسيس المنظمات الأهلية، على عكس العالم العربي، رغم الإنجازات المتحققة في بلادها.

وترتكز المراكز البحثية في قياس التمتع بالحرية بتحديد خمس( حريات وسائلية) هي:

-الحريات السياسية – التسهيلات الاقتصادية – الفرص الاجتماعية – ضمانات الشفافية – الأمن الاجتماعي( توفير شبكات الأمن الاجتماعي المناسبة للمجموعات الضعيفة في المجتمع).

ومن أهم التحديات التي تواجه تطور التنمية البشرية في العالم العربي نقص تمكين المرأة، وتبقى نسبة استخدام طاقات المرأة العربية من خلال المشاركة السياسية والاقتصادية أكثر تدنيا في العالم. فما زالت المرأة العربية تحتل 3- 5% فقط من مقاعد البرلمانات في الدول العربية مقارنة بحولي 11% في منطقة أفريقيا و12% في أميركا اللاتينية والكاريبي.  في عدد من البلدان العربية، تعاني النساء أيضا من عدم المساواة في حقوقهن كمواطنات، وفي الحقوق القانونية. وفي بعض الدول العربية التي يوجد مجالس وطنية منتخبة، مازالت المرأة تحرم من الحق في الترشيح والانتخاب، ومازالت واحدة من كل امرأتين عربيتين لا تعرف القراءة والكتابة. ويعاني المجتمع ككل من تجميد نصف طاقاته المنتجة.

كما يواجه العالم العربي فجوة كبيرة في المعرفة، تستلزم وضع إستراتيجيات سليمة لتحقيق التكامل بين استيعاب المعرفة واكتسابها ونشرها كما يلزم، وإيجاد صلات واضحة تربط المبدعين والباحثين والمحللين السياسيين مع المنتجين وصانعي القرارات.

ورغم أن العالم العربي ينفق على التعليم نسبة الناتج المحلي الإجمالي أعلى مما تنفقه أي منطقة أخرى في بلدان العالم النامية، وارتفاع الإنفاق على التعليم بنسبة 5%بين عامي 1980-1995، ظلت هنالك أمور يتعين الالتفاف إليها، مثل ضمان تعليم أساسي شامل، وتطيور المناهج الدراسية، وطرق التدريس.

كما أن من ضروريات تطور التعليم والتربية في العالم العربي، أن يكون التعليم عالي الجودة، بدون تضحية الكيف على حساب الكم، وتقوية التعليم الأساسي لا سيما في العلوم المختلفة، والهندسة والقضاء على الأمية. وتجدر الإشارة إلى دراسة شملت 132 بلدا، خلصت هذه الدراسة إلى أن رأس المال البشري والاجتماعي يساهم بما لا يقل 64% من أداء النمو، أما رأس المال المادي – آلات ومباني وبناء أساسي فنسبته 16% . في حين يساهم رأس المال الطبيعي في النسبة المتبقية، أي في حدود 20%.

وتجدر الإشارة، إلى أن نظام التعليم الحالي لا يشجع على التقدم. فقد اتسعت الفجوة بين البلدان العربية والعالم المتقدم، وازدادت هجرة العقول إلى الخارج، مما يتطلب ضرورة الاهتمام بالعقول العربية المهاجرة، والنظر في الأسباب والاستفادة منها، وكون وجودها ونجاحها بالخارج. وتوفير الإمكانيات اللازمة لاستقطاب هذه العقول، يرتب وضع إستراتيجيات متفوقة ومتقدمة جدا، حتى تتمكن الدول العربية من مواكبة التكنولوجيا وترغيب العقول المهاجرة للرجوع إلى بلادهم. كما ينبغي أن تنفق الدول العربية على البحث العلمي ما تستطيع، وحسب دراسات، أكدت أن دولة الإمارات تنفق 0-6% والكويت 0-2% والأردن 0-3% وتونس 0-3% وسوريا 0-2% ومصر 0-2%.

وأصبح التعليم في المرحلة الحالية من التطور التقني والعلمي، القاعدة الأساسية للتنمية التي تفوق كل ما عداها من الموارد المادية، وأن الاستخدام الأمثل للموارد البشرية، يتطلب إستراتيجية وإعدادا واضحين، وهذا ما لم يتوفر في السياسات التعليمية المتبعة حتى الآن.

وما لا شك فيه، أن إستراتيجيات البحث العلمي غير واضحة في البلدان العربية، أو محدودة، فليس صحيحا تحميل الجامعة وبعض المراكز البحثية مسؤولية الإخفاق في البحث العلمي وضآلة النتاج العلمي بشكل عام، فالإبداع العلمي هو حصيلة النشاط المؤسسي في بيئة علمية صحيحة، وهذه البيئة لا تنحصر في الجامعة أو مراكز البحث، بل تشمل النظام الثقافي والمعرفة الاجتماعية.

من أهم المعوقات التي تقف في وجه تطور التنمية البشرية في العالم العربي، والتي تندرج تحت أسباب، منها عدم وجود إستراتيجية واضحة للتنمية البشرية، وأن النمو في معدلات الناتج المحلي الإجمالي أو التوازن الكافي في ميزان المدفوعات فحسب، لا يتطابق مع ما تستورده البلاد العربية، حيث أن ميزانية أغلب الدول العربية متناقضة، فمعدل الصادرات أقل بكثير من معدل الاستيراد، لكن هذا لا يعني أيضا العمل على القضاء على الفقر والبؤس.

يلعب انتشار الفساد الإداري، دورا هاما في ضعف الإنتاج في القطاع العام، حيث أن أغلب الدول العربية تسودها الأنظمة الاشتراكية، وضيق الهامش الديمقراطي، بالإضافة إلى التكاليف والخسائر المادية الكبيرة، الناجمة عن الفساد وتعطيل فرص التنمية الاقتصادية. فالفساد، يقتل المبادرة والتنافس العلمي الشريف، ويمنع تحقيق رغبة الأفراد في الترقية وفي التحصيل العلمي والمعرفة.

واللافت للنظر، أن إنتاج الكتب لا توجد بشأنه أرقام مؤكده، إلا أن هناك شواهدَ تؤكد على النقص الشديد في التأليف والترجمة. الكتب المترجمة، أرقامها هزيلة للغاية، فالعالم العربي كله يترجم سنويا ما يقارب 330 كتابا، وهوأقل ما تترجمه اليونان لوحدها، أما الكتب المترجمة منذ عصر المأمون حتى الآن، فهو بحدود مائة ألف كتاب فقط، وهو يوازي تقريبا ما أنتجته أوربا في عقد واحد.

وُضِعت سوريا حسبَ التقرير الصادر من صندوق الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2003 بالدرجة 110 من أصل 175 بلداَ، مع مؤشر 0.685 حيث ( القيمة الدنيا في المؤشر هي 0 والقيمة العليا هي 1، وكان من الملاحظ تراجع سوريا عن السنة الماضية، حيث كانت تحتل الدرجة 108 على السلم،  أي تراجعت درجتين، وست درجات على المؤشر. فقد كانت العام الماضي 0.691، وخسرت ثلاث عشرة درجة على السلم منذ عام 1997، حيث كانت تصنف بالدرجة 97 في تقرير عام 2001 مع مؤشر 0.700.

وتعد سوريا من الدول المتوسطة في التنمية البشرية مقارنة مع الدول المجاورة، حيث تصنف سوريا بعد لبنان / 83 / والأردن / 90 / ، لكنها أعلى من مصر/120 /.

وبالمقارنة مع تقارير السنتين الماضيتين، تسجل سوريا هبوطاَ مستمراَ في معدل نسبة التسجيل في المدارس، ومتوسط الدخل الفردي مع ارتفاع طفيف في متوسط العمر ومحو الأمية بين الراشدين، وتعديل الدخل الفردي كي يعادل القوة الشرائية التي انخفضت انخفاضاَ حاداَ وخسارة لأكثر من ربع قيمته في أقل من سنتين، فقد كان في عام   1999 / 4.454 / دولاراَ أميركياَ أصبح في عام 2001 / 3.280 / دولاراَ أميركياَ* إن الهبوط في درجة تصنيف سوريا هو بشكل أساسي مطابق للهبوط في المؤشر الأخير.

وفي هذا الاتجاه، تبرز جملة من المقترحات، والتي نعتقد أن من أهمها وأكثرها إلحاحا، وضع إستراتيجة عامة للتنمية البشرية الشاملة، التي تشارك في صياغتها، والإشراف على تنفيذها مؤسسات وهيئات المجتمع المدني، والتي تضع الإستراتيجية لإعادة بناء مجتمع مدني يتكيف مع الواقع الحالي، ويواكب التطور الهائل للثورة المعلوماتية، باعتباره يرسخ الأسس التعددية والاقتصادية والسياسية، وتكون هذه الأسس متكافئة وعادلة.

ومن أهم متطلبات تطور التنمية البشرية في العالم العربي، وضع إستراتيجية للتشغيل(العمل)، والقضاء على البطالة والفقر في مدة محدودة لا تتجاوز خمسة إلى ثماني سنوات، ووضع إستراتيجية بناء مجتمع علمي، يقوم على المعرفة للجميع والمعلومات، هي في خدمة المجتمع وتطوره، مما يستتبع إستراتيجية للتعليم في كافة مراحل الإستراتيجيات للبحث العلمي.

كما من الضروري وضع إستراتيجية لأحياء الثقافة الوطنية، وإقامة نظام ثقافي مجتمعي، قادر على توليد ثقافته الوطنية الخاصة، وتوسيع المشاركة وحرية الرأي واحترام الذات، حيث يبقى الشعب هو الضمانة الوحيدة والأكيدة لبناء المستقبل، ومحاربة الفساد، ولا تحمل أعباء المواجهة أيا كانت نوعها.

وأخيرا، إن ما تحتاجه  المنطقة العربية لضمان مستقبل الأجيال العربية، هو توافر الإدارة السياسية لاستثمار القدرات البشرية والمعرفية في المنطقة العربية، خاصة قدرات ومعرفة النساء، ومن إقامة الحكم الصالح والتعاون الوطيد بين الشعوب.

دمشق

TrackBack

TrackBack URL for this entry:
http://www.typepad.com/t/trackback/667491/24247904

Listed below are links to weblogs that reference التنمية البشرية في العالم العربي إلى أين؟:

Comments

Post a comment

If you have a TypeKey or TypePad account, please Sign In