Tharwalogs

News & Analyses (Arabic)

December 08, 2007

فلسفة التكنولوجيا عند هيدجر

القنبلة الذرية انفجرت في قصيدة يارسنيدس
م . هيدجر

د. خليل عبد الرحمن – خاص ثروة

Heideggerيقف العالم على عتبات تغيرات اجتماعية عميقة وجذرية، بفضل التقدم والتسارع التقني والمعلوماتي. وصارت الثورة التكنولوجيا والعلمية تشكل أهم عامل ديناميكي لتسريع وتائر تطورنا المعاصر ذي التأثير العاصف في الحياة الاجتماعية، ويتغير بفضل ذلك طبيعة العمل وجوهره، يترافق ذلك مع تغيرات في البناء الثقافي وفي الكثير من مفاهيم حضارتنا المعاصرة ومنظومات فكرية.

أمام هذا الواقع، الإيقاعات التقنية المتسارعة تبرز بحدة أسئلة فكرية قديمة وجديدة ذات أبعاد هامة تتعلق بطبيعة ظاهرة التقنية وبمشكلة وجود الإنسان ومصيره أمام هذا التقدم. ولعل السؤال الأبرز والأكثر وضوحاً هو: هل يعتبر التقدم التقني عاملاً خيراً ونافعاً للإنسانية، أم يخفي في طياته هلاكاً وبؤساً لها؟

بهذا المعنى، صار مسألة التطور التقني – العملي المعاصر ميداناً لسجالات ومناقشات فلسفية وفكرية حادة وعميقة. واليوم، يعايش الفكر عصر ازدهار فلسفة التقنية، حيث تنشط الأفكار الاجتماعية وتشتد حدة نتيجة لتلك الانتصارات الباهرة للتقنية العلمية. ومن هنا، فقد ظهرت فرضيات وآراء ونظريات جديدة، تعي أهمية ديناميكية وتلك التغيرات الحاصلة في ظروف المدينة التقنية.

يتميز الفيلسوف الألماني مارتين هيدجر بوجهة نظر خاصة من بين هذا الركام من النظريات والآراء عن مفهوم التكنولوجيا. ولعل ذلك مرده، العمق والشمولية اللذين تتميز بهما آراؤه بهذا الصدد.

وأهم سؤال في فلسفة هيدجر يتعلق بمعنى الكينونة، هذا السؤال وهو الأكثر أهمية وغموضاً في الفكر، وتكمن الأهمية  في تفسيره وتوضيحه. إن السؤال عن الكينونة يعني استنارة السائل بالموجود – الآن – هناك كينونة في كينونته التقنية، هي أسلوب لإثبات وتأكيد وجود الإنسان، هي الأول بالمقارنة مع المجتمع. لقد أظهر هيدجر أن التقنية لا تصمم ولا تصيغ فقط العالم التقني التي يتسلط عليه ويستبد به وحسب، بل وتخضع لأوامر كل مجالات الوجود، ويتسرب ويتغلغل بأبعادها في الحياة الإنسانية والاجتماعية والتاريخية.

بهذا الشكل، يعلن هيدجر وبحدة قطيعته مع تقاليد فلسفة التقنية الأوروبية، التي ركزت جل َّاهتمامها على المنجزات والاكتشافات والتنبؤ بالمستقبل على ضوء التقدم التقني. وربما تعلم تلك الفلسفة أن المجتمع الإنساني تحوّل إلى آلة عملاقة وضخمة يمثل الإنسان فيه دور المادة الخام نتيجة التقدم التقني.

Continue reading "فلسفة التكنولوجيا عند هيدجر" »

November 29, 2007

المرأة المفكرة في ظلال البطريركية

د. ميديا محمود - خاص ثروة

Hypatiaترافق الترويج لمحدودية تفكير المرأة، وضعفها، والتفوق البيولوجي للرجل عليها، بإقصائها وزجها بعيداً عن عالم الفكر والمعرفة، فلقد اعتبر هذا المجال وفقاً لمفاهيمٍ ذكورية سائدة حرماً عليها، بينما اعتبر المنزل باهتماماته الروتينية المجال الحيوي الوحيد المتاح لها، حيث يقول منظر البطريركية المعلم الأول أرسطو: "إن المرأة مرأة لنقص فيها، وعليها أن تلزم بيتها كتابعة لزوجها"[1] هكذا قد بقيت المرأة على مر العصور البطريريكية أسيرةً للمنطقة المسماة بالحريم، بما تتضمنه الكلمة من بعد مكاني وفكري، فالحرمة والتحريم والحريم مفردات جلّها يتضمن معاني المنع والكبت والحجر، لكننا نجد أن كل هذا المنع لم يكن ليقف حائلاً أمام نساءٍ  لامعات مفكرات وفيلسوفات استطعن أن يقمن بدورهن في البحث عن الحكمة منذ فجر التاريخ، هذا الدورالذي قد يجده البعض صغيراً أوكبيراً، لكنه يثبت على أية حال، قدرتهن على القيام بدور أكبر إذا ما لاحت الفرصة وتغيرت البيئة المناوئة التي تعمل على كبت قدراتهن، وتمنعها من الظهور"[2]  لقد تعرضت النساء المفكرات العالمات على مر العصور،  إلى شتى أنواع العنف، من اتهام بالشعوذة والسحر والسجن والحرق أو الذبح، ومنع نتاجاتهن من إيجاد طريقها إلى جمهور القراء والمستمعين، والتشكيك بقدراتهن وإمكاناتهن.

نستعرض هنا نماذج لنساء مفكرات من بقاع مختلفة من المعمورة وفي أزمنة متراوحة، لكنهن تعرضن لذات الإقصاء والعنف، ومردّ ذلك هو الأسس البطريريكية التي بنيت عليها مجتمعاتهن. 

فمن من هاته النساء: هيباشا الإسكندرانية، عالمة الرياضيات والفيلسوفة، التي تعتبر إحدى أهم أعلام الفكر النسائي، إذ استطاعت أن تبزّ أهل زمانها في الفلسفة حتى تم تعيينها في المتحف وهي لم تتجاوز  الخامسة والعشرين (أو الثلاثين على الأكثر) من عمرها. ويظهر هذا الاستثناء واضحاً أيضاً ولاسيّما إذا عرفنا أن حكومة الإسكندرية كانت مسيحية (أو شبه مسيحية) في ذلك الوقت، في حين كانت هيباشيا لا تزال على ديانة اليونان القديمة، ثم ما دامت التعيينات في المتحف تتم بأمر من الإمبراطور أو نوابه، فلا بد أن تكون هيباشيا أستاذة متفوقة حتى تنعم بميزات علماء المتحف في هذه السن الصغيرة، كما كانت هيباشيا تحاضر كأستاذة للفلسفة في الإسكندرية، وحينما كانت تقوم بشرح مذهب أفلاطون وأرسطو، كانت قاعة درسها تكتظّ بأثرياء الإسكندرية. 

Continue reading "المرأة المفكرة في ظلال البطريركية" »