حق الأمم في تقرير المصير... ماذا يعني ..!؟
دهام حسن – خاص ثروة
إن انتصار الرأسمالية على الإقطاع، اقترنت بصعود الحركات القومية، ممثلة بالبرجوازية، إلى السلطة، والهيمنة الاقتصادية والسياسية، فالطبقة البرجوازية، انطلقت من أساس اقتصادي، إثر تفوقها في الإنتاج البضاعي، ومن ثمّ غزوها للسوق القومية، وهيمنتها على حركة السوق، من حيث كمية الإنتاج، ومبدأ العرض والطلب؛ ومن هنا كان لا بد من اعتماد لغة واحدة، تسهّل تواصل الناس فيما بينهم، ودخولهم في مبادلات تجارية.. فالرأسمالية كنظام اقتصادي، يستوجب إقامة دول قومية في العالم المتمدن؛ وهنا علينا أن نميز بين طورين للرأسمالية، في الطور الأول: برزت البرجوازية كقوى فتية مناضلة ضد الإقطاعية، وضد النظم الثيوقراطية، وطرحت شعارات ــ الحرية، الإخاء، الديمقراطية، المساواة ــ استقطبت المشاعر القومية، ودفعت الحركات الجماهيرية الواسعة باتجاه السياسة، وبالتالي الالتفاف حول البرجوازية ضد عهود القهر والظلام؛ فالحركة القومية في هذه المعارك لبست رداء تقدميا، ومالأت الطبقات الدنيا في تطلعاتها، وترجمت على أرض الواقع كثيرا من شعاراتها، وأرست اللبنات الأولى للنظام الديمقراطي؛ لكن.! بعد أن استتبّ لها الأمر، وهيمنت على قطاع الإنتاج، وحركة السوق، واتخمت ثراء، تنكرت لكثير من تلك القيم والمبادئ التي جأرت بها، وانقلبت على حلفاء الأمس، وتحولت تلك النظم إلى دول استعمارية، تطلعت إلى بلدان أخرى فاستعمرتها، ومنها ما انزلقت بعيدا، فاستحالت إلى نظم فاشية، كما جرى في كل من ألمانيا وإيطاليا؛ ومن هنا، من هذا الواقع الجديد انطلق شعار حق الأمم في تقرير مصيرها.
لقد أحست الأمم الصغيرة، أنها تتعرض للقهر والاضطهاد من قبل الأمم الكبيرة التي تتنكر لحقوقها، وأحيانا لوجودها، وخشيت على شخصيتها من الإذابة والانصهار، فرفعت بالتالي شعار حقها في تقرير مصيرها؛ فماذا عنى هذا الشعار؟ لا شك أن التفسيرات لهذا الشعار، شابها كثير من الخلط؛ بتأثير ضغط العقلية القومية، وضيق الأفق القومي، لدى الأمم الكبيرة، وعدم وضوح الرؤية، بل العمى النظري عند كثير من أصحاب الذهنيات المؤدلجة.
إن حق الأمم المضطهدة في تقرير مصيرها، يعني بكل وضوح ودقة شيئا واحدا ووحيدا، إذا ما توخينا الوضوح والصراحة، ودون الركون إلى مفاهيم نظرية مجردة، أو التلاعب بمسائل قانونية، إنها تعني، حق الأمم المضطهدة في الانفصال، حقها في تقرير مصيرها بنفسها، بما فيه تكوين كيان قومي قائم بذاته، وخاص بها، هذا الحق يعني حرية الانفصال السياسي، وهنا يمكن أن نجتهد مع المجتهدين ونقول: إن هذا الحق لا يعني بالضرورة أن يتم الانفصال، لكن بالمقابل لا ينفي هذا الحق.! حق الانفصال أيضا؛ أما المزاعم، حول تسويق دعوة الاتحاد الفدرالي بين الأمم، بذريعة أهميتها وأفضليتها على شعوب البلد المعني، وإن صحت هذه المزاعم فهي لا تخرج عن إطار الدعوى فحسب، وتكون بالتالي من باب مخادعة الذات، ومخادعة الآخرين، طالما لا تقر أية سلطة، أية ثورة، بحق الأمم المظلومة في تكوين كيانها المستقل؛ إن حرية الاتحاد الفدرالي، تأتي، وتبدأ بعد الإقرار بحق الأمم في حرية تقرير المصير، لتقوم بعدها الكيانات القومية الصغيرة، في علاقات ندية مع الأمم الكبيرة، وتتفق بالتالي على صيغة الفيدرالية، أو حتى الوحدة، مع وجوب ترك المجال مفتوحا بالتالي للانفصال، فلا تكتب لأي اتحاد ديمومة، إذا لم يترك أي اتحاد أبواب الانفصال مشرعة، كحق من حقوق الأمم الصغيرة.
Continue reading "حق الأمم في تقرير المصير... ماذا يعني ..!؟" »
















