رزان زيتونة
حوالي خمسة عشر كيلو مترا جنوب شرق دمشق، بعد طريق طويل حافل بالمنتزهات وبما تبقى من بقع خضراء في غوطة دمشق، وبعد المرور بقرى كثيرة بالكاد سمع معظمنا بأسمائها، نصل إلى قرية "العبادة".
للوهلة الأولى، تبدو هذه القرية مغرقة في سحرها. فالبيوت الطينية القديمة، تحسبها بيوتا يرتادها السياح للتدثر بدفء الماضي وحلاوته. أما البيوت الإسمنتية القليلة التي تناثرت هنا وهناك، فتبدو دخيلة على ما حولها. بطبيعة الحال، لا تدوم هذه الانطباعات طويلا. 
سرعان ما يكتشف المرء، بأن أهالي القرية يحتفظون بهذه المنازل الطينية ذات الأسقف الخشبية، لأنهم مغرقون في الفقر، وامتلاك منزل اسمنتي هو حلم بعيد المنال عن معظمهم. وسرعان ما يعرف، بأن الدفء الأولي الذي يحسه في ملامح الماضي، هو مجرد وهم لا يشاركه فيه أهالي القرية. خاصة بعد أن زاد على فقر هذه القرية وإهمالها، سبعة من شبانها اعتقلوا منذ أكثر من سنتين على خلفية ما بات يعرف ب"التطرف الإسلامي".
بالمناسبة، فقرية العبٌادة، تسبق بمسافة قصيرة قرية العتيبة ، التي يوجد عدد من أبنائها في سجن غوانتانامو، وعدد آخر في سجون السلطة في سورية، بتهمة الانتماء إلى "الوهابية التكفيرية" ، كانوا قد حكموا مؤخرا من محكمة أمن الدولة العليا بالسجن لمدد تتراوح ما بين خمس وتسع سنوات.
أما العبادة، فقد استيقظت ذات يوم على سفر بعض شبانها مع زوجاتهم إلى العراق بدون علم عائلاتهم أو أصدقائهم. ثلاثة أخوة رحلوا بغير رجعة، أحدهم قتل في العراق ، واثنان لا يعرف عنهما شيء منذ رحيلهما..أما أخوهم الرابع فيقبع في أحد الفروع الأمنية .
بعد رحيل الشبان بحوالي الشهر، شنت السلطات الأمنية حملة اعتقالات في صفوف معارفهم وأصدقائهم، شملت سبعة من أهالي القرية، اختفى أثرهم من لحظتها وأنكرت جميع الفروع الأمنية تواجدهم لديها على الرغم من أنهم اعتقلوا من منازلهم .
كما في جارتها قرية العتيبة، يحمل أهالي العبادة دفاعا عن النفس يبدؤون به قبل أن يبادر أحد إلى سؤالهم حتى، "قريتنا فقيرة ومعدمة...يوجد لدينا محام واحد ..لا يوجد أي طبيب تخرج من القرية.."
لن تجد الوقت لتحاججهم بأن الكثير ممن يحملون الفكر الجهادي متعلمين وأثرياء، هم أصلا لا يأبهون كثيرا لمن رحل إلى الخارج، بل جل اهتمامهم ينصب على من رحل إلى الداخل!. معظمهم لا يوافقون على التهم الموجهة إلى أبنائهم، ويؤكدون بأنهم لا يحملون أي فكر جهادي، وأنهم اعتقلوا كآخرين على الشبهة فقط وبدون أدلة حقيقية تدينهم. يدعم قولهم هذا العديد من التقارير الحقوقية التي تتحدث عن انتزاع الاعترافات من المعتقلين تحت التعذيب الشديد الجسدي والنفسي وعدم توفر محاكمة عادلة ونزيهة لهم.
Recent Comments